الملك عبدالله
الملك عبدالله

مالك العثامنة/

بترتيبات مستعجلة بدأت بمكالمة هاتفية تلقيتها في بلجيكا مساء الخميس الماضي، لأجدني في طائرة تحط في مطار الملكة علياء في عمان ليلة السبت، ثم حاضرا مع نخبة متنوعة من المحللين والإعلاميين منتصف نهار الأحد في مكتب الملك الأردني عبدالله الثاني في قصر الحسينية.

في غرفة الضيافة التي التقينا فيها كمدعوين للقاء الملك، كان الزميل والصديق عريب الرنتاوي صاحب الملاحظة الأولى منذ اللحظة الأولى وقبل أن نلتقي الملك، حين جال بنظره فينا جميعا ليؤكد لنا حقيقة أننا جميعا فريق متنوع غير متجانس فكريا ولا سياسيا. ملاحظة عريب مهمة، ولا أعلم إن كانت تلك خطوة مقصودة من قبل مكتب الملك، أم أنها مصادفة (ذكية)، لكنها في المحصلة قيمة نوعية مضافة في حوار بالضرورة سيكون ثريا أمام ملك مملكة في مهب عواصف مركز أعاصير العالم السياسية، الشرق الأوسط.

الملك، استهل الحديث بعجالة مكثفة جدا، كانت كافية لقدح كثير من الأفكار عند الحاضرين، لينطلق الحوار الذي كان، وللإنصاف، حرا لم تقيّده إلا مساحة الوقت المحدد للمداخلات.

قامت المملكة الأردنية الهاشمية على افتراض وحدة الضفة الشرقية مع الضفة الغربية في دولة واحدة

​​هذا الوقت المحدد، ورغم أن الحوار مع الملك كان تفاعليا ولم يكن مداخلة وحسب، لكن ضيق تلك المساحات الزمنية حال بيننا وبين طرح كثير من تساؤلات وأفكار خصوصا في ملف النزاع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، وحجم المعلومات والتكهنات والافتراضات في سيناريوهات الحلول والاستحقاقات الإقليمية.

تحدث الملك "باطمئنان" و"ثقة" مدهشتين، وكان واقعيا في كشفه ملابسات الضغوط الإقليمية والدولية التي يتعرض لها الأردن في سياق تصورات الحلول الإقليمية، وما لم يقله الملك، وتوقف عنده بصمت متعمد، كان الأهم.

اقرأ للكاتب أيضا: كيرياليسون.. كيرياليسون

وفي المقابل، ما لم أقله أمام الملك، بسبب ضيق الوقت وازدحام الأفكار عندي وحولي، كان حريا أن أقوله، لأستزيد منه وهو المطلع على معطيات ما يدور في مراكز صناعة القرار، حول التباسات وملابسات القضية الفلسطينية ومآلاتها الوشيكة، وربما مآلاتها البعيدة، فلا أحد فينا يعرف الحقيقة في ظل تضارب كل السيناريوهات الدولية والإقليمية واختلاط الأوراق.

♦♦♦

قامت المملكة الأردنية الهاشمية على افتراض وحدة الضفة الشرقية مع الضفة الغربية في دولة واحدة وتم صياغة دستور عام 1946 على أساس تلك الوحدة.

عام 1948، قامت دولة إسرائيل، وكان اللجوء الفلسطيني إلى الضفة الغربية التي صارت عام 1950 جزءا من جغرافيا المملكة الأردنية الهاشمية.

عام 1967، وعلى مضض وبضغط ديماغوجي شعبوي قاده جمال عبد الناصر، دخل الأردن الحرب وخسر نصف جغرافيته بعد احتلال إسرائيل للضفة الغربية كاملة.

أصدر مجلس الأمن الدولي وهيئة الأمم المتحدة قرارات دولية متتابعة ترفض الاحتلال الإسرائيلي، ومن أهم القرارات الدولية كان قراري 242 المتعلق بالأرض، و338 المتعلق باللاجئين والعودة. وكانت المملكة الأردنية الهاشمية هي المعني الوحيد بالقرارين قانونيا وعلى أرض الواقع.

