باستقالة رئيس الوزراء شابور بختيار، وإعلان الجيش حياده، انهار عهد الشاه تماما
باستقالة رئيس الوزراء شابور بختيار، وإعلان الجيش حياده، انهار عهد الشاه تماما

رستم محمود/

في مثل هذه الأيام بالضبط، قبل أربعة عقود، كان نظام الشاه الإيراني محمد رضا بهلوي يعيش أيامه الأخيرة. كانت التظاهرات قد وصلت أوجها، والشاه نفسه قد غادر البلاد منذ أسبوعين، تاركا الحكم لـ "مجلس المُلك" ورئيس وزراء أُتي به من صفوف المعارضة، هو شابور بختيار. حدث ذلك التفكك لنظام الشاه بعد أكثر من سنة ونصف من الأوضاع الداخلية المضطربة، شاركت فيه مختلف فئات الشعب الإيراني، الاجتماعية والسياسية والثقافية والطبقية.

فيما بعد، خلال أقل من تسعة أشهر من ذلك التاريخ، كانت إيران تُحكم فعليا من قبل نخبة من رجال الدين، الذين كرسوا نمطا من حكم الاستبداد الثيوقراطي المطلق، يشكل الخميني رأس هرمه، بعدما منح نفسه لقب الولي الفقيه، متمتعا بطيف من الصلاحيات والسلطات المطلقة، تتجاوز حتى تلك التي كانت يتمتع بها ملوك وأمراء القرون الوسطى.

أدار "مجلس الخبراء" اللعبة لفرض دستور يُخضع إيران لنظام سياسي ثيوقراطي قروسطي بمركزية رجال الدين وهيمنتهم

​​طوال هذه العقود الأربعة، صرفت الآلة الدعائية والسياسية والمالية لهذا النظام السياسي كثير من الجهد والمال والاستراتيجيات في سبيل محو تلك الشهور التسعة التي فصلت لحظات انهيار نظام الشاه وأيام تكريس نظام الخميني.

كانت طبقة المثقفين والمعرفيين الليبراليين الإيرانيين نامية إلى حد معقول

​​تلهفت بإصرار لإثبات أن هذه الطبقة من الثيوقراطيين هم الذين أشعلوا ونظموا وقادوا، ولوحدهم، نضال الشعب الإيراني في مواجهة السلطة التي كانت؛ وأن القواعد الاجتماعي الإيرانية اختارت فيما بعد هذا النمط من السلطة والدستور والنخب لتحكم البلاد، دون عنف وإكراه وإرهاب من قبل هذه الطبقة الدينية، ضد الطبقات والنخب والمشاريع الدستورية الأخرى، التي كانت كثيرة وشريكة لطبقة رجال الدين هؤلاء، ومساهمة بأكثر من النصف في النضال الذي أدى في المحصلة لسقوط نظام الشاه.

سعى النظام الإيراني الراهن، منذ أربعة عقود وحتى الآن، بتخطيط ووعي استراتيجي تام، لأن يدمج بين ما كان ثورة للشعب الإيراني أطاحت بنظام الشاه محمد رضا بهلوي، وبين حركة الانقلاب السريعة التي قامت بها طبقة رجال الدين فيما بعد، حيث أطاحوا بكل الشركاء السياسيين واستولوا وفرضوا نظاما سياسيا يرغم الإيرانيين على الخضوع لسلطتهم ونمط أيديولوجيتهم وتوجهاتهم الإقليمية والدولية.

♦♦♦

تقول السيرة الأكثر موضوعية لأحداث تلك السنوات، بأن نظام حكم الشاه كان يفقد حيويته منذ أوائل السبعينيات، وأن الأغلبية المطلقة من الشعب الإيراني صارت تُعطي أذنا وشرعية لأربع نزعات سياسية غير منضبة ومنظمة في المعارضة الشرعية/الرسمية التي كانت؛ أربع نزعات تسعى كلها للقطيعة مع النظام، من خلال الإطاحة بالشاه.

فالريفيون الإيرانيون يعانون من آثار الفقر والتهميش السياسي والرمزي لهم، بعدما فقدت السياسات الزراعية التي أرساها والد الشاه محمد رضا بهلوي، قبل عقود، وصارت الأحزاب اليسارية/الشيوعية بالغة التأثير على هؤلاء الريفيين، خصوصا وأنهم كانوا يشاهدون حجم البذخ الرهيب الذي كان تمارسه طبقة الحكم المحيطة بالشاه محمد.

كذلك فإن سكان المدن، بالذات الضواحي التي بدأت تنمو منذ أواخر الخمسينيات، كانوا متأثرين بسوء أداء البرنامج التنموي الموعود، الذي كان يعتمد بالأساس على الارتفاع الاستثنائي لأسعار النفط منذ أوائل السبعينيات. كان هؤلاء يخضعون للخطابات العاطفية لليساريين ورجال الدين، التي كانت مليئة بالعواطف وسير المظلومية الشيعية، التي كانت تدمج صورة الشاه والمحيطين به بصور "الطغاة" في المخيلة الشعبية الشيعية.

