تظاهرة لمناصري حزب الشعوب الديمقراطي في اسطنبول
تظاهرة لمناصري حزب الشعوب الديمقراطي في اسطنبول

رستم محمود/

يروي رئيس إقليم كردستان العراق السابق مسعود البرزاني أن والده المُلا مصطفى البرزاني، الذي كان زعيما للحركة التحررية القومية الكردية في العراق، أنه أرسل أثناء سنوات التفاوض الطويلة مع الحكومة المركزية العراقية في أوائل السبعينيات عددا من الرسائل الخطية عبر البريد العادي إلى عدد من دول وقادة المنطقة الإقليميين، يشرح فيها المطالب والتطلعات والمواقف الكردي من تلك المفاوضات.

يُكمل البرزاني قائلا إن تلك الرسائل لاقت تفاعلات وأصداء مختلفة من قِبل هؤلاء القادة، خلا الرسالة التي أُرسلت للرئاسة التركية وقتئذ، فإنها أعيدت كما كانت بالضبط، دون أن يقبل مكتب رئيس الجمهورية التُركية حتى مجرد فتحها. فالدولة كانت ترفض بالمطلق الاعتراف بأي شيء كردي، حتى ولو كان شيئا رمزيا للغاية، مثل استلام رسالة عبر البريد العادي، وحتى لو كان هذا الطرف الكردي جزءا دستوريا وشرعيا من كيان ومواثيق دولته، مثلما كان كرد العراق في أوائل السبعينيات من القرن المنصرم.

لم يلق القوميون الأتراك من فريسة أمامهم سوى المحكومين الأكراد، يبتزون بهم الشرعيات الداخلية الأخرى في البلاد الجديدة

​​تشكل تلك الحادثة دلالة رمزية "فاقعة" على كم هائل من السلوكيات والسياسات والاستراتيجيات والأيديولوجيات التي خطتها وتبنتها وحاربت من أجلها الدولة التركية الحديثة، منذ نهاية الحرب العالمية الأولى وحتى الآن. ذلك الطيف من الأدوات التي كانت قائمة دوما على مناهضة أي مشروع أو ذات أو كيان ذو صبغة وتوجه كردي، سواء في الداخل التركي أو في دول الجوار، أو حتى في أية منطقة من العالم.

يبدو هذا التوجه التركي طوال القرن الماضي مخالفا للمسار التقليدي لـ"حركة التاريخ" المديدة التي جمعت الأكراد بالأتراك، الذي امتدت لقرون كثيرة. فالأكراد كانوا التكوين الحربي الأساسي للإمبراطورية العثمانية/التركية، وكانت إماراتهم الكثيرة ضمن هذه الإمبراطورية من أكثر مناطق حكم العثمانية استقرارا وثقة من قِبل السلطة المركزية.

اقرأ للكاتب أيضا: الانقلاب والثورة فيما جرى في إيران قبل أربعة عقود

فوق ذلك، فإن الأكراد كانوا القومية العثمانية الوحيدة التي حاربت إلى جانب الأتراك طوال الحرب العالمية الأولى، حيثُ حطمت هذه الإمبراطورية جراء انتفاض أبناء القوميات العثمانية غير التركية على العنصر التركي في هذه الدولة، خلا الأكراد. كذلك خاض الأكراد بشراسة حرب الاستقلال التركية (1919 ـ 1922)، التي تعتبر العنصر التأسيسي الأكثر عمقا في الذاكرة الجمعية التركية، تلك الحرب التي كونت الدولة التركية الحديثة.

♦♦♦

يكاد المثال التركي المناهض للأكراد أن يكون نموذجيا عن "داء ورثة الإمبراطوريات" تجاه حاضرهم. فتلك الوراثة لا تكون بـ"الجينات" والوقائع الجمعية فحسب، بل تكون في صورها الأشد استقطابية وراثة فيما يُمكن تسميته بـ"وعي الذات".

فبمقاربة نظيرة لما خطّه دافيد ريكاردو عن العلاقة بين الفقر وثقافة الفقر، التي تقول إن القضاء على الفقر أسهل وأقصر بكثير من القضاء على ثقافة الفقر، يُمكن قول شيء شبيه لذلك عن الإمبراطوريات وذاكرتها؛ فالإمبراطوريات يمكن لها أن تتحطم بسرعة فائقة ومفاجئة، لكن ديناميكيتها وفاعليتها في الذاكرة الجمعية تبقى متقدى لأجيال كثيرة، فيما بعد انهيار تلك الإمبراطورية بوقت مديد. تبقى النخب والمؤسسات والمواثق والحياة والمجال العام في تلك الكيانات متمسكة بذلك الماضي العتيد، لا تقبل بانتفائه وتبعثره.

