لوريل وهاردي
لوريل وهاردي

رياض عصمت/

في هذا الزمن المشؤوم وهذه الأيام الحبلى بالكوارث والصدامات، من منا لا يتمنى أن يستمتع بشيء من الابتسام؟ من منا لا يتذكر المضحكين الذين ألهبوا مشاعره بفكاهاتهم الحركية واللفظية في عهد الشباب؟ من منا لا يحن إلى عهد اليفاعة، حين كنا نؤمن بأن الرومانسية في العواطف ستجعل المحبوب يعود، وأن المبادئ لا بد أن تسود؟ من منا لا يأمل بعودة الزمن إلى الوراء، حين كنا نصارع القدر ونهزم الانهزام حتى لو تعرضت الأمة لخيانة أو انكسار؟

يقال: إن الشعوب التي تمر بأوضاع قاسية ومعاناة مضنية تلجأ إلى الضحك كوسيلة لمقاومة الإحباط، لإزكاء الصبر، ولطرد اليأس من النفوس. لذلك، اشتهر شعب مصر بروح الدعابة رغم تعرضه إلى ظروف معيشية صعبة. ولذلك أيضا، انتقلت روح النكتة إلى السوريين، خاصة في السنوات الثماني الماضية من المعاناة القاسية في صراع مرير بين الآلام والآمال.

قصة صداقة أشهر وأقدم ثنائي سينمائي أميركي ليست مضحكة إلا في دقائق محدودة

​​من السهل أن يبكي الممثل الجمهور. أما أن يدفعه إلى الضحك، فذلك من أصعب الأمور. ربما لا تنجح التراجيديا كفاية في إثارة رعشة الإشفاق والخوف في العمود الفقري (المسماة "كاثارسيز" عند أرسطو،) لكنها تنجح في إيقاظ الوعي أو إثارة العواطف.

أما إذا فشلت الكوميديا في الإضحاك، فإنها ستسقط لا محالة. أرقى أنواع الضحك هو ما يمزج الدمعة بالابتسامة. إن الكوميديا ـ السوداء، أو الملهاة ـ الدامعة، هي فن العصر بامتياز.

اقرأ للكاتب أيضا: كيف يمكن لأي تفاوض أن ينجح؟

كم تهز وجداننا صورة المهرج الذي يضحك الجماهير في السيرك وهو يخفي وراء مكياجه الفاقع فاجعة موت عزيز. كذلك صورة الفنان الكوميدي الذي يكمل أداءه على المسرح رغم معاناته المريرة من مرض عضال، وأيضا صورة نجم السينما الكوميدي الذي يتجاوز إحباطه محافظا على إشراقته في أعين المشاهدين. هذا المفهوم هو ما انطلق منه فيلم "ستان وأولي".

من منا لا يذكر لوريل وهاردي؟ من منا لم يضحك عند مشاهدة أفلامهما في سني الطفولة والشباب؟ ظهر ستان لوريل (النحيل) وأوليفر هاردي (السمين) كأول وأشهر ثنائي كوميدي في "عصر الكوميديا الذهبي"، الذي سبقهما إلى الشهرة فيه تشارلي تشابلن، بستر كيتون، هارولد لويد والأخوة ماركس.

يكفي كي نقدر حجم إسهام الثنائي الكوميدي الرائد أن نعلم أن أوليفر هاردي مثل خلال حياته 417 فيلما، وكتب سيناريو 3 أفلام. أما ستان لوريل فمثل 188 فيلما، وكتب سيناريو 60 فيلما.

بعد حين، بدأت تخبو شمس شهرة الشريكين بسبب تبدل الذوق الكوميدي السائد في أواخر ثلاثينيات القرن العشرين، وعدم نيل أفلامهما النجاح المعهود. صنع الشريكان آخر فيلم في العام 1951، ولم يحظ بنجاح يذكر. توفي أوليفر هاردي عام 1957 عن عمر يناهز 65 سنة، وتوفي ستان لوريل عام 1965 عن عمر يناهز 74 سنة، ولم يمثل الثاني أي فيلم بعد وفاة صديقه الحميم.

يروي فيلم "ستان وأولي" (2018)، من إخراج جون س. بيرد، جانبا حزينا ومغفلا من سيرة حياة فنانين كبيرين أسعدا أكثر من جيل في عهد البراءة. تبدأ أحداث الفيلم حين كان ستان وأولي في أوج شهرتهما من خلال أفلامهما مع المنتج هال روش، الذي رفض رفع أجرهما مقابل الأرباح الهائلة التي كان يجنيها.

