يصف البعض الأمير محمد بن سلمان كأول شخص يواجه الأمور بشكل مباشر في المجتمع السعودي
يصف البعض الأمير محمد بن سلمان كأول شخص يواجه الأمور بشكل مباشر في المجتمع السعودي

باربارا أ. ليف ـ دانا سترول ـ دينيس روس/

"في 31 كانون الثاني/يناير، خاطب دينيس روس، باربرا ليف، ودانا سترول منتدى سياسي في معهد واشنطن. وروس، هو مستشار وزميل "ويليام ديفيدسون" المتميز في المعهد، وكان قد شغل عدة مناصب في أربع إدارات أميركية سابقة، وعاد مؤخرا من زيارة دامت شهر إلى إسرائيل والخليج. وليف هي زميلة متميزة في المعهد وسفيرة الولايات المتحدة السابقة لدى الإمارات، وقد عادت مؤخرا من رحلة استغرقت عشرة أيام في جميع أنحاء السعودية. وسترول هي زميلة متميزة في المعهد وموظفة أقدم سابقة في "لجنة العلاقات الخارجية" في مجلس الشيوخ الأميركي. وفيما يلي ملخص المقررة لملاحظاتهم، بالإضافة إلى مقدمة من المدير التنفيذي للمعهد روبرت ساتلوف".

روبرت ساتلوف

مع حلول عام 2019، تجدر الإشارة إلى ثلاثة أمور خاصة بالوضع الراهن للسياسة الأميركية في الشرق الأوسط؛ أولها أن أميركا تعيش منذ عامين تجربة يتجادل فيها حزباها السياسيان الرئيسيان بشأن حصر دور الولايات المتحدة في المنطقة، وهو موقف غير مسبوق في حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية. والأمر الثاني هو أن البلاد تخوض سنتها العاشرة في تجربة طالب خلالها الرؤساء الأميركيين الذين تعاقبوا على السلطة من كلا الحزبين باتباع هذا النهج. أما النقطة الثالثة فهي أن دونالد ترامب يدخل عامه الرئاسي الثالث ولكنه لم يواجه بعد أزمة في الشرق الأوسط ـ وهو أمر لا بد وأن يواجهه كل رئيس أميركي.

باربارا ليف

ما يلفت انتباه المرء عقب زياراته المتكررة إلى السعودية هو وتيرة التغيرات الاجتماعية الحاصلة في المملكة وعمقها. فقد أصبحت النساء يظهرن في الأماكن العامة ومكاتب العمل بشكل لم يكن يتصوّره أحد قبل عامين أو ثلاثة أعوام فقط، وغالبا ما يجلسن في مجموعات مختلطة مع الرجال بينما يتركن وجوههن مكشوفة. إلا أن هذه التغيرات تترك تأثيرا نفسيا عميقا على السعوديين ـ حتى أولئك الذين يؤيدوها يجدونها مربكة.

ويعزو كثير من السعوديين في مدن مثل الظهران والرياض وجدة هذه التغيرات إلى ولي العهد الأمير محمد بن سلمان وهم مقتنعون بأن لا رجوع عنها. ويجادل مؤيدو الإصلاح الاجتماعي والاقتصادي بأن الخصائص الديمغرافية تصب في صالحهم وأن الأشخاص الذين يقاومون الإصلاح ينتمون إلى شريحة سكانية أكبر سنا تزداد تهميشا. كما أن بعضهم يصف الأمير محمد بن سلمان كأول شخص يواجه الأمور بشكل مباشر في المجتمع السعودي، مجادلين أنه على استعداد لزعزعة الوضع القائم وتحمّل مسؤولية العواقب بدلا من تلطيف الحاجة إلى التغيير.

وفي الوقت نفسه، فإن كثير من السعوديين يدركون جيدا الاحتقار الدولي الذي وصم المملكة بسبب مقتل جمال خاشقجي فضلا عن مجموعة الخطوات المحلية والدولية المزعجة التي اتخذها الأمير محمد بن سلمان. ويميلون إلى الشعور بعدم الاستقرار والقلق بسبب تلك الانتقادات.