أثناء ذلك، كانت حركة فتح قد قامت في الكويت، وانضمت تحت لواء منظمة التحرير الفلسطينية التي كانت قريبة من قاهرة عبد الناصر وأجهزته ذات الخطاب الثوري والدعاية القومية؛ ومع الاقتراب من عقد السبعينيات كانت فصائل المنظمة المسلحة جيدا في المدن الأردنية تتموضع فيها وبتغذية مستمرة من القاهرة ودمشق والأنظمة "التقدمية" التي وصل أغلبها بانقلابات "البيان رقم واحد"، وتحاول تقويض الدولة الأردنية من أساساتها، ومن أهم ما استطاعت النجاح في تحقيقه هو سحب بساط السيادة السياسية والشرعية الأردنية على الضفة الغربية من خلال مفهوم "الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني"، والذي كان بطبيعة الحال منظمة التحرير الفلسطينية التي استطاعت بخطابها "الثوري" الساخن وميثاقها الوطني التحريري أن تجمع الأصوات حولها في ظل هيمنة ناصرية ثورية.

عام 1974، خلال القمة العربية في الرباط، حاصر المؤتمرون الملك الراحل الحسين بضغط غير مسبوق لسحب اعتراف وإقرار منه بأن المنظمة هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وهذا لم يمنع المنظمة من أن تقبل بأن يظل الأردن مديرا للضفة الغربية ومنفقا عليها تحت إدارة احتلال إسرائيلي.

هنا بدأت التشابكات ومشوار الالتباسات، والتفاصيل المغرقة في التفاصيل، فأنت أمام أرض محتلة من سيادة واضحة ومحددة، ثم مطالبة ضبابية من كيان ضبابي "ثوري" لا تعريف محدد له في القانون الدولي بأنه الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني، وفي عام 1987، وبعد مسيرة شد وجذب في عالم العلاقات السياسية المتضارب بين الراحلين الملك حسين وياسر عرفات، أعلن عرفات من الجزائر دولته الفلسطينية المستقلة بلا أرض ومن طرف واحد، وأعلن بمفردة فرنسية "كادوك" أن الميثاق الوطني الفلسطيني بخطته الثورية التحريرية "ملغي"، ليحظى كمرحلة أولى بقبول أميركي "بالحد الأدنى" في عهد إدارة الرئيس رونالد ريغان.

عام 1988، وبقرار مزاجي بحت، لا يخضع للدستور بل يخالفه وينقضه، وتحت وطأة غضب شديد، يخرج الملك حسين بخطاب متلفز ومفاجئ ليعلن فك الارتباط القانوني والإداري مع الضفة الغربية.

عام 1990 كانت حرب الخليج الأولى، التي تبعت حماقة صدام حسين باحتلال الكويت، وتداعيات حرب الخليج وضعت الجميع أمام خيارات أكثر ضيقا جعلهم أمام استحقاقات مؤتمر دولي للسلام في مدريد، برعاية دولية وضمن منظومة قانون دولي، أجبر الفلسطينيين أن يذهبوا للمؤتمر تحت مظلة قانونية تجمعهم بالوفد الأردني، كان وفدا يمثل المملكة الأردنية الهاشمية فعلا، وكانت منظمة التحرير الفلسطينية خارج المشهد لكن تديره بخيوطها وعلاقاتها المتشابكة وشرعيتها المفترضة للشعب الفلسطيني، كان ذلك كله عام 1991.

لا أطالب بوحدة الضفتين من جديد، بل بإعادة تفعيل الوحدة بعد المطالبة القانونية الأردنية لعودة الأراضي المحتلة

​​وبذات قواعد اللعبة التي تتقنها المنظمة لاستعادة نفوذها التي شعرت أنه منقوص ضمن مظلة وفد مشترك مع الأردن، دخلت بمحادثات سرية موازية في أوسلو، لتنسف كل قواعد مؤتمر مدريد باتفاقية أوسلو التي منحتها حكما ذاتيا بدأ في غزة وأريحا أولا، ثم انتهى إلى جيوب سلطوية لا ترتقي إلى مستوى دولة، ولا حتى بلدية مستقلة في جغرافيا محدودة وممزقة في الضفة الغربية.

اقرأ للكاتب أيضا: في انتظار غودو العربي: بطل من خارج الزمان

اليوم، نحن أمام سلطة منتهية الصلاحية غير قادرة على أن تكون شريكا في مصنع طوب متهالك لتكون شريكا في أي محادثات دولية جادة، وأمام جغرافيا هي في القانون الدولي أرض محتلة، ونحن أمام حل دولتين بات ساقطا وأسقط معه شرعية أوسلو نفسها، وحلّ دولة واحدة لا يمكن لإسرائيل أن تقبل به بصيغة دولة ديمقراطية ثنائية القومية المواطنة فيها متكاملة للجميع، وإلا انتهت بواقع الديموغرافيا إلى رئيس إسرائيلي اسمه "محمد" مثلا.

ما لم أقله للملك..