تهتز صداقة الثنائي حين يرفض ستان تحمل هذا الاستغلال، في حين يوافق أولي على الاستمرار مع المنتج دون صديقه، فيمثل فيلما بالمشاركة مع ممثل كوميدي بديل عنه.

فجأة، يقفز بنا فيلم "ستان وأولي" 16 سنة إلى الأمام، فنرى صداقة النجمين الأميركيين قد عادت بعد أن اكتهلا وخبت الأضواء عنهما عقب تغير الذوق وظهور الثنائي الأميركي آبوت وكوستيللو، والكوميدي اللامع بوب هوب، فإذا بهما يقرران الذهاب بجولة مسرحية في بريطانيا تبدأ من مدن الأقاليم لتنتهي في لندن، وذلك وسط منافسة حامية من الكوميدي الإنكليزي اللامع نورمان ويزدم. 

تنطلق عروض ستان وأولي المسرحية بإقبال محدود، لكن إبداعهما ما يلبث أن يستقطب جمهورا تغص به الصالات. تنضم زوجتاهما إليهما قادمتين من الولايات المتحدة. تسعى زوجة ستان لمنعه عن الإدمان على الكحول، بينما تسبغ الثانية على أولي حنانها العاطفي.

ما تلبث المسارح أن تمتلئ إلى أقصاها بحيث يضطر المنتج لحجز أكبر مسارح لندن للمضحكين الشهيرين. يطمح ستان وأولي إلى إقناع منتج بريطاني بإنتاج فيلم جديد من بطولتهما عن حكاية روبن هود كي يستعيدا به مجدهما السينمائي الآفل، لكن المنتج يتراجع متهربا من إنتاج الفيلم، فيحبط آمال ستان الذي يعمل على كتابة السيناريو ويحلم مع صديقه بتحقيق نجاح باهر.

هنا، ينشب شجار عاصف بين الشريكين نتيجة تذكير ستان لصديقه بما اعتبره خيانة حين قام أولي بتمثيل فيلم مع شريك بديل هو هاري لانغدون، أطلق عليه لقب "فيلم الفيل". يؤذي كل من الصديقين الآخر بطعنات كلامه الجارح، ويهدمان خلال لحظة غضب جامح بنيان صداقة مديدة. يقاطع أولي صديقه ستان رغم محاولة الآخر مصالحته نادما، لكن أولي عندما يصاب بجلطة خلال حفل توزيع جوائز، يسارع صديقه ستان بلهفة إلى نقله إلى غرفته في الفندق لتسعفه زوجته.

في مشهد رائع، يزور ستان صديقه أولي وهو على فراش المرض، يمازحه ويسري عنه، ويصارحه بأنه لم يعن كلمة مما قال خلال شجارهما الطائش، فيرد عليه أوليفر بالمثل في مصالحة رائعة بين صديقين جمع بينهما الغفران والمحبة من جديد.

يعتلي ستان السرير، يمسك بيد صاحبه ويجلسان معا، مؤكدين صداقتهما في السراء والضراء. يمنح أولي الإذن لصديقه في أن يتابع عمله الفني مع شريك آخر يحل محله، لأن الطبيب منعه من المضي في التمثيل حرصا على قلبه الهش.

يستقدم المنتج له فنانا بريطانيا بديلا، لكن ضمير ستان لا يطاوعه أن يظهر على المسرح من دون رفيق دربه في ليلة الافتتاح، فيجري الاعتذار للجمهور وتعاد إليه قيمة التذاكر. عندما يسمع أولي بما أقدم عليه ستان من موقف نبيل، يقرر العودة للظهور معه على المسرح حتى ولو أدى ذلك إلى المخاطرة بحياته. بالفعل، يبذل أولي جهدا خارقا لأداء رقصتهما الشهيرة المرهقة، وينال الاثنان من تصفيق الجمهور الضخم ما يبهج قلبيهما.

في هذه الأيام الحبلى بالكوارث والصراعات، كم هو ممتع أن نتذكر أن الوفاء سمة نبيلة من سمات الإنسانية

​​لا يغفل الفيلم أيضا زيارة ستان وأولي لأيرلندا، التي تعوضهما عن بعض الإحباط وتصل بهما إلى ذروة البهجة، إذ يستقبلان استقبال الأبطال وهما على متن سفينة من قبل جمهور احتشد مرحباً بهما في الميناء.

صحيح أن ستان وأولي لم ينجحا في أن ينجزا في بريطانيا فيلمهما المنشود الذي يحلمان به عن قصة روبن هود، لكن فيلم "ستان وأولي" (2018) تضمن مشهدا متخيلا منه بعد أن أكدا استمراراهما معا بإخلاص في الفن والحياة.

