كتاب ومثقفون غراقيون في اعتصام بعد اغتيال الروائي علاء مشجوب
كتاب ومثقفون غراقيون في اعتصام بعد اغتيال الروائي علاء مشجوب

مشرق عباس/

يتحدث الروائي العراقي اللامع علي بدر عن الحاجة إلى مشفى جماعي للأمراض التي أنتجتها الطائفية والعنصرية في العراق، مستندا إلى طروحات يورغن هابرماس ذات المنحى الواقعي في التعاطي مع المُتَبنيَات الاجتماعية الأساسية، والاستعادة الواجبة لها باعتبارها نمطا "صيروريا" لا يجب القفز عليه، وإنما التعامل معه كنتاج بصمة إبهام اجتماعية غير قابلة للتقليد والتزييف والاستنساخ.

كان بدر يتحدث من مقهى في قلب بغداد، بحماسة عن مشروع ضروري لإعادة التدوين التاريخي للأحداث العراقية في سياق الاستعادة الثقافية لا الأرشيفية، وفي إطار تعميق الوعي لا تسطيحه، وتوثيق المعاني الكبيرة لا الأحداث المنفصلة عن سياقها.

قلق كبير قد تسيّد الأوساط الثقافية العراقية من زحف اليمين الإسلامي إلى ملعب المدنية

​​في خضم النقاش البغدادي الذي احتدم بين نخبة من ألمع الباحثين والمثقفين العراقيين الغارقين لسنوات في توصيف السياق والمتن، وما وراء المتن، حيث يتم اتهام العلمانيين بأنهم تنصلوا من علمانيتهم لصالح الحوار مع الإسلاميين في العراق، وحيث يتم تثبيت الزمن على ارتكاب القوى الإسلامية بحق مفهوم المواطنة، في مقابل تثبيت تلك القوى على ارتكاب قوى قومية حملت شعار فصل الدين عن الدولة بحق المواطنة نفسها، كان مصطلح "المدنية" حاضرا كمقترح من مقترحات ما بعد العلمانية، ليس بكونه نقيضا للعسكرية كما يتشبث العديد من العلمانيين، بل لكونه في الدرجة الأساس ممثلا فذا لقيم المدينة التي يمكن الحديث عنها كصاهر ومشذب وناحت للهويات في هوية وطنية عليا مرة، أو كمشفى جماعي لكل الأمراض الاجتماعية الأولية مرة أخرى.

وربما يفترض بعضهم أن العودة إلى استحضار مصطلح "المدنية" في العراق بعد كم التشويه الذي تعرض له على يد المهاجرين من نقطة بيئة الوسط المعتدلة إلى الأطراف إسلاميين وعلمانيين، أشبه بالعودة لنفخ الحياة في جسد ميت. فالقوى السياسية العراقية التي تبنت مصطلح "المدنية" كشعار، لم تترك منفذا إلا وطعنت من خلاله قيم المدنية نفسها، وكانت جادة منذ انطلاق الحراك الشعبي المدني، الذي قاده المثقفون والناشطون العراقيون، في تجريد شعار "الدولة المدنية" من غاياته، وسكب "سخام" من الارتكابات والتأويلات والاتهامات على لوحاته العريضة. لكنها، وهي تنجح في دفع بعض العلمانيين إلى اليمين متخليين عن أطروحة الحوار المنتج ومحبطين من التسقيط الممنهج بحقهم، تفشل في زحزحة أسس الاعتدال العراقي المتشبث بأصول التعايش السلمي على أساس قواعد وعقود الدولة المدنية من نقطة الاعتدال.

التعايش الذي تنتجه القيم المدنية ليس تعايشا حزبيا قلقا على طريقة توازنات الرعب

​​ومع أن قلقا كبيرا قد تسيّد الأوساط الثقافية العراقية من زحف اليمين الإسلامي إلى ملعب المدنية، فإن الحقيقة سرعان ما انكشفت، فقيمة التعايش التي أقرها الزعماء السياسيون مطرزين أبواب أحزابهم بمرادفات "المدنية" تم النظر إليها سياسيا على أنها اتفاق حزبي يكبس زر العنف فيقل تدفق صنبور الدم، من دون أن يقدم ضمانات للبناء على حالة الوئام المضللة.