يحاول الأمير محمد بن سلمان استبدال الوهابية بالقومية سعيا منه لتعزيز شرعيته

​​وعلى نطاق أوسع، أعرب شركاء الولايات المتحدة في المنطقة عن قلقهم المتنامي، بل حتى هلعهم بشأن الالتزام الأميركي تجاه الشرق الأوسط. فإسرائيل تشعر بأنها وحدها في مواجهة إيران ومخطط النظام الإيراني ببناء منصة دفاع واستخبارات دائمة في سوريا. وفي بعض الحالات، أخذ هؤلاء الشركاء يتبنّون سياسات ويقيمون علاقات تتعارض بشكل واضح مع مصالح الولايات المتحدة في المنطقة، مثل قيام دول الخليج بإعادة العلاقات الدبلوماسية مع بشار الأسد دون قيد أو شرط.

وفي اليمن، من المحتمل أن ينهار الوضع هذا العام إلا إذا أصبحت إدارة ترامب معنية مباشرة فيما يجري هناك. ولا تستطيع الأمم المتحدة القيام بذلك بمفردها، بصرف النظر عن الانطلاقة الجيدة لعملية السلام تحت قيادتها.

وفي العراق، قد تضرّ الديناميات السياسية بالجنود الأميركيين المتبقين هناك نظرا إلى القرار المفاجئ الذي اتخذه الرئيس ترامب بسحب القوات الأميركية من سوريا. وإذا حدث ذلك، قد يشهد العراقيون تكرّر السيناريو الذي وقع بين عامَي 2010 و2011.

وفي الوقت نفسه، تساهم كثرة المناصب الشاغرة في السفارات الأميركية والتبدلات المستمرة في الحكومة ووكالات الأمن القومي، في تضاؤل الانخراط العالي المستوى والمتبادل مع الأصدقاء والشركاء. فالعلاقة مع السعودية متّجهة نحو جمود حاد في عام 2019، ويعود ذلك جزئيا إلى مشاكل هيكلية في النهج الذي تتبعه واشنطن. كما أن الحلفاء قد تُركوا في حيرة حول مَن يتحدث باسم الإدارة الأميركية. وقد بلغ هذا الارتباك ذروته خلال الشهرين الماضيين حين وجّه مسؤولون أميركيون مختلفون رسائل متناقضة كليا حول موعد سحب القوات الأميركية من سوريا وتحت أي شروط.

دانا سترول

نظرا لسيطرة الحزبين الديمقراطي والجمهوري على مجلسي النواب والشيوخ الأميركيين على التوالي، سيكون من الصعب على المشرّعين الأميركيين إحداث تغيير جوهري في أي من سياسات إدارة ترامب في المنطقة.

فالسيناتور جيم ريش (جمهوري من ولاية أيداهو) هو الرئيس الجديد للجنة العلاقات الخارجية، في حين أن السيناتور جيم إنهوف (جمهوري من ولاية أوكلاهوما) هو الرئيس الجديد للجنة الخدمات المسلحة. وصحيح أن اللجنة الأولى قادرة على العمل، ولكن ذلك يعتمد على الطريقة التي سيقرر رئيسها السيناتور ريش اعتمادها لإدارتها. فنجاح أي لجنة رهن بجلسات استماعها وباستعداد أعضائها لإحراز تقدم جماعي بشأن القوانين الهامة. وقد أشار السناتور ريش إلى أنه لا ينوي عقد جلسات استماع تتعلق بقضايا الشرق الأوسط، وأن أي خلافات مع الرئيس ترامب ستتم مناقشتها على انفراد.

ويستدعي إقرار أي تشريعات هامة متعلقة بالسياسة الخارجية في الشرق الأوسط تأييدا من كلا الحزبين، الأمر الذي سيكون من الصعب تحقيقه إذا استمرت الأجواء الحزبية الحادة التي تهيمن حاليا. وفي هذا السيناريو، لن تحدث النسبة الكبرى من التشريع داخل لجان الشؤون الخارجية، بل داخل لجنة الخدمات المسلحة ولجنة المخصصات المسؤولتين عن السير بالبنود "الواجب إقرارها" على غرار "قانون تخويل الدفاع الوطني". وخير مثال على ذلك هو أحدث اتفاق بشأن مخصصات وزارة الخارجية الأميركية. فمع أن مشروع القانون التوافقي هذا لم يصبح بعد قانونا نافذا، إلا أنه يحجب مساعدات التدريب العسكري عن السعودية ويواصل نمط إخضاع بعض المساعدات لمصر لشروط معينة.

