يمنيون يقرأون القرآن خلال شهر رمضان (أرشيف)
يمنيون يقرأون القرآن خلال شهر رمضان (أرشيف)

ابتهال الخطيب/

أتذكر المرة الأولى التي فهمت فيها أن العبودية ليست محرمة في الإسلام، ولا في أي دين تقريبا في الواقع، أتذكر كم كانت اللحظة مفجعة وصادمة ومزلزلة لكل ربطي البسيط الفتي للمفاهيم السامية بالمعتقدات التي كبرت عليها. 

لم يكن لدي شك، بأن العبودية محرمة، بل ومدرجة كأبشع جرائم الإنسانية تجاه نفسها؛ لم أكن لأتصور أن لها تشريع وتنظيم يحكمانها؛ لم أكن أتخيل أن بعض الآراء الفقهية تقول بأن حسن تعبد العبد يأتي من خلال الطاعة لسيده. عندما انفتح باب جهنم هذا عليّ، لفحني صقيع حاد، قطع أوصال قلبي وحرك أرضية صلبة طالما كنت أقف عليها شامخة ثابتة.

لحسن حظي أن لي والدان لا يخبئان رأسهما في التراب. أجلسني والدي ليفهمني الخلفية التاريخية لموضوع العبودية، ليشرح لي الوضعية الاقتصادية لجزيرة العرب في ذلك الوقت والتي اعتمدت بشكل كبير على مداخيل بيع وشراء العبيد كما ومداخيل الغارات والحروب. 

الشريعة الإسلامية، كما كثير من الشرائع الدينية، طيعة، قابلة للتجديد والتنقيح

​​فهمت أن الحلول المثالية القاطعة التي طالما آمنت بها ليست واقعية، لا يمكن تطبيقها حقيقة على حيواتنا، وأن التدرج في الحل لازم وأن ضحايا الحلول هي خسائر ملزمة لا يمكن تفاديها. فهمت أن المثالية سراب وأن الرمادي هي البقعة التي يعيش معظم البشر حيواتهم عليها، فالمناطق البيضاء والسوداء واضحة المعالم، نقية التوجه غير متحققة في معظم قصصنا واختياراتنا.

اقرأ للكاتبة أيضا: حد فهم حاجة؟

ساعتها حلّ عليّ شعور طاغ بالخديعة. كان يجب أن أعرف هذه المعلومة مبكرا، قبل أن تتشكل نفسيتي وأفكاري وقبل أن يواجهني بها كتاب أقرأه أو شخص أناقشه فيلجمني جهلي وغياب المعلومة التام عني. بقيت ساعتها أقرأ وأقارن بين حجم المعلومة المقدمة لنا في المدارس وفي وسائل الإعلام، بتلك الحقيقية المختبئة في كتب التراث والتاريخ وفي كتابات المفكرين المتنورين حولها.

راعني كم هو قليل ما نعرف عن الحقيقة وكم هو هائل ما نصدق من تزييفات وأكاذيب وتحويرات حول هذه الحقيقة، وراعني أكثر أن كل هذا التزييف ما حقق سوى الضرر الصارخ بالنفوس والعقول، فطوحها بتطرف إما جهة التزمت الديني أو جهة النفور التام منه. 

لو أن البحث عن الحقيقة كان مسموحا به، لو أن مواجهة الماضي، ومحاكمته، واستخلاص العبر منه، والتغيير على أساس دروسه كان ممكنا، كما هو التوجه الذي اتخذه الغرب منذ بدايات عصر الحداثة، لكانت الحياة مختلفة، ولكانت العقول مختلفة، ولكانت النتائج كذلك مختلفة تماما.

ولأننا لا نبحث ولا ننقح كتب التراث ولا نتصدى للمفاهيم القديمة ولا نعترف بالتغيير الذي يستلزم إعادة القراءة والتفسير والتأويل؛ لأننا نحيا "على ما وجدنا عليه آباءنا" بالتزام صارم، فلا نسمح بالتفكر فيه، بمراجعته أو بتطويره؛ لأننا نخشى بارتعاب مريع فتح باب التاريخ وإعادة قراءة التراث ومواجهة أي أسئلة قد تتأتى كتبعات لهذين الفعلين، فنهدد ونتوعد من يسأل بالوقوع في الكفر، مؤكدين أن عقل الإنسان محدود ولذا هناك أسئلة لا يجب ولا يمكن الخوض فيها.

