ستستأنف زيارة كوشنير إلى الخليج، في الأسبوع الأخير من شباط/فبراير، عملية السلام بوساطة أميركية
ستستأنف زيارة كوشنير إلى الخليج، في الأسبوع الأخير من شباط/فبراير، عملية السلام بوساطة أميركية

جويس كرم/

يعود الفريق الأميركي في عملية السلام، أي مستشار الرئيس وصهره جاريد كوشنير والمبعوث جايسون غرينبلات، إلى المنطقة نهاية هذا الشهر، في زيارة هدفها الأول والأساسي استقطاب الدعم لخطة السلام الأميركية قبل الإفصاح عنها ونشرها في قادم الشهور.

ستشمل الجولة المملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، وسلطنة عمان، والبحرين، وقطر وقد يتم إضافة دول أخرى خارج سياق الأطراف المتنازعة (فلسطين وإسرائيل) ومصر والأردن، وهي ستركز على الشق الاقتصادي من مشروع دونالد ترامب للسلام من دون حصره بإطار "السلام الاقتصادي".

ما نعرفه هو أن خطة السلام الأميركية باتت شبه جاهزة اليوم بحسب مسؤول أميركي رفيع المستوى، ونشرها ينتظر مرحلة ما بعد الانتخابات الإسرائيلية في 9 نيسان/أبريل، رغم أن واشنطن تبدو مرتاحة لفرص بنيامين نتانياهو في الفوز وتشكيل الحكومة المقبلة.

تدرك إدارة ترامب أن لا فرص لنجاح أي خطة من دون دعم عربي

​​التسريبات والتأويلات حول مضمون الخطة الأميركية ضبابية في هذه المرحلة؛ إنما الجوانب المحتملة والمرجح أن يسير بها ترامب غير بعيدة كثيرا عن مقترحات سابقة لحل الصراع. فرغم انحيازه التام لإسرائيل في نقل السفارة الأميركية إلى القدس، وقطع المساعدات لوكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، لن يكون بمقدور ترامب الابتعاد عن الأهداف التقليدية لمساعي السلام الأميركية، ليس محبة بالفلسطينيين، بل لضمان النجاح لخطته وتأكيد وجود غطاء عربي لها.

اقرأ للكاتبة أيضا: الأكراد بين فك أردوغان وكماشة الأسد

سيتطرق النص الأميركي، على الأرجح، لقضايا الحل النهائي من بينها القدس واللاجئين والحدود والأمن مع تطوير شق يرتبط بالإرهاب. وهو سيخوض بتفاصيل الاقتراحات الاقتصادية التي سيسعى كوشنير إلى تسويقها في المنطقة.

أما حلّ الدولتين، فرغم تردد الإدارة في تبنيه، ما عدا كلام ترامب في الأمم المتحدة الخريف الفائت، فلا يمكن تصور أي رؤية أميركية من دون هذا الهدف، ليس محبة بالفلسطينيين بل بسبب حقائق ديمغرافية تفترض حلّ الدولتين للحفاظ على يهودية الدولة الإسرائيلية. أما التسريبات عن عاصمة في أبو ديس، أو عن عدم وصل الضفة بغزة فيتم نفيها في واشنطن، وهي لن تكون مقبولة عربيا وفلسطينيا والإدارة الأميركية تدرك ذلك.

المعضلة الأميركية اليوم هي في غياب الشريك الفلسطيني، وعدم وجود أي اتصالات مباشرة مع القيادة في السلطة الفلسطينية. يقول المسؤولون الأميركيون أن هناك اتصالات أميركية مع شخصيات ورجال أو سيدات أعمال في الأراضي الفلسطينية، ورغم الرفض الواضح لنهج الرئيس الفلسطيني محمود عباس إنما ليس هناك بديل عنه. فلا الجانب العربي، وحتى أقرب أصدقاء أميركا، سيوقعون على أي اتفاق لا تمضي به السلطة، وليس هناك حاليا طرف فلسطيني آخر قادر أن يحل مكان السلطة الفلسطينية.

أما بالنسبة للقيادة الفلسطينية، فسيكون من الخطأ تجاهل الخطة الأميركية أو شراء الوقت حتى خروج ترامب لسببين؛ الأول، هو أن عشوائية ترامب ورؤيته السياسية للمنطقة، التي تنحصر بين الأبيض والأسود، تفتح باب الرهان على إقناعه باتخاذ قرارات غير مألوفة والاستفادة من شعبيته العالية في إسرائيل لحصد تنازلات من قيادتها في عملية السلام.

أما السبب الثاني، هو في خطأ الرهان على ما بعد ترامب، والذي قد يكون أكثر قربا منه لإسرائيل، أو تتشابه خياراته مع خيارات الرئيس الأميركي. فعدا عن بيرني ساندرز أو رشيدة طليب وإلهان عمر، ليس هناك اليوم وجه ديموقراطي يتحدى الحكومة الاسرائيلية بشكل فعلي، ومن المستبعد لأي رئيس مقبل، إذا خسر ترامب الولاية الثانية، أن يتراجع مثلا عن قرار السفارة في القدس، أو خفض المساعدات الأمنية لها.