وإذا لم يكن الكونغرس قادرا على التوافق حول التشريعات فيما يتخطى المجموعة المتنوعة من القوانين "الواجبة الإقرار"، من الممكن أن يسعى أعضاؤه منفردين إلى تأكيد مكانتهم بأشكال أخرى، على غرار إصدار قرارات تعارض بيع الأسلحة وفرض شروط على المساعدات خلال عملية توزيع المخصصات، أو استغلال الترشيحات كعملية لممارسة الرقابة. ويمكن أيضا أن يبحث الديمقراطيون في مجلس الشيوخ عن وسائل بديلة إذا تم منعهم من العمل من خلال الإجراءات النظامية في اللجان، على غرار إصدار التقارير وعقد جلسات سرية غير رسمية.

وفي الوقت الراهن، يناقش مجلس الشيوخ الأميركي "قانون تعزيز أمن أميركا في الشرق الأوسط"، بينما أعلن رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب إليوت إنجل (ديمقراطي من ولاية نيويورك) أن جلسة الاستماع الأولى التي ستعقدها لجنته ستركّز على السياسة الأميركية في شبه الجزيرة العربية.

بيد، هناك بعض المسائل تستدعي المراقبة عن كثب. ففيما يتعلق بإسرائيل، كانت جوانب مختلفة من العلاقة مثيرة للانقسام في التكتل الديمقراطي. وفيما يخص إيران، لطالما كانت مسألة تعزيز الإجراءات العقابية ضد النظام تلقى تأييد كلا الحزبين، ولكن هذا الإجماع تبدد في أعقاب انسحاب واشنطن بشكل فردي من الاتفاق النووي. وقد يحاول أعضاء الكونغرس إعادة هذا التوافق الحزبي على خلفية رعاية طهران للإرهاب، وبرنامج صواريخها البالستية، وسجل انتهاكاتها لحقوق الإنسان، ولكن حتى هذه الخطوة ستكون صعبة للغاية نظرا للتباين الحاد في وجهات النظر بشأن الملف النووي. وفيما يتعلق بسوريا، كانت الجبهتان اليمينية واليسارية من مؤسسة السياسة الخارجية موحدتين إلى حدّ كبير بشأن معارضة إعلان الإدارة الأميركية عن الانسحاب العسكري.

وعلى مدى السنوات الأربع الماضية، صوّت الكونغرس على القضايا المتعلقة بالسعودية واليمن أكثر من أي قضية أخرى متعلقة بالسياسة الخارجية في الشرق الأوسط. وقد أدى تعامل الإدارة الأميركية مع نزاع قطر في عام 2017 ومقتل خاشقجي في العام الماضي إلى قيام أعضاء من كلا الحزبين بتبنّي مواقف عدائية كوسيلة للتعبير عن قلقهم.

وأخيرا، حين أقرّ الكونغرس "قانون مكافحة أعداء أميركا من خلال العقوبات" عام 2017، فرض عقوبات واضحة وإلزامية على حكومات المنطقة التي تشتري أسلحة من روسيا أو تُوقّع معها اتفاقيات تجارية أو استخباراتية. فمع اتخاذ أميركا خطوات ظاهرة للحد من دورها في المنطقة، توجّهت أنظار العديد من الدول نحو موسكو سعيا لملء الفراغ. ولذلك قد تضطر إدارة ترامب أن تقرر ما إذا كانت ستفرض عقوبات على هذه الدول ـ لا سيما وأن بعضها شريك للولايات المتحدة ـ إذا ما سعت إلى عقد اتفاقيات أعمق مع روسيا.

دينيس روس

يحاول الأمير محمد بن سلمان استبدال الوهابية بالقومية سعيا منه لتعزيز شرعيته. وفي ضوء هذا التحوّل، ليس من المستغرب أن تكون المملكة قد جابهت الإدانة الدولية على حادثة خاشقجي بردّ فعل قومي. وكشفت الاجتماعات الأخيرة مع السعوديين عن شعور قوي بأن بلادهم تتعرض حصرا لاستهداف غير منصف في ظل انتهاكات حقوق الإنسان التي تشهدها دول أخرى في المنطقة، بما فيها إيران.