واقع الحال أن التعايش الذي تنتجه القيم المدنية ليس تعايشا حزبيا قلقا على طريقة توازنات الرعب، و"اللبننة" لم تعد مقترحا لحل الأزمة العراقية، كما أن تقليل ظهور العمائم في الساحة السياسية لا يعكس نمطا بل استدارة مؤقتة، والنضال المدني، إذا كان يستحق كلمة "نضال" بالاستناد إلى حركات الاحتجاج المدنية المتواصلة، يتطلب العودة للالتفاف حول الأهداف الأساسية التي جمعت المدنيين العراقيين بالعلمانيين منهم والإسلاميين المقتنعين بحدود الفصل البناء بين سلطة المسجد وسلطة مجلس الوزراء، وهي القوانين الحاكمة والعادلة التي تقود إلى الحكم الرشيد والمساواة تحت سقف المواطنة، والدفاع عن الدولة وحقوقها باحتكار السلاح والعقاب على أسس العقد المدني وإنهاء مظاهر الاستئثار والقطيعة والبدء في التأسيس لنظام تعليمي توعوي شامل برعاية الدولة لمنع تكرار مآسي الماضي، وإحياء قيم المدينة ومظاهرها ومتبنياتها بما يشمل تطبيق النصوص الدستورية والقوانين الضامنة لحرية التعبير والسلوك والضمير تحت سقف القواعد المتفق عليها اجتماعيا.

في خضم الجدل تستنزف 13 رصاصة جسد علاء مشذوب أحد المدافعين عن "المدنية" العراقية، والمنافحين عن "المدينة ـ كربلاء" في هويتها التي اعتبرها على الدوام مصهر هويات فرعية من نوع خاص، فينتبه الجميع إلى أن الأمراض لم تشف بعد، وأن فايروساتها الساكنة تهدد من جديد بالتهام ما تبقى من جدران المشافي الهرمة.

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.
الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.

على مدى ربع قرن، كان لي شرف الكتابة في جريدة "الحياة"، يوم كانت واجهة الصحافة العربية المطبوعة العابرة للدول والقارات. سواء جاءت نهايتها لأفول الجريدة الورقية كوسيلة توزيع للمعلومة والفكر، أو لأخطاء على درب إدارتها، فإن "الحياة" قد أسلمت الروح، ومعها النمط الذي اعتاد عليه جيلها في قراءة الخبر والتحليل والرأي.

بدا يومها أن الزمن الذي كانت كانت فيه نشرات الأخبار، الإذاعية والمرئية، تمهيداً لقراءة المادة المكتوبة الموسعة في جريدة الصباح قد ولّى، وأصبح بالإمكان، عبر الشاشات والشبكات المعلوماتية، الاستفاضة بالحصول على المضمون الموسّع والمعمّق دون تأخير.

ومع المزيد من التطور في التقنيات، أضحى جليًا بأن طلب المضمون وتلقيه ينتقل ليس من الطباعة إلى الشاشة وحسب، بل، في انقلاب في أدوار الخادم والمخدوم، من الكلمة المكتوبة إلى أشكال جديدة للكلمة المسموعة والمرئية، تأتي بدورها في ارتباط وثيق بالصورة البيانية أو التعبيرية، وتتولى مهمة التعليق عليها.

فيما يقترب من الإجماع، القناعة اليوم هي أن المضمون المصور، ولا سيما بالصيغة النشطة التي تحاكي مخيلة الاستيعاب، هو السبيل الأكثر فعالية للتواصل مع المتلقي. والانتقال المتحقق إليه ليس الأول على مدى التاريخ الإنساني. سبق هذا الانتقال حالات عديدة، منها ما أسفر عن تحولات كمّية كبيرة في انتشار المضمون، مثل الانتقال من المخطوط إلى المطبوع، ثم أن التراكم الكمي استحال بدوره تحولات نوعية عميقة. ومنها، قبلها، ما هو أساس الحضارة، أي الانتقال من الشفهي إلى المكتوب.

الانتقال الأخير جاء قابلاً للتحقق نتيجة التطور الكبير في تقنيات المعلومات طبعاً، وأثره البالغ على الإنتاج والتوزيع والاستهلاك في المجال المعرفي كما في سائر المجالات. المقارنة هنا غالباً ما تكون مع الثورة الصناعية. ربما هي كذلك في أكثر من مجتمع وسياق، غير أن الواقع الجديد في المحيط العربي يقترب ببعض أوجهه من أن يكون أشبه بأحوال ما بعد الكارثة الطبيعية منه بنتائج الثورة الصناعية.

البنى التي انهارت لم تكن الصحافة المطبوعة وحدها. فالمتضرر الأول كان الكتاب. نعم، ثمة تعارض في تحقق الفائدة والضرر بين دور النشر ومعها المؤلفين من جهة، والقارئ من جهة أخرى، إذ توفرّت له بين ما يشبه الليلة وضحاها مكتبات بكاملها، بصيغة رقمية أعيد إدخالها، أي عرضة لكمّ كبير من الأخطاء في مرحلة أولى، ثم بصيغة مصوّرة تحاكي الكتاب المطبوع بإخلاص، وصولاً إلى إقدام المكتبات الجامعية بنفسها على وضع مقتنياتها على الشبكة، ليصبح القارئ قادراً على الاطمئنان إلى الكتاب في سنده ومتنه ومصدره.

