وزير الخارجية الفلسطيني رياض المالكي خلال اجتماع وزراء الخارجية العرب
وزير الخارجية الفلسطيني رياض المالكي خلال اجتماع وزراء الخارجية العرب

داود كتّاب/

واجه المسؤولون في وزارة الخارجية الفلسطينية مشكلة مستعصية مؤخرا؛ فرغم الدعم العالمي الكبير للشعب الفلسطيني وحقه في تقرير المصير إلا أن عددا من قادة دول أميركا اللاتينية شكلوا معضلة بسب مواقفهم المؤيدة لإسرائيل وإعلانهم عن نقل سفاراتهم للقدس في تحد واضح للموقف العربي والعالمي والقرارات الأممية الخاصة بالقدس.

لم يكن موقف رؤساء تلك الدول تأييدا أعمى لسياسات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بل جاء نتيجة مواقف ـ أعتبرها خاطئة ـ مبنية على أفكار دينية "صهيو-مسيحية" لهؤلاء القادة والذين تم انتخابهم على أساس مواقفهم اليمينية بما في ذلك دعمهم الأعمى لإسرائيل بناء على تلك المبادئ الدينية والتي تحاول الاعتماد على لاهوت بعض الإنجيليين الأميركيين المتصهينين.

المعضلة التي واجهت المسؤولين الفلسطينيين جاءت بسبب قناعاتهم أن أميركا اللاتينية، والتي يلعب اللاجئون العرب وخاصة الفلسطينيين دورا مهما في معظم دولها، هي في العادة مؤيدة للقضية الفلسطينية، وعدد لا بأس به من هذه الدول معترف بدولة فلسطين ويدعم فلسطين في المحافل الدولية.

اقرأ للكاتب أيضا: فلسطين تحتاج إلى أكثر من حكومة جديدة

للرد على ما يجري قرر وزير الخارجية الفلسطيني رياض المالكي، وهو ناطق بالإسبانية وعلى دراية بالوضع الداخلي في أميركا اللاتينية، أن يرسل وفدا من القادة والمفكرين المسيحيين من فلسطين إلى دول مثل غواتيمالا وهندوراس والبرازيل بهدف إقناعهم بالتراجع عن مواقفهم أو على الأقل تجميدها.

تشكلت الوفود من شخصيات مسيحية مثل رئيسة بلدية بيت لحم السابقة فيرا بابون ورجال دين مثل القس متري الراهب وغيرهم.

وكان ضمن الوفدين المتوجهين لتلك الدول عدد من المفكرين والمتحدثين المسيحيين من أتباع الطوائف الإنجيلية.

وكان المالكي على معرفة ببعض منهم، حيث شارك أكثر من مرة مسؤولون في الحكومات الفلسطينية ومنهم المالكي في مؤتمر يعقد كل سنتين بعنوان "المسيح على الحاجز"، وهو مؤتمر يهدف إلى مواجهة الأفكار الصهيونية المسيحية التي تستند على آيات خارجة عن السياق لدعم دولة إسرائيل.

ورغم أن الحكومة الفلسطينية لا تزال مترددة في الاعتراف الرسمي بتلك الكنائس المحلية الإنجيلية إلا أن خطوة الاستفادة من مفكرين وطنيين إنجيليين جاءت في مكان ومناسبة مهمة وللمصلحة الوطنية العليا.

وفعلا كان للمشاركة بشخصيات مثل القس جاك سارة رئيس كلية بيت لحم للكتاب المقدس والمحامي جونثان كتّاب رئيس مجلس الإدارة السابق للكلية والناشط في الحوارات المتعلقة بالإنجيليين وكان آخرها محاضرة في الأزهر الشريف عن دور الإنجيليين الفلسطينيين، أثرا إيجابيا كما جاء في تقارير مسؤولة الأميركيتين في الخارجية الفلسطينية حنان جرار.

التقت الوفود الفلسطينية مع المسؤولين في الدول التي زاروها كما كان هناك لقاءات حميمة مع الجاليات الفلسطينية والمتلهفة لدعم القضية الفلسطينية ولكن ربما أهم اللقاءات وأكثرها إثارة كانت مع قيادات كنائس وجمعيات إنجيلية في تلك الدول واستماعها لأول مرة لمواقف لمسيحيين مؤمنين بنفس العقيدة.

فمن الصعب إنكار أقوال من يتمسك مثلهم بالإنجيل عندما يتلو آيات تنظر لموضوع التفسيرات المجتزأة حول الوضع في الشرق الأوسط من منظور شمولي.

من الصعب على سبيل المثال لا الحصر التمسك بوعود إلهية في العهد القديم في حين ترفض أقوال المسيح عندما أكد أهمية السعي للسلام بقوله في الموعظة على الجبل كما جاء في إنجيل متى 5:9 "طوبى لصانعي السلام، لأنهم أبناء الله يدعون". كما من الصعب قبول أن اليهود هم شعب الله المختار في حين أنه حسب العهد الجديد لم يعد هناك بعد المسيح أي شيء يسمى شعب الله المختار.