اقرأ للكاتب أيضا: الجلوس قُبالة محمود عثمان

مثل هاتين الطبقيتين، كانت طبقة المثقفين والمعرفيين الليبراليين الإيرانيين نامية إلى حد معقول، مستفيدة من توجهات وسياسات "الغربنة" التي كان يسلكها الشاه، خصوصا في الحيزين الثقافي والرمزي. كانت هذه الطبقة تتلهف للمزيد من الحريات والمساحات السياسية، بالذات فيما خص بناء نظام ملكي دستوري حقيقي.

أخيرا، كان أبناء الأقليات، بالذات الكُرد والعرب، يعانون من توجهات "الفرسنة" التي كان ينتجها نظام الشاه، في المجالات السياسية والثقافية/اللغوية، وحتى الرمزية الخطابية لطبقة الحاكمين.

شاركت هذه الطبقات الأربعة، وعبر تنظيماتها وتعبيراتها السياسية العديدة، من أحزاب وتجمعات وعُصب، شاركت بكثافة في الاحتجاجات التي اندلعت منذ شهر تشرين الأول/أكتوبر من العام 1977، ووصلت لذروتها في مثل هذه الأيام قبل أربعة عقود، وأطاحت بنظام الشاه، كانت تلك ثورة الشعب الإيراني.

♦♦♦

بُعيد ذلك مباشرة، فإن سلسلة من الأحداث جرت، حولت تلك الثورة إلى انقلاب سياسي/عسكري، سمحت في المحصلة لأن يتكرس النظام الحاكم راهنا.

فبعد عودته بثلاثة أيام، خوّل الخميني نفسه تكليف الشخصية المعارضة مهدي بازركان رئاسة الحكومة، معتبرا نفسه محتلا لمكانة الشاه التي كانت، دون حتى أن ينتظر استقالة رئيس الوزراء شابور بختيار. لكن ذلك ما كان له أن يجري، لولا الالتزام الدستوري للجيش الإيراني وقتئذ، حيث أعلن رئيس أركانه بعد أسبوع بالضبط حيادية الجيش عن صراع النظام مع الثوار.

باستقالة رئيس الوزراء شابور بختيار، وإعلان الجيش حياده، انهار عهد الشاه تماما، وصار في إيران مركزان للحُكم: حكومة ديمقراطية إصلاحية برئاسة مهدي بازركان، تدير المؤسسات البيروقراطية والخدمية وترسل تطمينات للطبقات المدنية وكبار الملاك والتجار الإيرانيين والمجتمع الدولي. و"مجلس ثوري" بزعامة الخميني ورجال الدين المحيطين به، يمتلكون السلطة الحقيقية، ويخططون لتأسيس نظام حكم حسب خياراتهم ومصالحهم، ومستعدين لاستخدام كافة الأساليب في مواجهة "الشركاء" فيما لو وقفوا في وجه ذلك.

خلال فترة قصيرة تحولت اللجان الثورية المُرتبطة بالخميني إلى سُلطة ميلشياوية عسكرية سُميت بـ"الحرس الثوري"

​​خلال فترة قصيرة تحولت اللجان الثورية المُرتبطة بالخميني إلى سُلطة ميلشياوية عسكرية سُميت بـ"الحرس الثوري"، استطاعت بفضل التنظيم الاستثنائي الذي كان يتمتع به المحيطين بالخميني دون غيرهم من القوى السياسية، ترهيب كافة القوى السياسية الأخرى. وأسست هذه السلطة الميليشياوية المحكمة الثورية التي أصدرت المئات من أحكام الإعدام المستعجلة، سواء على ضباط ورجال عهد الشاه، أو على الشُركاء غير المتمثلين لقرارات الخميني، والتي شغلت مكان كامل الجهاز القضائي الإيراني وامتلكت سلطته، الذي من المفترض أن يكون حِرفيا وحياديا.

في نفس السياق الزمني خلال تلك الشهور، أُعلن التأسيس والاستفتاء على "مجلس الخبراء"، الذي صار سلطة تشريعية فوق أي برلمان منتخب. أدار هذا المجلس اللعبة لفرض دستور يُخضع إيران لنظام سياسي ثيوقراطي قروسطي، بمركزية رجال الدين وهيمنتهم، وبزعامة وسُلطات تشريعية وتنفيذية مطلقة ومفتوحة ومدى الحياة للخميني، ومن سيخلفه من بعد.

 بعد ذلك بدأت حرب أهلية واضحة الملامح، أطاحت فيه الأجهزة العسكرية والمليشياوية التابعة للخميني بكافة القوى السياسية التي رفضت هذا السياق للأحداث، من حزب توده "الشيوعي" إلى منظمات مجاهدي خلق، ومن طبقة ضباط الشاه إلى الأحزاب الليبرالية الديمقراطية، ومن حركات القوميين الإيرانيين/الفرس إلى حركات تمرد "الأقليات" الكردية والعربية، وكان ذلك انقلابا.

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"
يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"

كأنّ هناك عقلًا واحدًا يتحكّم بصانعي الفوضى في العالم، اذ إنّ هؤلاء لا يجدون سوى وصفة واحدة لإحلال السلام: الاستسلام لهم!

