البابا وشيخ الأزهر بعد توقيع وثيقة "الأخوة الإنسانية"
البابا وشيخ الأزهر بعد توقيع وثيقة "الأخوة الإنسانية"

فارس خشّان/

ليس أدلّ على هزالة التواصل الديني الرسمي بين المسيحية والإسلام، سوى العودة إلى الوراء 800 سنة للحصول على سابقة يمكنها أن تكون، ولو بجهد جهيد، شبيهة بزيارة البابا فرنسيس لدولة الإمارات العربية المتحدة، حيث وقع مع الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيّب، شيخ الأزهر الشريف وثيقة "الأخوة الإنسانية".

الحدث التاريخي الذي أعيد إلى الأذهان هو حوار ديني في العام 1219 ميلادي في مدينة دمياط المصرية بين القديس فرنسيس الأسيزي، من جهة وبين السلطان الكامل محمد الأيوبي، من جهة أخرى.

اللقاء التاريخي كان سببه المباشر أسر القديس فرنسيس الذي دخل إلى مصر خلسة لنشر الديانة المسيحية بين المسلمين، ولكن السلطان الفاطمي حرّره، وناقش معه في المسألة الدينية، في حمأة الحملات الصليبية.

الدين والسياسة متلازمان، فحيث ينقص منسوب الحريات ينقص منسوب الحرية الدينية أو يزول

​​ووفق الروايات التاريخية، فإن القديس فرنسيس، نال الموافقة على التبشير بمعتقده في الأوساط الإسلامية، ولكن، وفق الوثائق، فإنه غادر مصر سالما، بعد انتهاء الضيافة الحوارية.

وفي القرن العشرين، أعطيت هذه الواقعة التاريخية أبعادا حديثة، بحيث كانت ركيزة أساسية في الدعوات المتواصلة إلى وجوب تعميق الحوار الديني بين الإسلام والمسيحية.

اقرأ للكاتب أيضا: الطاغية والمؤامرة

وعلى الرغم من حصول كثير من الاجتماعات الرسمية بين قيادات روحية مسيحية وإسلامية، على مدى العقود الطويلة السابقة، إلا أن الشعوب لم تلمس، في الواقع، أي تغييرات ميدانية ملموسة؛ فالحروب باسم الدين مستمرة، والقتل باسم الله يتواصل، والانشقاقات باسم الطوائف تتفاقم، والحقد الذي يُعمي العقول يتعاظم.

فماذا يمكن، والحالة هذه، للحدث الإماراتي أن يُنتج؟

"الكوب" الذي أنتجته زيارة البابا فرنسيس وبرنامجها، ليس ممتلئا بالكامل ولكنه ليس فارغا كلّيا.

في الجزء الممتلئ، نجد أن المعتدلين الدينيين عثروا على مستند يعتمدون إليه، من أجل نشر اعتدالهم، والمسيحيين الخائفين من وضعيتهم في العالم الإسلامي أصبح لهم مرتكزا للطمأنينة، والمسلمين الذين تشوّهت صورتهم في العالم، بسبب إرهاب الراديكاليين، باتت لديهم وثيقة يطلون بها على الرأي العام المختلف لتبرئة دينهم من الحملة التي يتعرّض لها، في ظل تنامي اليمين المتطرف في أوروبا وغيرها.

وفي الجزء الممتلئ أيضا، فإن السعي إلى إعادة الأزهر الشريف مرجعية معنوية للمسلمين شهد زخما، في حين أن بابا الفاتيكان الذي أعلن، منذ اعتلائه سدة البابوية، السير على هدى القديس فرنسيس الأسيزي، نجح في رفع لواء الكاثوليكية في الشرق، كما أن دولة الإمارات العربية المتحدة التي تلاحق "الإخوان المسلمين" وتتصارع مع الدول التي تدعم هذا التنظيم، سجّلت نقطة جديدة لها في "الجزء المضيء" من الكرة الأرضية.

ولكن في الجزء الفارغ من "الكوب"، فإنّ التحديات الحقيقية لا تزال حيث كانت قبل "حدث الإمارات".

على المستوى البابوي، فإن تأثير الفاتيكان ضحل في أوروبا، بغض النظر عن عدد الكاثوليك في هذه القارة. وعلى سبيل المثال لا الحصر، فعلى الرغم من أن عاصمة الكثلكة اتخذت مواقف إيجابية من موضوع اللاجئين داعية إلى استقبالهم وحسن معاملاتهم، إلا أن هذا الجهد الصادق الذي كانت له تفسيرات مسيحية، لم يمنع من صعود اليمين المتطرف، حتى في إيطاليا نفسها، مستفيدا من خطاب الكراهية ضد هؤلاء اللاجئين.

وفاتيكان هذا العصر هو غيره في العصور الغابرة؛ فتأثيره، في ظل العلمانية، يكاد لا يذكر لا في المناهج التربوية ولا في الخطط الحكومية، ولا في المسارات الإعلامية.

والمنهج الذي يعتمده اليمين المتطرف، لا يبني نفسه على وثائق، فحادثة إرهابية واحدة قادرة على ترجيح كفة الرأي العام أكثر من أكثر الوثائق رقيا وانفتاحا.

كما أن البابوية، ومنذ عقود طويلة، تخلّت عن خطاب "الحملات الصليبية" و"أحادية الحقيقة".

في الجزء الممتلئ، نجد أن المعتدلين الدينيين عثروا على مستند يعتمدون إليه، من أجل نشر اعتدالهم،

​​وعلى المستوى الإسلامي، وبغض النظر عن النيات الصادقة التي عبّر عنها الإمام الأكبر، فإن المشاكل التي تعاني منها المجتمعات الإسلامية لم تكن يوما نتاج توجيهات مرجعية الأزهر، ومنها على سبيل المثال، المشاكل التي تعترض الأقباط في مصر، والأحزاب المرتكزة على الدين كـ "الإخوان المسلمين" والقوى الراديكالية التي تعتمد العنف مثل "القاعدة" و"داعش"، وتنوّع المرجعيات التي تتوّلى الإرشاد في المساجد والتعليم الديني في المدارس.

يضاف إلى ذلك أن "مجلس حكماء المسلمين" الذي تولى رسميا تنسيق البعد الحواري لزيارة البابا هو على خصومة مع "الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين"، ويتجسّد هذا الخلاف، في النقاط الجغرافية حيث يقع مقرا هاتين المجموعتين، فالأولى مقرها دولة الإمارات والثانية مقرها إمارة قطر، وهما، كما هو معروف، في "حرب باردة".

اقرأ للكاتب أيضا: كارلوس غصن: من القدوة إلى العِبرة

وهنا، يأتي البعد السياسي، فالأخوة الإنسانية، على أهمية الوثيقة وجماليات صوغها، تحتاج، أول ما تحتاج، إلى أنظمة تتلاءم مع الأخوة والإنسانية معا، وهذا يستحيل، في ظل الديكتاتوريات التي تتاجر، بطبيعتها، بالأديان وتنتج نوعين من الناس: عبّاد الحاكم، من جهة، والهاربون منه إلى الراديكالية، من جهة أخرى.

ومنذ الأزمنة الغابرة، يعرف من يريد أن يعرف أن الدين والسياسة متلازمان، فحيث ينقص منسوب الحريات ـ تتقدمها الحرية السياسية ـ ينقص منسوب الحرية الدينية أو يزول، وتاليا تنتفي الأخوة وتنعدم الإنسانية.

والتاريخ كما الحاضر شاهدان...

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