مدرسة في جسر الشغور في إدلب
مدرسة في جسر الشغور في إدلب

حازم الأمين/

ثمة رجال أعمال لبنانيين انتفخت رؤوسهم بأوهام "إعادة إعمار سوريا"، لكن هذا الوهم غير الأخلاقي لم يقتصر عليهم، فالشركات الإماراتية بدأت تستطلع حصتها أيضا، ورجال أعمال كويتيين استأنفوا طموحاتهم الاستثمارية في دمشق. وقبل هؤلاء جميعا ثمة شركات روسية وإيرانية متأهبة للمهمة.

ينطوي هذا على مؤشرين، الأول انخفاض في منسوب الأخلاق، يوازيه انخفاض في منسوب الذكاء. المؤشر الأول يتمثل بأن المستثمر هذا سريعا ما قرر أن الدماء التي أريقت في سوريا ستتيح له فرصا في زمن انعدام الفرص، والمؤشر الثاني يتمثل في ضعف في خيال هذا المستثمر دفعه إلى الاعتقاد أن أموال العالم ستتدفق إلى سوريا لتعويم نظامها.

لا إعادة إعمار من دون تسوية سياسية تنتج شكلا مختلفا للنظام في سوريا

​​تحتاج سوريا لـ "إعادة إعمارها" إلى أكثر من 400 مليار دولار. هذا الرقم راح يُداعب مخيلة أصحاب الذكاء الخفيض والأخلاق المنعدمة. الدول المتحمسة لإعادة إعمار سوريا مفلسة. إيران تعيش أسوأ أيامها اقتصاديا بفعل العقوبات الأميركية وبفعل استمرارها بتمويل حروب أهلية في لبنان واليمن والعراق وسوريا. موسكو أيضا تعاني من عزلة اقتصادية خانقة ومرشحة لمزيد من التعثر!

إذا، لم يبق إلا الغرب والخليج؛ وهؤلاء ليسوا جمعيات خيرية، ولتوليهم المهمة شروط سياسية أولا واقتصادية ثانيا، والمشهد السوري الراهن لا يؤشر إلى أن النظام ورعاته الإيرانيين بصدد دفع أثمان.

اقرأ للكاتب أيضا: العلاقة 'الموضوعية' بين تركيا و'داعش'

الحكم الذي أصدرته محكمة أميركية بحق رئيس النظام بشار الأسد وغرمته بموجبه بنحو 320 مليون دولار بتهمة قتل الصحافية ماري كولفن مؤشر على نوع المصاعب التي ستواجه النظام في أعقاب استقرار السلطة له في سوريا. وهذا مؤشر من عشرات المؤشرات، ذلك أن رفع العقوبات عنه لا يتوقف على رغبة حكومات في رفعها، فالدول التي أقرت العقوبات ليس بمقدورها القيام برفعها استجابة لرغبة حكوماتها. ثمة قوانين تقف في وجه هذا النوع من الرغبات، وثمة أحكام قضائية صدرت في أكثر من دولة، والأهم من ذلك أن ثمة ملفات في طور تحولها إلى قضايا قضائية. يجري ذلك في أكثر من دولة معنية بما يتوهمه أصحاب الطموحات الاستثمارية.

قد لا يصح ذلك على دول الخليج التي خطت خطوة نحو دمشق الشهر الفائت. فهذه الدول لا حدود قانونية تفصل بين قراراتها السياسية وبين رغباتها في التراجع عنها. لكن ما يدفع إلى الاعتقاد، بل إلى الحسم بأن الخطوات الانفتاحية الخليجية على نظام دمشق لم تتم على قواعد صلبة، هو حقيقة أوهام تلك الدول بأن بمقدورها سحب النظام من حضن طهران، وهذا وهم كبير لطالما سقطت بمثله إمارات الخليج وممالكه. طهران أقوى في سوريا من النظام نفسه، وتبدو الرغبات الاستثمارية في هذه اللحظة في ذروة سذاجتها ناهيك عن ذروة لا أخلاقيتها!

وهنا علينا أن لا نُغَيِّب واقعة أهم من قرار المحكمة الأميركية بحق الأسد، وهي العقوبات الأوروبية الجديدة على أفراد من "النخبة الاقتصادية السورية الجديدة". هذه العقوبات ستشكل رادعا حاسما للشركات الخليجية التي وصلت إلى دمشق لاستطلاع فرص الاستثمار فيها. فالعقوبات استهدفت شخصيات ارتبطت مباشرة بـ"مشاريع إعادة الإعمار"، وهي رسالة أوروبية حاسمة في هذا الاتجاه. رسالة سياسية قبل أن تكون إجراء قانونيا.

فالأسماء التي تضمنها القرار شملت وجوها جديدة يراهن عليها النظام للالتفاف على عقوبات سابقة كانت استهدفت نخبته الاقتصادية التقليدية. وهي رسالة تقول إن لا إعادة إعمار من دون تسوية سياسية تنتج شكلا مختلفا للنظام في سوريا.