ومن يدقق بالعبارات التي يستعملها صانعو الفوضى في العالم، يتفاجأ بأدبيّات موحّدة، فالقيادة الروسية بزعامة فلاديمير بوتين تحمّل الغرب مسؤوليّة دخول حربها على أوكرانيا عامها الثاني، لأنّ هذا الغرب يزوّد أوكرانيا بمقوّمات الصمود العسكري والإنساني، مما يحول دون استسلامها.

بالنسبة للقيادة الروسيّة: السلام مستحيل، والتصعيد ضرورة، والدمار واجب، والقتل حتمي، طالما أنها عاجزة عن تحقيق أهدافها المعلنة في أوكرانيا، فالطريق إلى السلام قصير جدًا، إذا سارت كييف بشروط موسكو.

هذه العقلية الروسيّة لا تعير أيّ اهتمام للقانون الدولي وللسيادة الوطنية وللمصالح الإقليمية وللسلم الدولي ولموازين القوى، فهي إمّا تنتصر وإمّا تفني العالم، من خلال رفع مستوى التهديد باللجوء إلى احتياطاتها الخطرة من الرؤوس النووية.

وثمّة دول مستفيدة من هذا الانحراف الروسي، فالصين التي تنافس الولايات المتحدة الأميركية على زعامة العالم، تجد في القيادة الروسيّة ضالتها، إذ إنّ هوسها بالانتصار المستحيل سوف يوهن موسكو ويلحقها ببكين، وسوف يضعف الاتحاد الأوروبي ويبعده عن دائرة التأثير في صناعة موازين القوى الاستراتيجية في المستقبل.

ولكنّ دون هذا الهوس الروسي من جهة أولى وهذا الهدف الصيني، من جهة ثانية، يقف وعي غربي جماعي، إذ اكتشفت دوله أنّ تعاضدها ووقوفها في صف واحد مع الولايات المتحدة الأميركية، وحده كفيل بتوفير مستقبل سيادي لها ولشعوبها.

قبل الغزو الروسي لأوكرانيا، كان الغرب شبه مفتّت ووحدته شبه متفسّخة، إذ كانت المصالح الاقتصاديّة تتقدّم على كل المخاوف الاستراتيجية.

بعد الغزو الروسي، وفي ظل القراءة العميقة للأداء الروسي، اختلفت الأحوال، إذ إنّ الوقاية من مخاطر المستقبل تمرّ بتوفير الشروط اللازمة للحيلولة دون استسلام أوكرانيا، بصفتها بوابة أوروبا،  أمام "الدب الروسي" الذي سوف يسلّم نفسه والآخرين لمشيئة "التنّين الصيني".

ومن روسيا ننتقل مباشرة إلى لبنان، حيث منطق "حزب الله" لا يختلف بشيء عن منطق "حزب الكرملين".

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"، وفق "تكليف" صادر عن المرشد الاعلى علي خامنئي، وذلك خلافًا لإرادة سائر القوى السياسية التي تريد أن يعود لبنان عنصرًا فاعلًا في محيطه العربي وفي بعده الدولي.

ولهذا يسعى "حزب الله" إلى أن يفرض رئيس الجمهورية الذي يناسب مخططه، وهو من أجل تحقيق ذلك يترك البلاد لقمة سائغة في فمّ الفراغ المنتتج للفوضى وللفقر وللجوع.

وكالعادة  لا  يتحمّل "حزب الله" تبعة ما يقدم عليه، بل يلقيه على عاتق من يتصدّى لمخططاته، وهو، من أجل إعطاء صدقية لمقولات "الهروب إلى الأمام"، يقحم الولايات المتحدة الأميركية ويهددها بفوضى تشمل كل المنطقة.

ولسان "حزب الله" يقول: هاتوا الرئيس الذي نريد  ويحقق لنا ما نرغب به فنعفيكم من الفوضى والكوارث!

وترفض غالبية اللبنانيين الرئيس الذي يصرّ عليه "حزب الله"، وتطرح عليه حلولًا وسطًا، لكنّ الحزب يرفض ذلك، على قاعدة: استسلموا تسلموا!

صحيح أنّ القوى التي ترفض الرضوخ لـ"حزب الله" ليست أوكرانيا والقوى الخارجية المؤيّدة لها لا تفتح أمامها مخازن السلاح وخزائن المال، ولكنّ الصحيح أيضًا أنّ من بيدهم القدرة على انتشال لبنان من جحيمه يقولون للبنانيّين: إذا استسلمتم لإرادة "حزب الله" لا تهرعوا علينا، فنحن لن نساعد دولة تضع إمكاناتها في مساعدة أعدائنا.

وكما تعرض روسيا الاستسلام لتوقف حربها في أوكرانيا كذلك يعرض "حزب الله" الاستسلام على سائر اللبنانّيين حتى لا يوقعهم أكثر في الفوضى والجوع.

المشكلة مع هذا المحور الذي يعاني منه السوريون واليمنيون والعراقيون والإيرانيون أنّه يعرض عليك الحياة لينتزع منك…الحياة!