اقرأ للكاتب أيضا: بين 'ست الدنيا' و'كفرناحوم'

أبدع ستيف كوغان وجون سي. رايلي في تجسيد شخصيتي ستان لوريل وأوليفر هاردي بكثير من الرهافة والدقة والإقناع، اعتمادا على سيناريو جيف بوب، مؤلف فيلم "فيلومينا" الرائع من قبل، والذي لعب فيه كوغان دور البطولة أمام الممثلة الكبيرة جودي دنش. صور فيلم "ستان وأولي" بمهارة لوري روز، وألف موسيقا الفيلم الرائعة الملحن رولف كنت.

قصة صداقة أشهر وأقدم ثنائي سينمائي أميركي ليست مضحكة إلا في دقائق محدودة، على النقيض من مشاهد ستان وأولي السينمائية والمسرحية التي تضمنها الفيلم، والتي حفلت بالطرافة والظرف والإضحاك. إنها قصة إنسانية مرهفة، حافلة بالمشاعر، تذهب بنا إلى كواليس الفن في ماض جميل لتجعل أعيننا تدمع بالضحك والبكاء معا.

في هذا الزمن المشؤوم وهذه الأيام الحبلى بالكوارث والصراعات، كم هو ممتع أن نتذكر أن الوفاء سمة نبيلة من سمات الإنسانية، وأنه إذا عاد الإخلاص يسود حياة البشر، فهو البلسم الوحيد الشافي من جرح الخيانة.

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.
الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.

على مدى ربع قرن، كان لي شرف الكتابة في جريدة "الحياة"، يوم كانت واجهة الصحافة العربية المطبوعة العابرة للدول والقارات. سواء جاءت نهايتها لأفول الجريدة الورقية كوسيلة توزيع للمعلومة والفكر، أو لأخطاء على درب إدارتها، فإن "الحياة" قد أسلمت الروح، ومعها النمط الذي اعتاد عليه جيلها في قراءة الخبر والتحليل والرأي.

بدا يومها أن الزمن الذي كانت كانت فيه نشرات الأخبار، الإذاعية والمرئية، تمهيداً لقراءة المادة المكتوبة الموسعة في جريدة الصباح قد ولّى، وأصبح بالإمكان، عبر الشاشات والشبكات المعلوماتية، الاستفاضة بالحصول على المضمون الموسّع والمعمّق دون تأخير.

ومع المزيد من التطور في التقنيات، أضحى جليًا بأن طلب المضمون وتلقيه ينتقل ليس من الطباعة إلى الشاشة وحسب، بل، في انقلاب في أدوار الخادم والمخدوم، من الكلمة المكتوبة إلى أشكال جديدة للكلمة المسموعة والمرئية، تأتي بدورها في ارتباط وثيق بالصورة البيانية أو التعبيرية، وتتولى مهمة التعليق عليها.

فيما يقترب من الإجماع، القناعة اليوم هي أن المضمون المصور، ولا سيما بالصيغة النشطة التي تحاكي مخيلة الاستيعاب، هو السبيل الأكثر فعالية للتواصل مع المتلقي. والانتقال المتحقق إليه ليس الأول على مدى التاريخ الإنساني. سبق هذا الانتقال حالات عديدة، منها ما أسفر عن تحولات كمّية كبيرة في انتشار المضمون، مثل الانتقال من المخطوط إلى المطبوع، ثم أن التراكم الكمي استحال بدوره تحولات نوعية عميقة. ومنها، قبلها، ما هو أساس الحضارة، أي الانتقال من الشفهي إلى المكتوب.

الانتقال الأخير جاء قابلاً للتحقق نتيجة التطور الكبير في تقنيات المعلومات طبعاً، وأثره البالغ على الإنتاج والتوزيع والاستهلاك في المجال المعرفي كما في سائر المجالات. المقارنة هنا غالباً ما تكون مع الثورة الصناعية. ربما هي كذلك في أكثر من مجتمع وسياق، غير أن الواقع الجديد في المحيط العربي يقترب ببعض أوجهه من أن يكون أشبه بأحوال ما بعد الكارثة الطبيعية منه بنتائج الثورة الصناعية.

البنى التي انهارت لم تكن الصحافة المطبوعة وحدها. فالمتضرر الأول كان الكتاب. نعم، ثمة تعارض في تحقق الفائدة والضرر بين دور النشر ومعها المؤلفين من جهة، والقارئ من جهة أخرى، إذ توفرّت له بين ما يشبه الليلة وضحاها مكتبات بكاملها، بصيغة رقمية أعيد إدخالها، أي عرضة لكمّ كبير من الأخطاء في مرحلة أولى، ثم بصيغة مصوّرة تحاكي الكتاب المطبوع بإخلاص، وصولاً إلى إقدام المكتبات الجامعية بنفسها على وضع مقتنياتها على الشبكة، ليصبح القارئ قادراً على الاطمئنان إلى الكتاب في سنده ومتنه ومصدره.