لماذا لا نعود للأصول؟

أوسلو شرعيا وواقعيا سقطت، والأردن فقد سيادته على نصف جغرافيته السياسية والدستورية عام 1967، ولا أعتقد أن القرارات الدولية تسقط بالتقادم خصوصا فيما يتعلق بالحقوق على الأرض والإنسان.

لا أطالب بوحدة الضفتين من جديد، بل بإعادة تفعيل الوحدة بعد المطالبة القانونية الأردنية لعودة الأراضي المحتلة، أو بعبارة الملك حسين وصوته كما كان يفضل أن يقول فيستفز في قوله ياسر عرفات "المُحتَل من أرضنا" ـ في إشارة إلى اعتباره أن الضفة الغربية هي جزء محتل من الأردن.

لا أتحدث عن كونفدرالية، فأركانها غير متوفرة ولن تتوفر أساسا، لكن تفعيل الفدرالية التي كانت موجودة بين ضفتي المملكة الأردنية الهاشمية، ضمن وحدة في دولة واحدة أحادية القومية والأهم، متكاملة في حقوق المواطنة للجميع على أسس دستورية.

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

Demonstrators hold signs as they protest the death of George Floyd at the hands of Minneapolis Police in Washington, D.C. on…
متظاهرون ضد مقتل مقتل جورج فلويد في العاصمة الأميركية واشنطن

كلما اندلعت أحداث عامة في الولايات المتحدة، شبيهة بالجريمة المُرتكبة بحق المواطن جورج فلويد، وما تبعها من تحركات داخلية منددة وصاخبة، تنبعث في منطقتنا أشكال من "النقد" البائس لـ"أميركا"، باعتبارها وحدة ثقافية وسياسية واقتصادية، وكونها بذاتها الكلية رمزا ومركزا وتعبيرا للـ"الشر" المطلق، الملبس بالكثير من أثواب البهاء الزائفة، حسب نقدنا البائس ذاك.

لا ينبع ذلك الفيض من الانفعالات البافلوفية السياسية والثقافية والإعلامية والاجتماعية التي نُصدرها كل مرة عن الولايات المتحدة، لا ينبع من مركز أو بنية أو جهاز أو سلطة بعينها، واعية وموجهة لتلك الانفعالات، بل يكاد ذلك التدفق، لشدة انتشاره وآليات تفاعله المعقدة، يكاد أن يكون بمثابة بنية تحتية صلبة للحياة العامة في منطقتنا، متفق عليها بين مختلف مستويات الفاعلين، السياسيين والثقافيين والمجتمعيين والأيديولوجيين، المجمعين بعمومهم، والجاهزين على الدوام، للجموح في نعت ونقد ووصف أميركا بكل سمات "الشر".

لا يتعلق الأمر بطبيعة الأشياء والأحداث والتوازنات في داخل الولايات المتحدة، حيث يمكن العثور على مئات الملاحظات والخطايا في ديناميكيات الحياة السياسية والثقافية والاجتماعية الأميركية، وحيث أن الأميركيين كانوا من أكثر المجتمعات العالمية نقدا ومعارضة لأشكال الخلل والهشاشة في أنظمتهم العامة، وشيدوا طوال القرنين الماضيين التجربة العالمية الأكثر ثراء وحيوية وقابلية لـ"تجاوز الذات"، والتي ما تزال تنادي كل يوم بأنه ثمة الكثير الكثير الذي ما يزال يجب فعله، بشهادة ردود الفعل الشعبية والثقافية والسياسية الأميركية على الحادثة الأخيرة.

إن نقدنا البائس لأميركا كان ذو فاعلية عالية لصالح القوى المجتمعية المحافظة في بلداننا، التي نفت بنقدها الاجتماعي الدؤوب لداخل الولايات المتحدة، أية قيمة مضافة لكل ما راكمه هذا المجتمع الأميركي طوال تاريخه الحديث

الحكاية في مكان آخر تماما، في أن أغلبية واضحة من مختلف القوى السلطوية والسياسية والثقافية والأيديولوجية، وحتى المجتمعية، في منطقتنا، التي تشمل العالم العربي مع تركيا وإيران وبعض المناطق الأخرى من العالم الإسلامي، قد رسمت وراكمت منذ أواسط ستينيات القرن المنصرم صورة "منمذجة" عن الولايات المتحدة في مخيلتها العامة، على اعتبارها الآخر والنقيض المطلق لذاتنا الجمعية، الثقافية والسياسية والمجتمعية، في هذه المنطقة. رسمتها كونها حاجة ملحة وحيوية، لازمة لتشييد الكثير من التفاصيل والتوازنات داخل بلداننا.