وعلى الرغم من تفاوت آراء السعوديين حول طريقة تعامل ولي العهد مع الموقف الذي أثاره مقتل خاشقجي، إلا أنه يُنظر إليه على النطاق العالمي تقريبا على أنه محور التغيير في المملكة. فالعديد من المسؤولين والمواطنين السعوديين مقتنعون بأنه بدون الأمير محمد بن سلمان، ستحاول "قوى الظلام" إبطال الإصلاحات الأخيرة وإثارة اضطرابات كبيرة.

وفي دلالة أخرى على التغيير، تضم اللجنة الدائمة لإصلاح النظام التعليمي الأمين العام لـ "رابطة العالم الإسلامي" محمد العيسى، الذي يحقق خطوات مبتكرة ومفيدة في التعامل مع الأديان الأخرى. بالإضافة إلى ذلك، يتم التساهل في "نظام الوصاية" السعودي حيث لم تعد المرأة بحاجة إلى موافقة الرجل للتقدم من أجل الحصول على وظيفة أو طلب قرض مصرفي.

يجدر بإدارة ترامب اتخاذ عدة خطوات لتحسين العلاقة مع الرياض لا سيما وأن الغضب يسيطر على الأجواء في "مبنى الكابيتول" (الكونغرس الأميركي). يتعيّن عليها المطالبة بشفافية المحاكمات في مقتل خاشقجي، بالإشارة إلى تحمل الأمير محمد بن سلمان مسؤولية انحراف السياسة عن مسارها وأن يبيّن التغيير في تعاطي الحكومة مع المنشقين. ينبغي على المسؤولين الأميركيين أن يشجعوه أيضا على العودة إلى مسيرته الإصلاحية السابقة، على الرغم من أن ذلك قد يكون صعبا في الوقت الذي لا تزال تُزجّ فيه الناشطات في السجون.

يشعر مسؤولو الأمن في إسرائيل منذ بعض الوقت بأنهم يتعاملون بمفردهم إلى حد كبير مع التهديد الإيراني في سوريا

​​وفيما يتعلق بالكارثة الإنسانية في اليمن، يجب على الرياض أن تغيّر الرواية المتداولة عن الأحداث. فقد تم تشويه سمعة الأمير محمد بن سلمان بسبب ما يحدث، لكن الحقيقة هي أن الثوار الحوثيين يواصلون لعب دور رئيسي في استمرار الوضع على هذا الحال. لذا يجب على السعوديين اقتراح اتفاق محدود زمنيا لوقف إطلاق النار من جانب واحد ـ على أن يكون قابلا للتمديد إلى أجل غير مسمّى إذا تجاوب معه الحوثيون، وأن يتم تحميلهم المسؤولية إذا لم يفعلوا ذلك. وعلى الرغم من انتهاك الحوثيين مرارا الاتفاق المحدود لوقف إطلاق النار في الحديدة، فإن الاقتراح السعودي بتوسيع نطاق هذا الاتفاق قد ينجح في التأثير على وجهات النظر والواقع في اليمن.

وفي المقابل، يشعر مسؤولو الأمن في إسرائيل منذ بعض الوقت بأنهم يتعاملون بمفردهم إلى حد كبير مع التهديد الإيراني في سوريا، وجاء إعلان الرئيس ترامب عن سحب القوات الأميركية ليزيد من حدة هذا الشعور. واليوم يبدو أن إسرائيل وإيران تجسّان نبض إحداهما الأخرى بشأن القواعد الأساسية التي ستطبَّق في سوريا بعد الانسحاب الأميركي.

فقد كان "الجيش الإسرائيلي" قد حدّ من عملياته في سوريا على مدى أشهر بسبب الضغوط الروسية، ولكنه نفّذ غارتين بعد إعلان ترامب بالانسحاب من سوريا. وردا على ذلك، أطلقت إيران صاروخا ذي حمولة ثقيلة من قاعدة سورية فاعترضته منظومة الدفاع الإسرائيلية المعروفة باسم "القبة الحديدية".