لكن في مقابل سعادة القارئ، تعرقلت نظم الموازنة بين الانتاج الفكري والتعويضات المالية للمؤلف والناشر. ومع غياب إمكانية الحصر والضبط وضمان حقوق النشر، خسر الكتاب صدارته كالوسيلة الأولى لصياغة الفكر. بالأمس كان جديد الكتب موضع اهتمام "خاصّة" فكرية وحدها لها إطار التداول. مع الواقع الجديد، مواد التداول وأطره أصبحت لا تحصى، وما كان للخاصة الفكرية لم يعد حصراً عليها. لمن هو منها أن يعترض في مفاضلة مستمرة بين الرفيع والوضيع، الراقي والمتردي، وهو قد فعل ولا يزال، ولكن اعتراضه ضائع في ضوضاء حقيقة غلبة "العامة" وتفضيلاتها وخياراتها، وإن استحالت ساحات متباعدة وفرق متناحرة، على "خاصّة" لم تعد كذلك، بل أمست واحدة من عدة. وفي هذه الفوضى، لم يجد الفكر العربي معادلة الاستقرار بعد، وإن كانت تشكيلات عدّة تتنافس للمنصب.

ربما أن "من زاوية أخرى" كانت محاولة صمود من جانب الكلمة المكتوبة. في هيئتها المقاوِمة هذه، الكلمة المكتوبة ليست مطبوعة على ورق، بل مقروءة على الشاشة، ويصاحبها ويعززها التفاعل، في موقع النشر نفسه ثم عبر منصات التواصل الاجتماعي، ولمقالات مختارة من خلال إبرازها ومناقشتها إذاعياً، أي بتحويلها إلى مادة مسموعة، ومن بعد كل هذا من خلال التقاطها وإعادة نشرها في مواقع أخرى.

ولكن، هل كان الأمر وحسب صمود يائس في وجه المحتَّم؟ الجواب يبدو بالإيجاب إذا كان الحكم على هذه المحاولة مبنياً على المعايير الكمية السائدة في التواصل الاجتماعي. أعداد المشاهدات منخفضة، لا ترتفع إلا في بعض المواضيع ذات الطبيعة الآنية أو السجالية. تعليقات يغلب عليها الحكم المتسرع أو الرأي المعلّب، وصولاً إلى الشتائم والابتذال. بل يكتفي العديد من "المعلّقين" بالاطلاع على الاقتباس الهادف إلى دعوتهم إلى قراءة المقال، دون قراءته، قبل التكرّم بالآراء القطعية الصارمة. ما فائدة هذا المجهود إذا كان لا يتعدى في نتيجته تكرار ما يحدث في طرف نائٍ من أطراف عالم التواصل الاجتماعي؟

غير أن هذه المعايير قد لا تكون هي الصالحة لاعتبار التجربة. بعض ما استوعبته هذه التجربة يندرج بالفعل في إطار السجال ومجاراة الأخبار، وبعضها الآخر ربما يحظى بطابع أقل ارتباطاً بالآني. ولكن المجموع، على اختلاف مكوناته، شكّل نقطة مرجعية لعدد غير قليل من المسؤولين عن صياغة القرار والرأي في مواقع متقدمة. قد يصعب إثبات هذا الزعم بالأرقام، ولكنه كان حقيقة ملموسة لي شخصياً ولغيري من الزملاء، بما ساهم بتحمل الضجيج في التعليقات.

غروب "من زاوية أخرى" هو بالتالي خسارة، وإن اقتضه حسابات المؤسسة، وإشعار إضافي بما تواجهه الكلمة المكتوبة الرصينة من تحديات. كل الشكر والاحترام للإداريين والمحررين المتعاقبين على المسؤولية عن صفحة "من زاوية أخرى" على مدى أعوامها، وكل المودة والتقدير لكافة الزملاء، إذ حافظوا على أهمية الرأي الملتزم باحترام كلام الآخر وعقل القارئ، في واقع فكري معاصر يطفح بالأهوائيات والعصبيات والاستعلائيات، ولا سيما منهم من قرأ مادة نقدية وجهتُها إليه وأجاب بما أثرى النقاش، وأخيراً لا آخراً بالتأكيد، فائق الامتنان والإجلال لكل قارئ قرأ، سواء اتفق مع الرأي المطروح أو اختلف معه.

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.