طهران أقوى في سوريا من النظام نفسه، وتبدو الرغبات الاستثمارية في هذه اللحظة في ذروة سذاجتها ناهيك عن ذروة لا أخلاقيتها

​​وهنا لا بد من ملاحظة أوهام النخبة السياسية اللبنانية، في سياق تشكيل الحكومة الجديدة وما رافقها من خطاب كان رأس حربته وزير الخارجية جبران باسيل. فباسيل يريد أن يذهب إلى إعادة إعمار سوريا بعد أن شحّت موارد الفساد اللبناني. وباسيل يريد أن يعيد اللاجئين السوريين إلى بلادهم بالقوة، ويريد أيضا علاقات استثنائية مع النظام في سوريا. وما ينطبق على المستثمرين العرب ينطبق على هذا الخطاب بشكل مضاعف.

كم يبدو الوهم كبيرا إذا ما استعاد المرء حقيقة أن حُزم العقوبات الغربية هائلة ومن الصعب تجاوزها واختراقها، وفي الوقت نفسه تبدو الطموحات الخليجية بإبعاد النظام عن طهران كاشفة لمدى جهل قادة هذه الدول بما جرى ويجري في سوريا.

اقرأ للكاتب أيضا: لبنان المُهان

هذا في ما يتعلق بالشرط السياسي لـ "إعادة الإعمار"، أما الشرط الاقتصادي فله حكاية مختلفة. أوروبا تتخبط بأزماتها الاقتصادية، والخليج شبه مفلس، وطهران وموسكو محاصرتان. وفي ظل هذا المشهد ثمة من يسعى للاستثمار بدماء السوريين، وتتراءى له الـ "400 مليار دولار" وكأنها حقيقة في يد النظام. صاحب هذه الأوهام بلا أخلاق، لكنه أيضا بلا عقل.

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.
الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.

على مدى ربع قرن، كان لي شرف الكتابة في جريدة "الحياة"، يوم كانت واجهة الصحافة العربية المطبوعة العابرة للدول والقارات. سواء جاءت نهايتها لأفول الجريدة الورقية كوسيلة توزيع للمعلومة والفكر، أو لأخطاء على درب إدارتها، فإن "الحياة" قد أسلمت الروح، ومعها النمط الذي اعتاد عليه جيلها في قراءة الخبر والتحليل والرأي.

بدا يومها أن الزمن الذي كانت كانت فيه نشرات الأخبار، الإذاعية والمرئية، تمهيداً لقراءة المادة المكتوبة الموسعة في جريدة الصباح قد ولّى، وأصبح بالإمكان، عبر الشاشات والشبكات المعلوماتية، الاستفاضة بالحصول على المضمون الموسّع والمعمّق دون تأخير.

ومع المزيد من التطور في التقنيات، أضحى جليًا بأن طلب المضمون وتلقيه ينتقل ليس من الطباعة إلى الشاشة وحسب، بل، في انقلاب في أدوار الخادم والمخدوم، من الكلمة المكتوبة إلى أشكال جديدة للكلمة المسموعة والمرئية، تأتي بدورها في ارتباط وثيق بالصورة البيانية أو التعبيرية، وتتولى مهمة التعليق عليها.

فيما يقترب من الإجماع، القناعة اليوم هي أن المضمون المصور، ولا سيما بالصيغة النشطة التي تحاكي مخيلة الاستيعاب، هو السبيل الأكثر فعالية للتواصل مع المتلقي. والانتقال المتحقق إليه ليس الأول على مدى التاريخ الإنساني. سبق هذا الانتقال حالات عديدة، منها ما أسفر عن تحولات كمّية كبيرة في انتشار المضمون، مثل الانتقال من المخطوط إلى المطبوع، ثم أن التراكم الكمي استحال بدوره تحولات نوعية عميقة. ومنها، قبلها، ما هو أساس الحضارة، أي الانتقال من الشفهي إلى المكتوب.

الانتقال الأخير جاء قابلاً للتحقق نتيجة التطور الكبير في تقنيات المعلومات طبعاً، وأثره البالغ على الإنتاج والتوزيع والاستهلاك في المجال المعرفي كما في سائر المجالات. المقارنة هنا غالباً ما تكون مع الثورة الصناعية. ربما هي كذلك في أكثر من مجتمع وسياق، غير أن الواقع الجديد في المحيط العربي يقترب ببعض أوجهه من أن يكون أشبه بأحوال ما بعد الكارثة الطبيعية منه بنتائج الثورة الصناعية.