وبالتالي فإن احتمالات التصعيد عالية جدا ـ إذ تبدو حكومة طهران مصممة على نشر صواريخ دقيقة في سوريا ولبنان، بينما تبدو حكومة القدس عازمة على منعها من القيام بذلك. وإذا نشب نزاع جديد تسبّب بسقوط عشرات آلاف الصواريخ والقذائف على إسرائيل، فقد يجد "الجيش الإسرائيلي" نفسه ملزما بمهاجمة إيران. لذلك إذا أرادت واشنطن إقناع روسيا بضرورة بذل المزيد من الجهود للحد من قيام إيران بنشر أسلحة دقيقة، عليها أن تُفهم موسكو أن القوات الأميركية قد تعود إلى سوريا إذا ما اندلع مثل هذا النزاع.

أعدت هذا الموجز جو ـ آن إستس.

المصدر: منتدى فكرة

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.
الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.

على مدى ربع قرن، كان لي شرف الكتابة في جريدة "الحياة"، يوم كانت واجهة الصحافة العربية المطبوعة العابرة للدول والقارات. سواء جاءت نهايتها لأفول الجريدة الورقية كوسيلة توزيع للمعلومة والفكر، أو لأخطاء على درب إدارتها، فإن "الحياة" قد أسلمت الروح، ومعها النمط الذي اعتاد عليه جيلها في قراءة الخبر والتحليل والرأي.

بدا يومها أن الزمن الذي كانت كانت فيه نشرات الأخبار، الإذاعية والمرئية، تمهيداً لقراءة المادة المكتوبة الموسعة في جريدة الصباح قد ولّى، وأصبح بالإمكان، عبر الشاشات والشبكات المعلوماتية، الاستفاضة بالحصول على المضمون الموسّع والمعمّق دون تأخير.

ومع المزيد من التطور في التقنيات، أضحى جليًا بأن طلب المضمون وتلقيه ينتقل ليس من الطباعة إلى الشاشة وحسب، بل، في انقلاب في أدوار الخادم والمخدوم، من الكلمة المكتوبة إلى أشكال جديدة للكلمة المسموعة والمرئية، تأتي بدورها في ارتباط وثيق بالصورة البيانية أو التعبيرية، وتتولى مهمة التعليق عليها.

فيما يقترب من الإجماع، القناعة اليوم هي أن المضمون المصور، ولا سيما بالصيغة النشطة التي تحاكي مخيلة الاستيعاب، هو السبيل الأكثر فعالية للتواصل مع المتلقي. والانتقال المتحقق إليه ليس الأول على مدى التاريخ الإنساني. سبق هذا الانتقال حالات عديدة، منها ما أسفر عن تحولات كمّية كبيرة في انتشار المضمون، مثل الانتقال من المخطوط إلى المطبوع، ثم أن التراكم الكمي استحال بدوره تحولات نوعية عميقة. ومنها، قبلها، ما هو أساس الحضارة، أي الانتقال من الشفهي إلى المكتوب.

الانتقال الأخير جاء قابلاً للتحقق نتيجة التطور الكبير في تقنيات المعلومات طبعاً، وأثره البالغ على الإنتاج والتوزيع والاستهلاك في المجال المعرفي كما في سائر المجالات. المقارنة هنا غالباً ما تكون مع الثورة الصناعية. ربما هي كذلك في أكثر من مجتمع وسياق، غير أن الواقع الجديد في المحيط العربي يقترب ببعض أوجهه من أن يكون أشبه بأحوال ما بعد الكارثة الطبيعية منه بنتائج الثورة الصناعية.

البنى التي انهارت لم تكن الصحافة المطبوعة وحدها. فالمتضرر الأول كان الكتاب. نعم، ثمة تعارض في تحقق الفائدة والضرر بين دور النشر ومعها المؤلفين من جهة، والقارئ من جهة أخرى، إذ توفرّت له بين ما يشبه الليلة وضحاها مكتبات بكاملها، بصيغة رقمية أعيد إدخالها، أي عرضة لكمّ كبير من الأخطاء في مرحلة أولى، ثم بصيغة مصوّرة تحاكي الكتاب المطبوع بإخلاص، وصولاً إلى إقدام المكتبات الجامعية بنفسها على وضع مقتنياتها على الشبكة، ليصبح القارئ قادراً على الاطمئنان إلى الكتاب في سنده ومتنه ومصدره.