لعبت تلك الصورة المصطنعة عن الولايات المتحدة أدوارا شديدة الحيوية، تمكنت عبرها مختلف مستويات الفعل العام في مناطقتنا من استغلالها لصالح شرعنة وتمتين مواقعها ومصالحها، وصياغة سلطتها ونفوذها داخل مجتمعاتها وبلدانها. حتى أن الكثير منها ترسم صورتها وكيانها الداخلي بناء واعتبرا لمناقضة هذه الـ"أميركا" المتخيلة.

♦♦♦

ثمة أربعة مستويات واضحة المعالم في ذلك الاتجاه، يتضح في كل واحدة منها آلية الفاعلية والانتاجية الداخلية لذلك التهافت على نقد أميركا.

سياسيا، يسعى ذلك النقد لأن يقول إن التجربة السياسية الداخلية في الولايات المتحدة مجرد "كذبة"، وإنه على العكس مما يُروج عن الحياة السياسية في الولايات المتحدة، التي تجمع رزمة من القيم والأعراف والمبادئ الحداثوية، فإن الحياة السياسية الداخلية فيها شديدة القتامة.

يسعى هؤلاء المروجون لقول ما هو أبعد من هذه المباشرة بكثير، للقول إنه طالما أميركا هي كذلك، فإن مجموع القيم السياسية التي ترفعها عن حياتها السياسية، إنما هي بحد ذاتها "مجرد كذبة". وبالتالي فإن الديمقراطية والحريات العامة ومنظومة حقوق الإنسان وسيادة القانون وفصل السلطات...إلخ، هي فقط مجموعة من الأكاذيب. وبالتالي، فأنه على مجتمعات منطقتنا أن لا توالي أو تثق بتلك القيم السياسية، وبالتالي أن تتنازل عن أية مطالب في ذلك الاتجاه.

لم تعش القوى والشخصيات والدعوات المطلبية بتلك المبادئ والقيم في منقطتنا ابتزازا وتعنيفا وزجرا، طوال تجربتها المريرة مع السلطات الشمولية، مثلما عاشته من قهر ناتج عن الربط المحكم الذي فعلته السلطات الشمولية بين "أميركا الشريرة" وبين مطالب تلك القوى والشخصيات، وبالتالي شرعنت وفتحت الباب أمام محقهم مطلقا.

أيديولوجيا، كانت مختلف القوى الحزبية/السياسية في منطقتنا بحاجة ماسة لاختلاق تلك الصورة الوظيفية عن الولايات المتحدة. لأنها كانت ترفع عنهم عبئا ثقيلا، متمثلا بأن حقيقة الفعل السياسي والحزبي يجب أن يتمثل أولا ودائما في النضال الحقيقي واليومي والدؤوب في الداخل، في الاعتراف بصراعات القوى السياسية وتناقضات البنى الاجتماعية في داخل البلاد، وبالتالي وجوب الكفاح الدائم في سبيل تفكيك وإعادة تركيب كل ذلك.

روايتنا المجتمعية عن أميركا تدعونا إلى وليمة فخمة تدعونا للذكورية والبطريركية والعشائرية وقمع الجسد والمحافظة المناطقية

في ظلال عقود طويلة من الكساد السياسي الطويل، في دول ذات أنظمة شمولية مطلقة، كانت الصورة المصطنعة عن أميركا ترفع عن كاهل القوى الأيديولوجية كل ذلك الواجب الثقيل، تُجبر خاطرهم بأنه ثمة نضال ما أكثر وجاهة وفاعلية وأخلاقية من الاعتراف بحقائق الداخل والنضال في سبيل الدفاع عن ضعفائه ومهمشيه، يتمثل في "مواجهة أميركا"، وعلى مستوى العالم.

أنتجت الأحزاب والتيارات الشيوعية والقومية والدينية والمذهبية والإقليمية في منطقتنا ملايين الأطنان من الكتابات السياسية والأيديولوجية التقريعية بحق أميركا، كانت ألف ضعف أو أكثر مما أنتجته حول الفظاعات الموجودة والمتراكمة في دواخل بلدانها، حيث مهمتها الجوهرية، وربما الوحيدة. وحيث أنه يبدو واضحا بأن الفعل الأول كان اصطناعا وتشاغلا سخيفا، لتغطية سوء الجدارة الأخلاقية والوجدانية والتنظيمية والمعرفية والسياسية لممارسة الفعل الثاني.

ثقافيا، كان نقدنا لأميركا يقوم على دعامتين متكاتفتين، تقوم كل واحدة منها بإنتاج داخلي زاخر في بلدننا.

تقول الدعامة الأولى: أن أنماط العنف والمحق والإبادة والفاشية والعنصرية إنما منتجات التاريخ الأميركي فحسب، وهي ما تزال أساسية وجوهرية في الحياة العامة في ذلك البلد.