البنى التي انهارت لم تكن الصحافة المطبوعة وحدها. فالمتضرر الأول كان الكتاب. نعم، ثمة تعارض في تحقق الفائدة والضرر بين دور النشر ومعها المؤلفين من جهة، والقارئ من جهة أخرى، إذ توفرّت له بين ما يشبه الليلة وضحاها مكتبات بكاملها، بصيغة رقمية أعيد إدخالها، أي عرضة لكمّ كبير من الأخطاء في مرحلة أولى، ثم بصيغة مصوّرة تحاكي الكتاب المطبوع بإخلاص، وصولاً إلى إقدام المكتبات الجامعية بنفسها على وضع مقتنياتها على الشبكة، ليصبح القارئ قادراً على الاطمئنان إلى الكتاب في سنده ومتنه ومصدره.

لكن في مقابل سعادة القارئ، تعرقلت نظم الموازنة بين الانتاج الفكري والتعويضات المالية للمؤلف والناشر. ومع غياب إمكانية الحصر والضبط وضمان حقوق النشر، خسر الكتاب صدارته كالوسيلة الأولى لصياغة الفكر. بالأمس كان جديد الكتب موضع اهتمام "خاصّة" فكرية وحدها لها إطار التداول. مع الواقع الجديد، مواد التداول وأطره أصبحت لا تحصى، وما كان للخاصة الفكرية لم يعد حصراً عليها. لمن هو منها أن يعترض في مفاضلة مستمرة بين الرفيع والوضيع، الراقي والمتردي، وهو قد فعل ولا يزال، ولكن اعتراضه ضائع في ضوضاء حقيقة غلبة "العامة" وتفضيلاتها وخياراتها، وإن استحالت ساحات متباعدة وفرق متناحرة، على "خاصّة" لم تعد كذلك، بل أمست واحدة من عدة. وفي هذه الفوضى، لم يجد الفكر العربي معادلة الاستقرار بعد، وإن كانت تشكيلات عدّة تتنافس للمنصب.

ربما أن "من زاوية أخرى" كانت محاولة صمود من جانب الكلمة المكتوبة. في هيئتها المقاوِمة هذه، الكلمة المكتوبة ليست مطبوعة على ورق، بل مقروءة على الشاشة، ويصاحبها ويعززها التفاعل، في موقع النشر نفسه ثم عبر منصات التواصل الاجتماعي، ولمقالات مختارة من خلال إبرازها ومناقشتها إذاعياً، أي بتحويلها إلى مادة مسموعة، ومن بعد كل هذا من خلال التقاطها وإعادة نشرها في مواقع أخرى.

ولكن، هل كان الأمر وحسب صمود يائس في وجه المحتَّم؟ الجواب يبدو بالإيجاب إذا كان الحكم على هذه المحاولة مبنياً على المعايير الكمية السائدة في التواصل الاجتماعي. أعداد المشاهدات منخفضة، لا ترتفع إلا في بعض المواضيع ذات الطبيعة الآنية أو السجالية. تعليقات يغلب عليها الحكم المتسرع أو الرأي المعلّب، وصولاً إلى الشتائم والابتذال. بل يكتفي العديد من "المعلّقين" بالاطلاع على الاقتباس الهادف إلى دعوتهم إلى قراءة المقال، دون قراءته، قبل التكرّم بالآراء القطعية الصارمة. ما فائدة هذا المجهود إذا كان لا يتعدى في نتيجته تكرار ما يحدث في طرف نائٍ من أطراف عالم التواصل الاجتماعي؟

غير أن هذه المعايير قد لا تكون هي الصالحة لاعتبار التجربة. بعض ما استوعبته هذه التجربة يندرج بالفعل في إطار السجال ومجاراة الأخبار، وبعضها الآخر ربما يحظى بطابع أقل ارتباطاً بالآني. ولكن المجموع، على اختلاف مكوناته، شكّل نقطة مرجعية لعدد غير قليل من المسؤولين عن صياغة القرار والرأي في مواقع متقدمة. قد يصعب إثبات هذا الزعم بالأرقام، ولكنه كان حقيقة ملموسة لي شخصياً ولغيري من الزملاء، بما ساهم بتحمل الضجيج في التعليقات.

غروب "من زاوية أخرى" هو بالتالي خسارة، وإن اقتضه حسابات المؤسسة، وإشعار إضافي بما تواجهه الكلمة المكتوبة الرصينة من تحديات. كل الشكر والاحترام للإداريين والمحررين المتعاقبين على المسؤولية عن صفحة "من زاوية أخرى" على مدى أعوامها، وكل المودة والتقدير لكافة الزملاء، إذ حافظوا على أهمية الرأي الملتزم باحترام كلام الآخر وعقل القارئ، في واقع فكري معاصر يطفح بالأهوائيات والعصبيات والاستعلائيات، ولا سيما منهم من قرأ مادة نقدية وجهتُها إليه وأجاب بما أثرى النقاش، وأخيراً لا آخراً بالتأكيد، فائق الامتنان والإجلال لكل قارئ قرأ، سواء اتفق مع الرأي المطروح أو اختلف معه.

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.