بالنسبة للقيادة الفلسطينية، فسيكون من الخطأ تجاهل الخطة الأميركية أو شراء الوقت حتى خروج ترامب

​​بالنظر أيضا لتاريخ الصراع والمفاوضات، لم يعد الوقت لصالح السلام وحقوق الفلسطينيين. فمنذ قرار مجلس الأمن الدولي 181 الصادر عام 1948 والمساحة المعطاة للدولة الفلسطينية تنكمش ويقضمها الاتساع الاستيطاني، وتتراكم الحروب والنكسات التي وعدت بانتصارات ولم يأت منها إلا الهزائم والتراجع. حتى الجولان السوري بات محط مفاوضات أميركية ـ إسرائيلية للاعتراف به كجزء من إسرائيل. هذا لا يعني أن على الفلسطينيين التنازل عن حقوقهم المشروعة، بل يعني ضرورة ملحة لاستراتيجية عربية ـ فلسطينية للتفاوض مع ترامب.

اقرأ للكاتبة ايضا: أميركا تحاول قطع طريق العرب إلى الأسد

ستستأنف زيارة كوشنير إلى الخليج، في الأسبوع الأخير من شباط/فبراير، عملية السلام بوساطة أميركية، ورغم أن عنوانها اقتصادي لحصد الدعم لأي دولة فلسطينية مقبلة فلا يمكن فصل ذلك عن الشق السياسي.

تدرك إدارة ترامب أن لا فرص لنجاح أي خطة من دون دعم عربي، والجانب العربي يدرك أن ليس هناك أي فرص لأي خطة من دون دعم فلسطيني. وعليه فالأسابيع المقبلة تستعجل ضرورة وضع استراتيجية تفاوضية فلسطينية بدعم عربي لدرس خطة ترامب واقتراح تعديلات عليها والتفاوض حول مضمونها بعد انتخابات نيسان/أبريل الإسرائيلية.

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.
الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.

على مدى ربع قرن، كان لي شرف الكتابة في جريدة "الحياة"، يوم كانت واجهة الصحافة العربية المطبوعة العابرة للدول والقارات. سواء جاءت نهايتها لأفول الجريدة الورقية كوسيلة توزيع للمعلومة والفكر، أو لأخطاء على درب إدارتها، فإن "الحياة" قد أسلمت الروح، ومعها النمط الذي اعتاد عليه جيلها في قراءة الخبر والتحليل والرأي.

بدا يومها أن الزمن الذي كانت كانت فيه نشرات الأخبار، الإذاعية والمرئية، تمهيداً لقراءة المادة المكتوبة الموسعة في جريدة الصباح قد ولّى، وأصبح بالإمكان، عبر الشاشات والشبكات المعلوماتية، الاستفاضة بالحصول على المضمون الموسّع والمعمّق دون تأخير.

ومع المزيد من التطور في التقنيات، أضحى جليًا بأن طلب المضمون وتلقيه ينتقل ليس من الطباعة إلى الشاشة وحسب، بل، في انقلاب في أدوار الخادم والمخدوم، من الكلمة المكتوبة إلى أشكال جديدة للكلمة المسموعة والمرئية، تأتي بدورها في ارتباط وثيق بالصورة البيانية أو التعبيرية، وتتولى مهمة التعليق عليها.

فيما يقترب من الإجماع، القناعة اليوم هي أن المضمون المصور، ولا سيما بالصيغة النشطة التي تحاكي مخيلة الاستيعاب، هو السبيل الأكثر فعالية للتواصل مع المتلقي. والانتقال المتحقق إليه ليس الأول على مدى التاريخ الإنساني. سبق هذا الانتقال حالات عديدة، منها ما أسفر عن تحولات كمّية كبيرة في انتشار المضمون، مثل الانتقال من المخطوط إلى المطبوع، ثم أن التراكم الكمي استحال بدوره تحولات نوعية عميقة. ومنها، قبلها، ما هو أساس الحضارة، أي الانتقال من الشفهي إلى المكتوب.

الانتقال الأخير جاء قابلاً للتحقق نتيجة التطور الكبير في تقنيات المعلومات طبعاً، وأثره البالغ على الإنتاج والتوزيع والاستهلاك في المجال المعرفي كما في سائر المجالات. المقارنة هنا غالباً ما تكون مع الثورة الصناعية. ربما هي كذلك في أكثر من مجتمع وسياق، غير أن الواقع الجديد في المحيط العربي يقترب ببعض أوجهه من أن يكون أشبه بأحوال ما بعد الكارثة الطبيعية منه بنتائج الثورة الصناعية.