لكن في مقابل سعادة القارئ، تعرقلت نظم الموازنة بين الانتاج الفكري والتعويضات المالية للمؤلف والناشر. ومع غياب إمكانية الحصر والضبط وضمان حقوق النشر، خسر الكتاب صدارته كالوسيلة الأولى لصياغة الفكر. بالأمس كان جديد الكتب موضع اهتمام "خاصّة" فكرية وحدها لها إطار التداول. مع الواقع الجديد، مواد التداول وأطره أصبحت لا تحصى، وما كان للخاصة الفكرية لم يعد حصراً عليها. لمن هو منها أن يعترض في مفاضلة مستمرة بين الرفيع والوضيع، الراقي والمتردي، وهو قد فعل ولا يزال، ولكن اعتراضه ضائع في ضوضاء حقيقة غلبة "العامة" وتفضيلاتها وخياراتها، وإن استحالت ساحات متباعدة وفرق متناحرة، على "خاصّة" لم تعد كذلك، بل أمست واحدة من عدة. وفي هذه الفوضى، لم يجد الفكر العربي معادلة الاستقرار بعد، وإن كانت تشكيلات عدّة تتنافس للمنصب.

ربما أن "من زاوية أخرى" كانت محاولة صمود من جانب الكلمة المكتوبة. في هيئتها المقاوِمة هذه، الكلمة المكتوبة ليست مطبوعة على ورق، بل مقروءة على الشاشة، ويصاحبها ويعززها التفاعل، في موقع النشر نفسه ثم عبر منصات التواصل الاجتماعي، ولمقالات مختارة من خلال إبرازها ومناقشتها إذاعياً، أي بتحويلها إلى مادة مسموعة، ومن بعد كل هذا من خلال التقاطها وإعادة نشرها في مواقع أخرى.

ولكن، هل كان الأمر وحسب صمود يائس في وجه المحتَّم؟ الجواب يبدو بالإيجاب إذا كان الحكم على هذه المحاولة مبنياً على المعايير الكمية السائدة في التواصل الاجتماعي. أعداد المشاهدات منخفضة، لا ترتفع إلا في بعض المواضيع ذات الطبيعة الآنية أو السجالية. تعليقات يغلب عليها الحكم المتسرع أو الرأي المعلّب، وصولاً إلى الشتائم والابتذال. بل يكتفي العديد من "المعلّقين" بالاطلاع على الاقتباس الهادف إلى دعوتهم إلى قراءة المقال، دون قراءته، قبل التكرّم بالآراء القطعية الصارمة. ما فائدة هذا المجهود إذا كان لا يتعدى في نتيجته تكرار ما يحدث في طرف نائٍ من أطراف عالم التواصل الاجتماعي؟

غير أن هذه المعايير قد لا تكون هي الصالحة لاعتبار التجربة. بعض ما استوعبته هذه التجربة يندرج بالفعل في إطار السجال ومجاراة الأخبار، وبعضها الآخر ربما يحظى بطابع أقل ارتباطاً بالآني. ولكن المجموع، على اختلاف مكوناته، شكّل نقطة مرجعية لعدد غير قليل من المسؤولين عن صياغة القرار والرأي في مواقع متقدمة. قد يصعب إثبات هذا الزعم بالأرقام، ولكنه كان حقيقة ملموسة لي شخصياً ولغيري من الزملاء، بما ساهم بتحمل الضجيج في التعليقات.

غروب "من زاوية أخرى" هو بالتالي خسارة، وإن اقتضه حسابات المؤسسة، وإشعار إضافي بما تواجهه الكلمة المكتوبة الرصينة من تحديات. كل الشكر والاحترام للإداريين والمحررين المتعاقبين على المسؤولية عن صفحة "من زاوية أخرى" على مدى أعوامها، وكل المودة والتقدير لكافة الزملاء، إذ حافظوا على أهمية الرأي الملتزم باحترام كلام الآخر وعقل القارئ، في واقع فكري معاصر يطفح بالأهوائيات والعصبيات والاستعلائيات، ولا سيما منهم من قرأ مادة نقدية وجهتُها إليه وأجاب بما أثرى النقاش، وأخيراً لا آخراً بالتأكيد، فائق الامتنان والإجلال لكل قارئ قرأ، سواء اتفق مع الرأي المطروح أو اختلف معه.

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.