البابا فرانسيس عند وصول إلى مطار أبوظبي
البابا فرانسيس عند وصول إلى مطار أبوظبي

مالك العثامنة/

لأسباب عائلية خاصة، تعذر عليّ تلبية دعوة من دولة الإمارات العربية المتحدة لحضور فعاليات "لقاء الأخوة الإنسانية" كما تمت تسميته رسميا في الإمارات؛ وبالنسبة لي ككاتب وصحافي فالحدث الحقيقي هو زيارة بابا الفاتيكان ورأس الكنيسة الكاثوليكية البابا فرنسيس للجزيرة العربية وإقامته قداسا على أرضها. قداس لا أعتبره الأول في التاريخ، فالجزيرة العربية كانت موطنا أصيلا للمسيحيين العرب واحتوت جغرافيتها كنائس متعددة حتى في مكة نفسها.

لكن الحدث يأخذ بعدا آخر بشخصية بابا الفاتيكان نفسه، فالرجل الكاريزمي مثير للجدل، وبلا شك هو قصة صحافية أينما حلّ وارتحل، وحياته المتخمة بالمدهشات تجعل الزيارة نوعية مختلفة عن زيارة "رئيس دولة" وتتجاوز بروتوكولات السجاد الأحمر وديباجة " العلاقات الثنائية بين البلدين!".

يؤمن البابا بالانحياز للفقراء وقد ثبت على شعاره البابوي كلمة "الرحمة"

​​في أبوظبي، وعلى واحد من ملاعب ستاد زايد، سيكون الأرجنتيني من أصول إيطالية خورخي ماريو بيرغوليو، على رأس قداس مسيحي هائل، في بلد لا مسيحيين فيها إلا المقيمين على أرضها أو زوارها من السياح والضيوف، هذا بحد ذاته كاف لمتطلبات عام التسامح الذي أعلنته الإمارات عنوانا لسنة 2019؛ وكاف جدا للاستعراض المبهر الذي يبحث عنه خبراء العلاقات العامة في الدولة، التي انتهت للتو من تنظيم مبهر لكأس آسيا لكرة القدم وقد خرج منه خصمها اللدود "قطر" فائزا بالكأس في مباراة نهائية أمام اليابان لم تكن أقل إبهارا. وهي ذاتها قطر التي تحتضن قطب التيار الإخواني الأكثر تطرفا وتشددا يوسف القرضاوي، عراب "أسلمة" ثورات الربيع العربي، والخصم الشرس لمؤسسة الأزهر التي دعت الإمارات شيخها ليكون الند الموازي لبابا الفاتيكان، مكرسا كرأس العالم السني.

اقرأ للكاتب أيضا: في انتظار غودو العربي: بطل من خارج الزمان

وحده بيرغوليو، القارئ الجيد للمعطيات السياسية والتاريخية، سيدرك حجم زيارته وكثافة الدلالات فيها، وهو الذي سيلتقي قبل قداسه في مؤتمر ضخم أكثر من 800 شخصية دينية تمثل مختلف أديان وطوائف العالم.

(مصدر مطلع من طرف الفاتيكان سرب لي خبرا أن البابا طلب مقابلة شخصية شيعية عراقية رفيعة، لم يتم دعوتها لكن تم دعوة ابن شقيقه المقيم في بريطانيا!)".

♦♦♦

بيرغوليو، كما يحب سكان مدينته ومسقط رأسه "بيونس أيريس" أن ينادوه حتى اليوم بتحبب، يتحدث عن حوار الأديان، وهو منسجم جدا مع ذلك، فضمن حياته الثورية على كل ما هو سائد، كان دوما يؤمن بالحوار ليس مع باقي الأديان وحسب، بل حتى مع اللادينيين، من منطلق إيمانه بالإنسان، فقد نادى ذات مرة وهو أسقف بيونس أيريس، بأنه بإمكان المؤمنين والملحدين أن يكونوا حلفاء أقوياء للدفاع عن الكرامة الإنسانية!

ابن المهاجر الإيطالي والشغوف جدا بمتابعة الأفلام السينمائية والعاشق لكرة القدم ومشجع نادي برشلونة، قال للكرادلة في بداية ثورته الإصلاحية في الكنيسة الأكبر في العالم متسائلا "هل أنتم متأكدون أن الكنيسة تقوم بعملها وليس عكس ذلك؟".

تساؤله هذا كان واضحا في تحديد ملامح توجهه الثوري المثير للجدل في تاريخ الكنيسة الكاثوليكية، حتى اختياره للاسم البابوي كان مميزا وغير تقليدي، فمنذ اللحظة الأولى لانتخابه في المجلس المغلق، وقبل الإعلان عن ذلك بالدخان الأبيض، همس أحد الكاردينالات في أذنه مهنئا "لا تنس الفقراء!".