فحرّمنا الأسئلة ونفينا حق التفكر والتشكك وقهرنا العقل بومضاته العصبية الخارجة عن إرادتنا من أن تتحرك بحرية وأن تومض بتساؤلاتها ورفضها وتشككها، لأننا قهرنا أنفسنا بأنفسنا، بمخاوفنا، باستسلامنا للإكليروس الديني المستفيد من خوفنا والمتحكم في زمام حياتنا من خلاله.

لأننا كل ذلك ولأننا صنعنا كل ذلك، ها نحن وصلنا هنا اليوم، حيث تراثنا مدفون عميقا بعيدا عن الشمس والهواء الصحيين، وحيث عقولنا حبيسة الخوف والعيب والحرام، وحيث حيواتنا معلبة بعلب صنعها مدعي التواصل مع الخالق والمتحدثين باسمه، فلا كلام فوق كلامهم، ولا تساؤلات مسموحة لا ردود عليها لديهم، ولا رفض مقبول لغير المنطقي من كلامهم، ولا تجديد لبائد من أفكارهم، في الفريزر (الثلاجة) الحارق نحن وأفكارنا ومعتقداتنا نعيش.

نخشى بارتعاب مريع فتح باب التاريخ وإعادة قراءة التراث ومواجهة أي أسئلة قد تتأتى كتبعات لهذين الفعلين

​​ما هي الأبحاث التجديدية حول لغة القرآن الكريم؟ ما علاقة السيريانية والآرامية ببعض الكلمات المذكورة في الكتاب الكريم؟ ما هو التاريخ الحقيقي لشبة الجزيرة العربية؟ ما هو تاريخ العرب الحقيقي لما قبل الإسلام؟ ما هي حقيقة الفتوحات الإسلامية؟ ما هو التاريخ الحقيقي للإمبراطورية الإسلامية؟ ما هو سبب سقوطها؟ لماذا يتمنى الناس اليوم عودة نظام الدولة الإسلامية بخلافتها في حين أنها لم تدم أو تنجح؟ ما هي حقيقة حد الردة؟ ما هي حقيقة العلاقات الإسلامية ـ اليهودية ـ المسيحية في بداية العهد الإسلامي؟ ما هو وضع المرأة في الإسلام؟ كيف يمكن فهم الأحكام الشرعية الخاصة بالمرأة في إطارها التاريخي؟ كيف يمكن تطوير هذه الأحكام توافقا مع الزمن وتطوره؟

هذه الأسئلة نقطة في بحر عميق من التساؤلات والأبحاث والتي ستفتح الإجابات عنها أبواب تجديدية رائعة، ستحرر الناس نفسيا وعقليا لمراجعة أفكارهم ومعتقداتهم، ولاستحضار العقيدة الإسلامية إلى القرن الواحد العشرين بتطوير القراءات وتحديث الأفكار وتنقيح كتب التراث، حتى لا نعود نحيا في تناقض بين أفكار ومبادئ القرن الواحد والعشرين وقصص تراث وأحكام عقيدة ومبادئ دينية بعيدة ألف وأربعمئة سنة زمنيا.

اقرأ للكاتب أيضا: 'كومودينو'

الشريعة الإسلامية، كما كثير من الشرائع الدينية، طيعة، قابلة للتجديد والتنقيح وجميل التحديث الذي سيأتي بأفكار هذا الدين الذي يحتوي على الكثير من مبادئ التعايش والتسامح الى القرن الواحد والعشرين. التحديث والتنقيح والتفكر كلها تعني تجريد رجالات الدين من سلطتهم وإسقاط قبضتهم من على رقاب الناس، ولذا الحرب شعواء ضد هذا التحرر الفكري.

