في كل دول العالم، يوجد نوع من العصبيات والهويات وإن تفاوتت في تأثيرها ومظاهرها، بحسب درجة تطور تلك المجتمعات
في كل دول العالم، يوجد نوع من العصبيات والهويات وإن تفاوتت في تأثيرها ومظاهرها، بحسب درجة تطور تلك المجتمعات

عمران سلمان/

الهويات بطبيعتها مؤذية، لأنها تؤبد ما هو مؤقت وزائل وجزئي، في مقابل ما هو دائم ومستمر وشامل، ولأنها لا تترك أي مجال لقادم بعدها، فإنها تقطع الطريق على أية إمكانية أو فرصة للتغيير. لكننا للأسف لا نستطيع أن نفعل الكثير إزاء هذه الهويات. فهي تفعل فعلها في الوقت العصيب الذي يصبح فيه الإنسان كله معرض للزوال.

الهوية هي الملاذ الأخير

الإنسان يلتصق بعصبية الهوية لأنه يعتقد بأنها الملاذ الأخير في ظل غياب الدولة والقانون الذي يحميه. وهو يرى العصبيات الأخرى تتكثف أو تنزاح بحسب رياح الواقع السياسي، فلا يستطيع سوى استحضار عصبيته هو الآخر. يحدث ذلك في العالم العربي بعرضه وطوله.

وبعض الناس تستاء من التصاق الآخرين بعصبياتهم وهوياتهم، لكن الحقيقة أن الكل يفعل ذلك في ساعة الخطر وساعة الحاجة إلى المساعدة، بشكل أو بآخر.

الإنسان يلتصق بعصبية الهوية لأنه يعتقد بأنها الملاذ الأخير في ظل غياب الدولة والقانون الذي يحميه

​​الحل المعقول للقضاء أو التخفيف من حدة العصبية والهويات هو الدولة المدنية الحديثة بوجهها العادل والشامل، ولكن هذه دونها خرط القتاد كما تقول العرب. والسبب أن مجتمعاتنا لم تعرف هذا النمط من الدولة.

لقد تعلم الناس عبر الزمن ومن واقع تجاربهم المرّة أن لا يأمنوا سوى لعصبياتهم وهوياتهم المحلية التي توفر لهم قدرا معقولا من الحماية في مواجهة تغول العصبيات والهويات الأخرى.

اقرأ للكاتب أيضا: احتجاجات السودان وصاحب 'الرسالة الثانية من الإسلام'

مناسبة هذا القول هو أن بعض الناس يستغربون كيف يلتف قطاع من المصريين حول الإخوان المسلمين أو يلتف قطاع واسع من الشيعة في لبنان حول حزب الله أو يلتف قطاع من السوريين حول التنظيمات الجهادية... إلخ.

الحقيقة أن الناس ليسوا مخيرين في هذا الأمر. ولو وضع أي إنسان من خارج الدائرة نفسه في مكانهم لربما فعل الشيء نفسه.

لا حصانة في الدول المتقدمة أيضا

ولا يقتصر الأمر على المنطقة العربية. ففي كل دول العالم، يوجد نوع من العصبيات والهويات وإن تفاوتت في تأثيرها ومظاهرها، بحسب درجة تطور تلك المجتمعات.

ففي المجتمعات المتقدمة ينقسم الناس في أزمان معينة إلى فريقين أو أكثر يؤيدون هذا السياسي أو ذاك، هذا الحزب أو ذاك، هذا الموقف أو ذاك. بل يذهب بهم الحماس إلى حد التعصب والتصرف بمنطق الأعداء والخصوم الذين يتمنون الشر لبعضهم البعض.

ولعل أبرز مثال على ذلك ما تمر به الولايات المتحدة حاليا، من حيث حالة الاستقطاب والتعصب بين أنصار الحزبين الديمقراطي والجمهوري. حيث لم يقتصر الأمر على الخلاف السياسي والموقف من بعض القضايا التي تميز عادة الحزبين. بل امتد الأمر إلى جميع مناحي الحياة. فلكل من أنصار الحزبين لغته السياسية الخاصة وقنواته التلفزيونية وإشاراته ورموزه وقضاياه المحببة، بل حتى المدن والولايات تتميز بهوية ساكنيها ونمط معيشتهم. هذا الأمر لم يكن موجودا قبل عقدين من الزمن مثلا.

طبعا حالة الاستقطاب الشديدة هذه تعقد بالطبع من عمل الحكومة والكونغرس وتجعل من الوصول إلى حلول وسط بالنسبة لأية قضية أمرا صعبا إن لم يكن مستعصيا.

السياسيون يشجعون الانقسامات

الأمر الملفت أن بعض المهاجرين العرب والجدد منهم تحديدا في الولايات المتحدة، أصبحوا يتماهون مع هذا الاستقطاب بصورة تبدو لي أحيانا غير مفهومة. فتأييد الإدارة الأميركية الحالية أو السابقة وما تفعله، أو معارضتها، يذهبان إلى حد التطرف.

الحل المعقول للقضاء أو التخفيف من حدة العصبية والهويات هو الدولة المدنية الحديثة

​​فمثلا بالنسبة لموضوع السياسة تجاه المهاجرين القادمين من أميركا اللاتينية، والذي تتخذ الإدارة الحالية منه موقفا متشددا، وأحيانا غير مبرر خاصة بمقاييس العقيدة المسيحية التي يحلو لها التذكير بها في كل مناسبة.

هنا يقف بعض المهاجرين العرب موقفا متشددا أيضا لا يتناسب مع وضعهم، بوصفهم مهاجرين جدد، كافحوا من أجل الحصول على وضعهم الجديد. وقل الأمر نفسه بالنسبة لبعض القضايا الداخلية أو الخارجية التي لا ناقة لهم فيها ولا جمل.

اقرأ للكاتب أيضا: الأقليات وبارومتر التحضر في مجتمعاتنا..

السياسيون في الكثير من الأحيان وفي العديد من المجتمعات يؤججون أو يتلاعبون بعواطف الجمهور، خدمة لأغراضهم الخاصة. وهم يشجعون أحيانا الانقسامات بين الناس لضمان بناء قواعد شعبية راسخة لهم. لكنهم في الأخير يساهمون في بناء العصبيات والهويات المتناحرة ويشجعون على الالتصاق بها. المشكلة أن هذه العصبيات لا تنتهي بمجرد مغادرة السياسيين مناصبهم، فثمة دائما من يبني عليها ويستثمر فيها. ويبدو أن هذا جزء من الطبيعة البشرية التي لا يسهل التخلص منه، وإن كانت معرفة حقيقته ربما تساعد على عقلنته أو على الأقل هذا ما يمكن للإنسان أن يأمله في نهاية المطاف.

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