يقول بيرغوليو إنه حينها خطر على باله القديس فرنسيس الأسيزي، وهو نصير الفقراء، فاختار الاسم في لحظتها بلا تردد، ليبدأ ثورته ويعيد الكنيسة للفقراء. لقد كان الاسم الذي اختاره بحد ذاته برنامجا واضحا لأفكاره، بإعادة الكنيسة إلى جذورها الإنجيلية والخروج عن طقوسها ما وراء الإنجيلية.

وبعد الإعلان عن تكريسه رأسا للكنيسة، رفض ركوب سيارة المرسيدس الفخمة، ليركب الحافلة مع باقي الكرادلة، ويتجه إلى غرفته الفندقية المتواضعة في نزل بيت القديسة مرثا، التي صارت منزله حتى اليوم، متخليا عن قصره البابوي.

في تلك اللحظة بالتحديد، أسقط بيرغوليو فكرة البابا الملكي الإمبراطوري، وماتت الأرستقراطية البابوية المترفة مع تكريسه منذ اليوم الأول. لقد أطل على الجماهير المحتشدة في إطلالته الأولى بعد ساعة من اختياره كبابا لروما، ليبدأ حديثه معهم بقوله "بوناسيرا" أي مساء الخير بالإيطالية، وطلب في خطابه الأول من الحشود التي تنتظر منه الصلاة والمباركة أن تصلي له وقد أحنى لها رأسه، كان ذلك كله على بساطته الشديدة، خروجا ثوريا عن كل تقاليد من سبقوه.

هل هو اشتراكي؟

بالتأكيد ليس كذلك، لكنه يؤمن بالانحياز للفقراء وقد ثبت على شعاره البابوي كلمة "الرحمة" موضحا دوما في عظاته بتكرار أن الرحمة هي أقوى رسالة من الرب.

بعد الإعلان عن تكريسه رأسا للكنيسة، رفض ركوب سيارة المرسيدس الفخمة، ليركب الحافلة مع باقي الكرادلة

​​هل هو ليبرالي؟

لا أحد يمكن نعته بذلك، والليبراليون السياسيون والاجتماعيون يعادونه لموقفه الحاد ضد زواج المثليين وأفكاره المحافظة ضد الإجهاض!

هل هو سياسي؟

قد يكون سياسيا لكن بشكل غير تقليدي، وهو الذي صارع اليمين واليسار في الأرجنتين على حد سواء، وهو نفسه الذي يقول عن نفسه معرفا لها بأنه خاطئ مثل بقية الخاطئين، ورجل مثل بقية الرجال.

♦♦♦

لماذا هذه التقدمة التعريفية المكثفة والموجزة عن البابا فرنسيس؟

حسنا... بصراحة، كل ما قرأته وشاهدته وعرفته عن بيرغوليو، يجعلني أتساءل بصدق:

بعيدا عن عام التسامح وكل حملات العلاقات العامة الناجحة والمبهرة التي تنظمها الإمارات، فهل زيارة البابا فرنسيس بكل ما يحتويه الرجل من خبرات ثقيلة، هي في ذات سياق العلاقات العامة المبهرة وحسب؟

اقرأ للكاتب أيضا: إعادة بناء ماذا؟

شخصيا، أرى في زيارته أكثر من طقوس ليتورجية ـ كنسية في قداس أو أوراقا وكلمات تتحدث عن التعايش في مؤتمر. ربما يكون بيرغوليو، هذا الأرجنتيني الثائر بشكل جديد وعلى مستوى إنساني، الحجر الضخم الذي سيحرك الراكد في هذا الجزء من العالم، ذلك الجزء الذي يكاد الإنسان أن يتلاشى فيه ضمن منظومة هويات دينية وعرقية وطائفية تكاثرت حد الاصطدام الحتمي.

وقد يستطيع رجل منسجم مع نفسه إلى أقصى حد، أن يغير ما لم تستطع كل الجيوش والحروب تغييره.

نقول... ربما، ونرد على الأمنية فنقول: كيرياليسون = يا رب ارحم!

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"
يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"

كأنّ هناك عقلًا واحدًا يتحكّم بصانعي الفوضى في العالم، اذ إنّ هؤلاء لا يجدون سوى وصفة واحدة لإحلال السلام: الاستسلام لهم!

ومن يدقق بالعبارات التي يستعملها صانعو الفوضى في العالم، يتفاجأ بأدبيّات موحّدة، فالقيادة الروسية بزعامة فلاديمير بوتين تحمّل الغرب مسؤوليّة دخول حربها على أوكرانيا عامها الثاني، لأنّ هذا الغرب يزوّد أوكرانيا بمقوّمات الصمود العسكري والإنساني، مما يحول دون استسلامها.