الاختيار لنا، إما نبقى تابعين نحيا في ضبابية المنطقة الرمادية أو نأخذ بزمام عقولنا لنعترف بالمشكلة ولنبحث عن حلها في مواجهة صريحة بيضاء أو سوداء مع أنفسنا.

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.
الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.

على مدى ربع قرن، كان لي شرف الكتابة في جريدة "الحياة"، يوم كانت واجهة الصحافة العربية المطبوعة العابرة للدول والقارات. سواء جاءت نهايتها لأفول الجريدة الورقية كوسيلة توزيع للمعلومة والفكر، أو لأخطاء على درب إدارتها، فإن "الحياة" قد أسلمت الروح، ومعها النمط الذي اعتاد عليه جيلها في قراءة الخبر والتحليل والرأي.

بدا يومها أن الزمن الذي كانت كانت فيه نشرات الأخبار، الإذاعية والمرئية، تمهيداً لقراءة المادة المكتوبة الموسعة في جريدة الصباح قد ولّى، وأصبح بالإمكان، عبر الشاشات والشبكات المعلوماتية، الاستفاضة بالحصول على المضمون الموسّع والمعمّق دون تأخير.

ومع المزيد من التطور في التقنيات، أضحى جليًا بأن طلب المضمون وتلقيه ينتقل ليس من الطباعة إلى الشاشة وحسب، بل، في انقلاب في أدوار الخادم والمخدوم، من الكلمة المكتوبة إلى أشكال جديدة للكلمة المسموعة والمرئية، تأتي بدورها في ارتباط وثيق بالصورة البيانية أو التعبيرية، وتتولى مهمة التعليق عليها.

فيما يقترب من الإجماع، القناعة اليوم هي أن المضمون المصور، ولا سيما بالصيغة النشطة التي تحاكي مخيلة الاستيعاب، هو السبيل الأكثر فعالية للتواصل مع المتلقي. والانتقال المتحقق إليه ليس الأول على مدى التاريخ الإنساني. سبق هذا الانتقال حالات عديدة، منها ما أسفر عن تحولات كمّية كبيرة في انتشار المضمون، مثل الانتقال من المخطوط إلى المطبوع، ثم أن التراكم الكمي استحال بدوره تحولات نوعية عميقة. ومنها، قبلها، ما هو أساس الحضارة، أي الانتقال من الشفهي إلى المكتوب.

الانتقال الأخير جاء قابلاً للتحقق نتيجة التطور الكبير في تقنيات المعلومات طبعاً، وأثره البالغ على الإنتاج والتوزيع والاستهلاك في المجال المعرفي كما في سائر المجالات. المقارنة هنا غالباً ما تكون مع الثورة الصناعية. ربما هي كذلك في أكثر من مجتمع وسياق، غير أن الواقع الجديد في المحيط العربي يقترب ببعض أوجهه من أن يكون أشبه بأحوال ما بعد الكارثة الطبيعية منه بنتائج الثورة الصناعية.

البنى التي انهارت لم تكن الصحافة المطبوعة وحدها. فالمتضرر الأول كان الكتاب. نعم، ثمة تعارض في تحقق الفائدة والضرر بين دور النشر ومعها المؤلفين من جهة، والقارئ من جهة أخرى، إذ توفرّت له بين ما يشبه الليلة وضحاها مكتبات بكاملها، بصيغة رقمية أعيد إدخالها، أي عرضة لكمّ كبير من الأخطاء في مرحلة أولى، ثم بصيغة مصوّرة تحاكي الكتاب المطبوع بإخلاص، وصولاً إلى إقدام المكتبات الجامعية بنفسها على وضع مقتنياتها على الشبكة، ليصبح القارئ قادراً على الاطمئنان إلى الكتاب في سنده ومتنه ومصدره.