لكن في مقابل سعادة القارئ، تعرقلت نظم الموازنة بين الانتاج الفكري والتعويضات المالية للمؤلف والناشر. ومع غياب إمكانية الحصر والضبط وضمان حقوق النشر، خسر الكتاب صدارته كالوسيلة الأولى لصياغة الفكر. بالأمس كان جديد الكتب موضع اهتمام "خاصّة" فكرية وحدها لها إطار التداول. مع الواقع الجديد، مواد التداول وأطره أصبحت لا تحصى، وما كان للخاصة الفكرية لم يعد حصراً عليها. لمن هو منها أن يعترض في مفاضلة مستمرة بين الرفيع والوضيع، الراقي والمتردي، وهو قد فعل ولا يزال، ولكن اعتراضه ضائع في ضوضاء حقيقة غلبة "العامة" وتفضيلاتها وخياراتها، وإن استحالت ساحات متباعدة وفرق متناحرة، على "خاصّة" لم تعد كذلك، بل أمست واحدة من عدة. وفي هذه الفوضى، لم يجد الفكر العربي معادلة الاستقرار بعد، وإن كانت تشكيلات عدّة تتنافس للمنصب.

ربما أن "من زاوية أخرى" كانت محاولة صمود من جانب الكلمة المكتوبة. في هيئتها المقاوِمة هذه، الكلمة المكتوبة ليست مطبوعة على ورق، بل مقروءة على الشاشة، ويصاحبها ويعززها التفاعل، في موقع النشر نفسه ثم عبر منصات التواصل الاجتماعي، ولمقالات مختارة من خلال إبرازها ومناقشتها إذاعياً، أي بتحويلها إلى مادة مسموعة، ومن بعد كل هذا من خلال التقاطها وإعادة نشرها في مواقع أخرى.

ولكن، هل كان الأمر وحسب صمود يائس في وجه المحتَّم؟ الجواب يبدو بالإيجاب إذا كان الحكم على هذه المحاولة مبنياً على المعايير الكمية السائدة في التواصل الاجتماعي. أعداد المشاهدات منخفضة، لا ترتفع إلا في بعض المواضيع ذات الطبيعة الآنية أو السجالية. تعليقات يغلب عليها الحكم المتسرع أو الرأي المعلّب، وصولاً إلى الشتائم والابتذال. بل يكتفي العديد من "المعلّقين" بالاطلاع على الاقتباس الهادف إلى دعوتهم إلى قراءة المقال، دون قراءته، قبل التكرّم بالآراء القطعية الصارمة. ما فائدة هذا المجهود إذا كان لا يتعدى في نتيجته تكرار ما يحدث في طرف نائٍ من أطراف عالم التواصل الاجتماعي؟

غير أن هذه المعايير قد لا تكون هي الصالحة لاعتبار التجربة. بعض ما استوعبته هذه التجربة يندرج بالفعل في إطار السجال ومجاراة الأخبار، وبعضها الآخر ربما يحظى بطابع أقل ارتباطاً بالآني. ولكن المجموع، على اختلاف مكوناته، شكّل نقطة مرجعية لعدد غير قليل من المسؤولين عن صياغة القرار والرأي في مواقع متقدمة. قد يصعب إثبات هذا الزعم بالأرقام، ولكنه كان حقيقة ملموسة لي شخصياً ولغيري من الزملاء، بما ساهم بتحمل الضجيج في التعليقات.

غروب "من زاوية أخرى" هو بالتالي خسارة، وإن اقتضه حسابات المؤسسة، وإشعار إضافي بما تواجهه الكلمة المكتوبة الرصينة من تحديات. كل الشكر والاحترام للإداريين والمحررين المتعاقبين على المسؤولية عن صفحة "من زاوية أخرى" على مدى أعوامها، وكل المودة والتقدير لكافة الزملاء، إذ حافظوا على أهمية الرأي الملتزم باحترام كلام الآخر وعقل القارئ، في واقع فكري معاصر يطفح بالأهوائيات والعصبيات والاستعلائيات، ولا سيما منهم من قرأ مادة نقدية وجهتُها إليه وأجاب بما أثرى النقاش، وأخيراً لا آخراً بالتأكيد، فائق الامتنان والإجلال لكل قارئ قرأ، سواء اتفق مع الرأي المطروح أو اختلف معه.

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.