بالنسبة للقيادة الروسيّة: السلام مستحيل، والتصعيد ضرورة، والدمار واجب، والقتل حتمي، طالما أنها عاجزة عن تحقيق أهدافها المعلنة في أوكرانيا، فالطريق إلى السلام قصير جدًا، إذا سارت كييف بشروط موسكو.

هذه العقلية الروسيّة لا تعير أيّ اهتمام للقانون الدولي وللسيادة الوطنية وللمصالح الإقليمية وللسلم الدولي ولموازين القوى، فهي إمّا تنتصر وإمّا تفني العالم، من خلال رفع مستوى التهديد باللجوء إلى احتياطاتها الخطرة من الرؤوس النووية.

وثمّة دول مستفيدة من هذا الانحراف الروسي، فالصين التي تنافس الولايات المتحدة الأميركية على زعامة العالم، تجد في القيادة الروسيّة ضالتها، إذ إنّ هوسها بالانتصار المستحيل سوف يوهن موسكو ويلحقها ببكين، وسوف يضعف الاتحاد الأوروبي ويبعده عن دائرة التأثير في صناعة موازين القوى الاستراتيجية في المستقبل.

ولكنّ دون هذا الهوس الروسي من جهة أولى وهذا الهدف الصيني، من جهة ثانية، يقف وعي غربي جماعي، إذ اكتشفت دوله أنّ تعاضدها ووقوفها في صف واحد مع الولايات المتحدة الأميركية، وحده كفيل بتوفير مستقبل سيادي لها ولشعوبها.

قبل الغزو الروسي لأوكرانيا، كان الغرب شبه مفتّت ووحدته شبه متفسّخة، إذ كانت المصالح الاقتصاديّة تتقدّم على كل المخاوف الاستراتيجية.

بعد الغزو الروسي، وفي ظل القراءة العميقة للأداء الروسي، اختلفت الأحوال، إذ إنّ الوقاية من مخاطر المستقبل تمرّ بتوفير الشروط اللازمة للحيلولة دون استسلام أوكرانيا، بصفتها بوابة أوروبا،  أمام "الدب الروسي" الذي سوف يسلّم نفسه والآخرين لمشيئة "التنّين الصيني".

ومن روسيا ننتقل مباشرة إلى لبنان، حيث منطق "حزب الله" لا يختلف بشيء عن منطق "حزب الكرملين".

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"، وفق "تكليف" صادر عن المرشد الاعلى علي خامنئي، وذلك خلافًا لإرادة سائر القوى السياسية التي تريد أن يعود لبنان عنصرًا فاعلًا في محيطه العربي وفي بعده الدولي.

ولهذا يسعى "حزب الله" إلى أن يفرض رئيس الجمهورية الذي يناسب مخططه، وهو من أجل تحقيق ذلك يترك البلاد لقمة سائغة في فمّ الفراغ المنتتج للفوضى وللفقر وللجوع.

وكالعادة  لا  يتحمّل "حزب الله" تبعة ما يقدم عليه، بل يلقيه على عاتق من يتصدّى لمخططاته، وهو، من أجل إعطاء صدقية لمقولات "الهروب إلى الأمام"، يقحم الولايات المتحدة الأميركية ويهددها بفوضى تشمل كل المنطقة.

ولسان "حزب الله" يقول: هاتوا الرئيس الذي نريد  ويحقق لنا ما نرغب به فنعفيكم من الفوضى والكوارث!

وترفض غالبية اللبنانيين الرئيس الذي يصرّ عليه "حزب الله"، وتطرح عليه حلولًا وسطًا، لكنّ الحزب يرفض ذلك، على قاعدة: استسلموا تسلموا!

صحيح أنّ القوى التي ترفض الرضوخ لـ"حزب الله" ليست أوكرانيا والقوى الخارجية المؤيّدة لها لا تفتح أمامها مخازن السلاح وخزائن المال، ولكنّ الصحيح أيضًا أنّ من بيدهم القدرة على انتشال لبنان من جحيمه يقولون للبنانيّين: إذا استسلمتم لإرادة "حزب الله" لا تهرعوا علينا، فنحن لن نساعد دولة تضع إمكاناتها في مساعدة أعدائنا.

وكما تعرض روسيا الاستسلام لتوقف حربها في أوكرانيا كذلك يعرض "حزب الله" الاستسلام على سائر اللبنانّيين حتى لا يوقعهم أكثر في الفوضى والجوع.

المشكلة مع هذا المحور الذي يعاني منه السوريون واليمنيون والعراقيون والإيرانيون أنّه يعرض عليك الحياة لينتزع منك…الحياة!