في هذا السياق، يؤمّن الأكراد تلك الطاقة الضرورية للذات الجريحة التركية، فحكم النخب والذات الجمعية والمؤسسات التركية للجماعة الكردية، يمنح تلك النخب قدرة العيش في الماضي الإمبراطوري العتيد. فالتسلط على الجماعة القومية الكردية يُطرب الذات التي كانت يوما سلطة عليا على الجماعات الأرمنية والعربية والكردية والبوسنية والبلغارية...إلخ، يملأ غرورها الذي مُرّغ بأوحال الحرب العالمية الأولى، التي ترفض مغادرة تلك الذات، وتكرس يوما بعد آخر عبر جميع مؤسسات الدولة التركية الحديثة.

كذلك فإن الدولة التركية الحديثة تستمد شرعيتها من الخطابات والاستراتيجيات القومية، المبينة بالتقابل والتضاد من الشرعية الدينية/المذهبية، التي كانت راسخة وامتدت لقرون كثيرة.

لسوء طالع الأكراد، فإن المشاريع الكبرى لهذه الشرعية القومية الجديدة قد تحطمت بسرعة فائقة. فبنهاية الحرب العالمية الأولى اكتشف الآباء المؤسسون للعسكرية التركية كمية الوهم فيما كانوا يعلقونه من آمال على تعاضد عسكري بينهم وبين أتراك وسط آسيا. وبنهاية الحرب العالمية الثانية، تأكدت الأحزاب الأيديولوجية التركية استحالة بناء كيانات قومية/إمبراطورية، شبيهة وحليفة للكيان النازي الألماني.

لم يلق هؤلاء القوميون الأتراك من فريسة أمامهم سوى المحكومين الأكراد، يبتزون بهم الشرعيات الداخلية الأخرى في البلاد الجديدة، فكلما حاولت واحدة منها مناهضة هذه الهيمنة القومية التركية، صاروا يهددون بأن ذلك قد يدفع الأكراد لأن يحرزوا مساحة من الحرية، أو أن ينفصلوا ويقسموا البلاد؛ كان الأكراد العدو الوظيفي المثالي لتلك الأرجوحة القومية التي ما توقفت قط.

يكاد المثال التركي المناهض للأكراد أن يكون نموذجيا عن "داء ورثة الإمبراطوريات" تجاه حاضرهم

​​أخيرا، فإن الكيان التركي كان يجمع بحزم بين سمتين تحويليتين بالغتي القسوة. فالكيان التركي الحديث مبني في السياق الحربي، ذلك المنحى الذي يعتبره تشارلز تيلي ضروريا لبناء أية دولة راسخة. فتركيا الحديثة بنيت في لحظة كانت تحارب فيه روسيا وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا واليونان ودول البلقان في الآن عينه، خاضت حروبا ضخمة ومروعة في مواجهة جميع هؤلاء في الآن ذاته، تخللتها مجازر وإبادات جمعية وحرق للمدن، بطاقة تعبوية تتجاوز نصف سكان البلاد.

لكن فجأة، في لحظة قريبة جدا للحظة إعلان الجمهورية عام 1923، انتهت كل تلك الحروب دفعة واحدة، وصارت تركيا مع ذلك التوقف كيانا شرعيا واضح الجغرافية والملامح، ومعترفا به من كل هؤلاء الذين كانوا يحاربونها، فعاشت مخاض التحول الهوبسي، محولة حروبها الخارجية إلى حروب داخلية، لتمتص الطاقة الحربية الهائلة التي كانت تغلي بها، والتي كان يُمكن لها أن تطيح بالدولة نفسها ما لم يتم امتصاصها في مثل تلك الحروب الداخلية.

كانت أشكال التمرد والانتفاض الكردية أداة مناسبة لذلك تماما، استلهمتها واستخدمتها القوة العسكرية والعقلية السياسية التركية تماما.

اقرأ للكاتب أيضا: الجلوس قُبالة محمود عثمان

ين رسالة الراحل المُلا مصطفى البرزاني في سبعينيات القرن المنصرم، التي أعيدت بالضبط كما كانت، وبين راهن الاعتراف التركي الخجول بالأكراد كجماعة ثقافية ومحاربتهم كجماعة سياسية، سيلت الكثير من الدماء الكردية والتركية على حد سواء، محقت عشرات المدن ومُحت آلاف القرى، خيضت معارك أليمة وحدثت انقلابات وحشية.

بأسف بليغ، يبدو أن الكثير الكثير من مثل تلك الأشياء ستحدث إلى أن يعترف الكيان التركي الحديث بالأكراد كجماعة سياسية تأسيسية في هذه المنطقة، إلى جانب القوميات التركية والفارسية والعربية، لكن يبدو أن الشعوب لا تتعلم إلا من تجاربها، ورُبما من دمائها.

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