لكن في مقابل سعادة القارئ، تعرقلت نظم الموازنة بين الانتاج الفكري والتعويضات المالية للمؤلف والناشر. ومع غياب إمكانية الحصر والضبط وضمان حقوق النشر، خسر الكتاب صدارته كالوسيلة الأولى لصياغة الفكر. بالأمس كان جديد الكتب موضع اهتمام "خاصّة" فكرية وحدها لها إطار التداول. مع الواقع الجديد، مواد التداول وأطره أصبحت لا تحصى، وما كان للخاصة الفكرية لم يعد حصراً عليها. لمن هو منها أن يعترض في مفاضلة مستمرة بين الرفيع والوضيع، الراقي والمتردي، وهو قد فعل ولا يزال، ولكن اعتراضه ضائع في ضوضاء حقيقة غلبة "العامة" وتفضيلاتها وخياراتها، وإن استحالت ساحات متباعدة وفرق متناحرة، على "خاصّة" لم تعد كذلك، بل أمست واحدة من عدة. وفي هذه الفوضى، لم يجد الفكر العربي معادلة الاستقرار بعد، وإن كانت تشكيلات عدّة تتنافس للمنصب.

ربما أن "من زاوية أخرى" كانت محاولة صمود من جانب الكلمة المكتوبة. في هيئتها المقاوِمة هذه، الكلمة المكتوبة ليست مطبوعة على ورق، بل مقروءة على الشاشة، ويصاحبها ويعززها التفاعل، في موقع النشر نفسه ثم عبر منصات التواصل الاجتماعي، ولمقالات مختارة من خلال إبرازها ومناقشتها إذاعياً، أي بتحويلها إلى مادة مسموعة، ومن بعد كل هذا من خلال التقاطها وإعادة نشرها في مواقع أخرى.

ولكن، هل كان الأمر وحسب صمود يائس في وجه المحتَّم؟ الجواب يبدو بالإيجاب إذا كان الحكم على هذه المحاولة مبنياً على المعايير الكمية السائدة في التواصل الاجتماعي. أعداد المشاهدات منخفضة، لا ترتفع إلا في بعض المواضيع ذات الطبيعة الآنية أو السجالية. تعليقات يغلب عليها الحكم المتسرع أو الرأي المعلّب، وصولاً إلى الشتائم والابتذال. بل يكتفي العديد من "المعلّقين" بالاطلاع على الاقتباس الهادف إلى دعوتهم إلى قراءة المقال، دون قراءته، قبل التكرّم بالآراء القطعية الصارمة. ما فائدة هذا المجهود إذا كان لا يتعدى في نتيجته تكرار ما يحدث في طرف نائٍ من أطراف عالم التواصل الاجتماعي؟

غير أن هذه المعايير قد لا تكون هي الصالحة لاعتبار التجربة. بعض ما استوعبته هذه التجربة يندرج بالفعل في إطار السجال ومجاراة الأخبار، وبعضها الآخر ربما يحظى بطابع أقل ارتباطاً بالآني. ولكن المجموع، على اختلاف مكوناته، شكّل نقطة مرجعية لعدد غير قليل من المسؤولين عن صياغة القرار والرأي في مواقع متقدمة. قد يصعب إثبات هذا الزعم بالأرقام، ولكنه كان حقيقة ملموسة لي شخصياً ولغيري من الزملاء، بما ساهم بتحمل الضجيج في التعليقات.

غروب "من زاوية أخرى" هو بالتالي خسارة، وإن اقتضه حسابات المؤسسة، وإشعار إضافي بما تواجهه الكلمة المكتوبة الرصينة من تحديات. كل الشكر والاحترام للإداريين والمحررين المتعاقبين على المسؤولية عن صفحة "من زاوية أخرى" على مدى أعوامها، وكل المودة والتقدير لكافة الزملاء، إذ حافظوا على أهمية الرأي الملتزم باحترام كلام الآخر وعقل القارئ، في واقع فكري معاصر يطفح بالأهوائيات والعصبيات والاستعلائيات، ولا سيما منهم من قرأ مادة نقدية وجهتُها إليه وأجاب بما أثرى النقاش، وأخيراً لا آخراً بالتأكيد، فائق الامتنان والإجلال لكل قارئ قرأ، سواء اتفق مع الرأي المطروح أو اختلف معه.

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.