لا شك أن السياسيين في كل العالم يستخدمون الدين لمصالحهم ومن الصعب التوقع من زيارة أو زيارتين وعرض مقنع للاهوتيين مسيحيين وطنيين أن يغير ما يجري في العالم من محاولة صهينة المسيحية، لكن تجربة الوفدين اللذين شاركا في اللقاءات في أميركا اللاتينية تضع المسؤولين في بلادنا أمام ضرورة الاستفادة من المخزون الإنساني الوطني المتوفر لدى المسيحيين المحليين التابعين للطوائف الإنجيلية والمقتنعين بوجود أخطاء في التفسيرات المستوردة من الخارج لتبرير انتهاك حقوق الإنسان الفلسطيني وتقديم أفكار لاهوتية مبنية على تجزئة غير مكتملة لما جاء في الكتاب المقدس.

اقرأ للكاتب أيضا: صعوبة التغيير وغياب الجرأة في إعادة النظر بالقوانين والأنظمة القديمة

من الضروري أن يقوم القادة السياسيون في منطقة الشرق الأوسط بتعزيز تواصلهم مع تلك الشخصيات الوطنية وتجاوز حصر علاقاتهم مع القادة المسيحيين من الكنائس القديمة وذلك للاستفادة من قدرتهم على جسر الهوة مع آخرين في الغرب يفهمون ما جاء في الإنجيل بطريقة خاطئة أو يحاولون عمدا تضليل شعوبهم بتلك الهرطقات.

فـ"الخوارج" الذين تحدث عنهم الملك عبد الله ليسوا في دين معين بل هناك خوارج في العديد من الديانات، وهناك تطرف مسيحي ويهودي من الضروري التصدي لهما بالحجة وعدم السماح باحتكار الدين للتفسيرات الخاطئة التي تبرر الاحتلال والاستيطان وسرقة الأراضي وقتل الأبرياء في حين أن رسالة السيد المسيح هي رسالة سلام وعدل.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.
الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.

على مدى ربع قرن، كان لي شرف الكتابة في جريدة "الحياة"، يوم كانت واجهة الصحافة العربية المطبوعة العابرة للدول والقارات. سواء جاءت نهايتها لأفول الجريدة الورقية كوسيلة توزيع للمعلومة والفكر، أو لأخطاء على درب إدارتها، فإن "الحياة" قد أسلمت الروح، ومعها النمط الذي اعتاد عليه جيلها في قراءة الخبر والتحليل والرأي.

بدا يومها أن الزمن الذي كانت كانت فيه نشرات الأخبار، الإذاعية والمرئية، تمهيداً لقراءة المادة المكتوبة الموسعة في جريدة الصباح قد ولّى، وأصبح بالإمكان، عبر الشاشات والشبكات المعلوماتية، الاستفاضة بالحصول على المضمون الموسّع والمعمّق دون تأخير.

ومع المزيد من التطور في التقنيات، أضحى جليًا بأن طلب المضمون وتلقيه ينتقل ليس من الطباعة إلى الشاشة وحسب، بل، في انقلاب في أدوار الخادم والمخدوم، من الكلمة المكتوبة إلى أشكال جديدة للكلمة المسموعة والمرئية، تأتي بدورها في ارتباط وثيق بالصورة البيانية أو التعبيرية، وتتولى مهمة التعليق عليها.

فيما يقترب من الإجماع، القناعة اليوم هي أن المضمون المصور، ولا سيما بالصيغة النشطة التي تحاكي مخيلة الاستيعاب، هو السبيل الأكثر فعالية للتواصل مع المتلقي. والانتقال المتحقق إليه ليس الأول على مدى التاريخ الإنساني. سبق هذا الانتقال حالات عديدة، منها ما أسفر عن تحولات كمّية كبيرة في انتشار المضمون، مثل الانتقال من المخطوط إلى المطبوع، ثم أن التراكم الكمي استحال بدوره تحولات نوعية عميقة. ومنها، قبلها، ما هو أساس الحضارة، أي الانتقال من الشفهي إلى المكتوب.

الانتقال الأخير جاء قابلاً للتحقق نتيجة التطور الكبير في تقنيات المعلومات طبعاً، وأثره البالغ على الإنتاج والتوزيع والاستهلاك في المجال المعرفي كما في سائر المجالات. المقارنة هنا غالباً ما تكون مع الثورة الصناعية. ربما هي كذلك في أكثر من مجتمع وسياق، غير أن الواقع الجديد في المحيط العربي يقترب ببعض أوجهه من أن يكون أشبه بأحوال ما بعد الكارثة الطبيعية منه بنتائج الثورة الصناعية.