البنى التي انهارت لم تكن الصحافة المطبوعة وحدها. فالمتضرر الأول كان الكتاب. نعم، ثمة تعارض في تحقق الفائدة والضرر بين دور النشر ومعها المؤلفين من جهة، والقارئ من جهة أخرى، إذ توفرّت له بين ما يشبه الليلة وضحاها مكتبات بكاملها، بصيغة رقمية أعيد إدخالها، أي عرضة لكمّ كبير من الأخطاء في مرحلة أولى، ثم بصيغة مصوّرة تحاكي الكتاب المطبوع بإخلاص، وصولاً إلى إقدام المكتبات الجامعية بنفسها على وضع مقتنياتها على الشبكة، ليصبح القارئ قادراً على الاطمئنان إلى الكتاب في سنده ومتنه ومصدره.

لكن في مقابل سعادة القارئ، تعرقلت نظم الموازنة بين الانتاج الفكري والتعويضات المالية للمؤلف والناشر. ومع غياب إمكانية الحصر والضبط وضمان حقوق النشر، خسر الكتاب صدارته كالوسيلة الأولى لصياغة الفكر. بالأمس كان جديد الكتب موضع اهتمام "خاصّة" فكرية وحدها لها إطار التداول. مع الواقع الجديد، مواد التداول وأطره أصبحت لا تحصى، وما كان للخاصة الفكرية لم يعد حصراً عليها. لمن هو منها أن يعترض في مفاضلة مستمرة بين الرفيع والوضيع، الراقي والمتردي، وهو قد فعل ولا يزال، ولكن اعتراضه ضائع في ضوضاء حقيقة غلبة "العامة" وتفضيلاتها وخياراتها، وإن استحالت ساحات متباعدة وفرق متناحرة، على "خاصّة" لم تعد كذلك، بل أمست واحدة من عدة. وفي هذه الفوضى، لم يجد الفكر العربي معادلة الاستقرار بعد، وإن كانت تشكيلات عدّة تتنافس للمنصب.

ربما أن "من زاوية أخرى" كانت محاولة صمود من جانب الكلمة المكتوبة. في هيئتها المقاوِمة هذه، الكلمة المكتوبة ليست مطبوعة على ورق، بل مقروءة على الشاشة، ويصاحبها ويعززها التفاعل، في موقع النشر نفسه ثم عبر منصات التواصل الاجتماعي، ولمقالات مختارة من خلال إبرازها ومناقشتها إذاعياً، أي بتحويلها إلى مادة مسموعة، ومن بعد كل هذا من خلال التقاطها وإعادة نشرها في مواقع أخرى.

ولكن، هل كان الأمر وحسب صمود يائس في وجه المحتَّم؟ الجواب يبدو بالإيجاب إذا كان الحكم على هذه المحاولة مبنياً على المعايير الكمية السائدة في التواصل الاجتماعي. أعداد المشاهدات منخفضة، لا ترتفع إلا في بعض المواضيع ذات الطبيعة الآنية أو السجالية. تعليقات يغلب عليها الحكم المتسرع أو الرأي المعلّب، وصولاً إلى الشتائم والابتذال. بل يكتفي العديد من "المعلّقين" بالاطلاع على الاقتباس الهادف إلى دعوتهم إلى قراءة المقال، دون قراءته، قبل التكرّم بالآراء القطعية الصارمة. ما فائدة هذا المجهود إذا كان لا يتعدى في نتيجته تكرار ما يحدث في طرف نائٍ من أطراف عالم التواصل الاجتماعي؟

غير أن هذه المعايير قد لا تكون هي الصالحة لاعتبار التجربة. بعض ما استوعبته هذه التجربة يندرج بالفعل في إطار السجال ومجاراة الأخبار، وبعضها الآخر ربما يحظى بطابع أقل ارتباطاً بالآني. ولكن المجموع، على اختلاف مكوناته، شكّل نقطة مرجعية لعدد غير قليل من المسؤولين عن صياغة القرار والرأي في مواقع متقدمة. قد يصعب إثبات هذا الزعم بالأرقام، ولكنه كان حقيقة ملموسة لي شخصياً ولغيري من الزملاء، بما ساهم بتحمل الضجيج في التعليقات.

غروب "من زاوية أخرى" هو بالتالي خسارة، وإن اقتضه حسابات المؤسسة، وإشعار إضافي بما تواجهه الكلمة المكتوبة الرصينة من تحديات. كل الشكر والاحترام للإداريين والمحررين المتعاقبين على المسؤولية عن صفحة "من زاوية أخرى" على مدى أعوامها، وكل المودة والتقدير لكافة الزملاء، إذ حافظوا على أهمية الرأي الملتزم باحترام كلام الآخر وعقل القارئ، في واقع فكري معاصر يطفح بالأهوائيات والعصبيات والاستعلائيات، ولا سيما منهم من قرأ مادة نقدية وجهتُها إليه وأجاب بما أثرى النقاش، وأخيراً لا آخراً بالتأكيد، فائق الامتنان والإجلال لكل قارئ قرأ، سواء اتفق مع الرأي المطروح أو اختلف معه.

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.