البنى التي انهارت لم تكن الصحافة المطبوعة وحدها. فالمتضرر الأول كان الكتاب. نعم، ثمة تعارض في تحقق الفائدة والضرر بين دور النشر ومعها المؤلفين من جهة، والقارئ من جهة أخرى، إذ توفرّت له بين ما يشبه الليلة وضحاها مكتبات بكاملها، بصيغة رقمية أعيد إدخالها، أي عرضة لكمّ كبير من الأخطاء في مرحلة أولى، ثم بصيغة مصوّرة تحاكي الكتاب المطبوع بإخلاص، وصولاً إلى إقدام المكتبات الجامعية بنفسها على وضع مقتنياتها على الشبكة، ليصبح القارئ قادراً على الاطمئنان إلى الكتاب في سنده ومتنه ومصدره.

لكن في مقابل سعادة القارئ، تعرقلت نظم الموازنة بين الانتاج الفكري والتعويضات المالية للمؤلف والناشر. ومع غياب إمكانية الحصر والضبط وضمان حقوق النشر، خسر الكتاب صدارته كالوسيلة الأولى لصياغة الفكر. بالأمس كان جديد الكتب موضع اهتمام "خاصّة" فكرية وحدها لها إطار التداول. مع الواقع الجديد، مواد التداول وأطره أصبحت لا تحصى، وما كان للخاصة الفكرية لم يعد حصراً عليها. لمن هو منها أن يعترض في مفاضلة مستمرة بين الرفيع والوضيع، الراقي والمتردي، وهو قد فعل ولا يزال، ولكن اعتراضه ضائع في ضوضاء حقيقة غلبة "العامة" وتفضيلاتها وخياراتها، وإن استحالت ساحات متباعدة وفرق متناحرة، على "خاصّة" لم تعد كذلك، بل أمست واحدة من عدة. وفي هذه الفوضى، لم يجد الفكر العربي معادلة الاستقرار بعد، وإن كانت تشكيلات عدّة تتنافس للمنصب.

ربما أن "من زاوية أخرى" كانت محاولة صمود من جانب الكلمة المكتوبة. في هيئتها المقاوِمة هذه، الكلمة المكتوبة ليست مطبوعة على ورق، بل مقروءة على الشاشة، ويصاحبها ويعززها التفاعل، في موقع النشر نفسه ثم عبر منصات التواصل الاجتماعي، ولمقالات مختارة من خلال إبرازها ومناقشتها إذاعياً، أي بتحويلها إلى مادة مسموعة، ومن بعد كل هذا من خلال التقاطها وإعادة نشرها في مواقع أخرى.

ولكن، هل كان الأمر وحسب صمود يائس في وجه المحتَّم؟ الجواب يبدو بالإيجاب إذا كان الحكم على هذه المحاولة مبنياً على المعايير الكمية السائدة في التواصل الاجتماعي. أعداد المشاهدات منخفضة، لا ترتفع إلا في بعض المواضيع ذات الطبيعة الآنية أو السجالية. تعليقات يغلب عليها الحكم المتسرع أو الرأي المعلّب، وصولاً إلى الشتائم والابتذال. بل يكتفي العديد من "المعلّقين" بالاطلاع على الاقتباس الهادف إلى دعوتهم إلى قراءة المقال، دون قراءته، قبل التكرّم بالآراء القطعية الصارمة. ما فائدة هذا المجهود إذا كان لا يتعدى في نتيجته تكرار ما يحدث في طرف نائٍ من أطراف عالم التواصل الاجتماعي؟

غير أن هذه المعايير قد لا تكون هي الصالحة لاعتبار التجربة. بعض ما استوعبته هذه التجربة يندرج بالفعل في إطار السجال ومجاراة الأخبار، وبعضها الآخر ربما يحظى بطابع أقل ارتباطاً بالآني. ولكن المجموع، على اختلاف مكوناته، شكّل نقطة مرجعية لعدد غير قليل من المسؤولين عن صياغة القرار والرأي في مواقع متقدمة. قد يصعب إثبات هذا الزعم بالأرقام، ولكنه كان حقيقة ملموسة لي شخصياً ولغيري من الزملاء، بما ساهم بتحمل الضجيج في التعليقات.

غروب "من زاوية أخرى" هو بالتالي خسارة، وإن اقتضه حسابات المؤسسة، وإشعار إضافي بما تواجهه الكلمة المكتوبة الرصينة من تحديات. كل الشكر والاحترام للإداريين والمحررين المتعاقبين على المسؤولية عن صفحة "من زاوية أخرى" على مدى أعوامها، وكل المودة والتقدير لكافة الزملاء، إذ حافظوا على أهمية الرأي الملتزم باحترام كلام الآخر وعقل القارئ، في واقع فكري معاصر يطفح بالأهوائيات والعصبيات والاستعلائيات، ولا سيما منهم من قرأ مادة نقدية وجهتُها إليه وأجاب بما أثرى النقاش، وأخيراً لا آخراً بالتأكيد، فائق الامتنان والإجلال لكل قارئ قرأ، سواء اتفق مع الرأي المطروح أو اختلف معه.

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.