بغض النظر عن مدى صحة ذلك، وعن الجزء المغيب من تلك الحكاية، المتمثل بملحمة النضالات الأميركية النبيلة في الاعتراف وتجاوز كل ذلك، فإن هذه الدعامة إنما تستميت في سبيل رفع كل تلك السمات عنا نحن، عن ماضينا حاضرنا. بالقول بأن كل ذلك إنما هو "حقيقة" أميركا، التي تريد أن تلبسها لنا نحن زورا!

شُيدت أواصر تلك الدعامة لتفعل شيئا كثير الحيوية في كل تفصيل من علاقتنا من ذواتنا وتاريخينا وهوياتنا الجمعية، لتقول بصراحة وفجاجة إن الإبادة الأرمنية المريعة لم تجرِ، وإن اليونانيين لم يتم ترحيلهم من مدنهم ومناطقهم، وإن المحق السياسي والرمزي الذي يطال الأكراد مجرد كذبة كبرى، وإن تاريخ النبذ والكراهية والفوقية بين جماعاتنا الأهلية مجرد حكاية مختلقة، وإن الذكورية والمركزية والعنف ليست من بواطن أدبيات ومنتجات ثقافتنا السياسية والمجتمعية والأيديولوجية. أن تقول الكثير من مثل ذلك، مما يمنحنا موقع البراءة والمظلومية، وأن تدفع جميع تلك السمات، لأن تكون فقط هوية الآخر فحسب، أميركا.

تذهب الدعامة الثقافية الأخرى في نقدنا لأميركا للقول بأن جوهر الصراع في الداخل الأميركي عرقي وهوياتي، قائم على معادة وتحطيم القوى المجتمعية والهوياتية الأكثر ضعفا وهشاشة في الداخل الأميركي، الذين يتنوعون بين السكان الأصليين أو السود أو المسلمين، أو حتى الإسبان والآسيويين.

يسعى ذلك الإنتاج الثقافي لصناعة أواصر زائفة بيننا وبين تلك الجماعات الأميركية، بأسلوب مليء بالعرقية الثقافية. يقول بوضوح بأن ما يجمعنا مع أبناء تلك الجماعات الأميركية هو التعرض لظلم ذوي البشرة البيضاء! وبالتالي القول بوضوح أكثر بأن خلافاتنا السياسية وتبايناتنا الثقافية مع الولايات المتحدة غير متأتية من كوننا بدورنا نتمركز حول بعض المواقف والقيم والخيارات غير المناسبة للتكاملية العالمية، بل لأن أميركا التي تمثلها "الأغلبية البيضاء" هي كذلك مع كل أحد، بما في ذلك أبناء الجماعات العرقية في الداخل الأميركي. لذا فإن المشكلة هي في البنية التأسيسية لهذه الـ"أميركا"، وليست أبدا فينا نحن.

أيديولوجيا، كانت مختلف القوى الحزبية/السياسية في منطقتنا بحاجة ماسة لاختلاق تلك الصورة الوظيفية عن الولايات المتحدة

أخيرا، فإن نقدنا البائس لأميركا كان ذو فاعلية عالية لصالح القوى المجتمعية المحافظة في بلداننا، التي نفت بنقدها الاجتماعي الدؤوب لداخل الولايات المتحدة، أية قيمة مضافة لكل ما راكمه هذا المجتمع الأميركي طوال تاريخه الحديث، ذلك الكل الذي لم نتمكن من تحقيق البعض القليل منه.

كانت الحكاية/الدعاية المجتمعية الكبرى التي بحوزتنا عن المجتمع الأميركي تحاجج بأن كامل الخيارات الليبرالية والحريات الشخصية وسلطة الفرد على سلوكه وحقه الكامل في جسده والمساواة الجندرية والحق المطلق في حرية التعبير، بأنها بكاملها لم تغير من حقيقة العنف والكراهية والاستغلال والعنصرية التي تغطي المشهد المجتمعي الأميركي، حسب تلك الحكاية/الدعاية التي لنا عن أميركا.

دون أي سعي لدحض شبه المطلق لتلك الرواية المجتمعية في مخيلتنا العامة عن أميركا، وهو شيء سهل المنال، فإن هذه الرواية إنما تتقصد القول بأن كل تلك القيم والمناقب التي جربتها وتجربها المجتمعات الأميركية، من ليبرالية وحريات شخصية ومساواة في الحقوق الجندرية...إلخ، إنما بحد ذاتها مجرد هباء، بدليل أن المجتمع الأميركي أباحها كلها، ولم يستحصل إلا على مزيد من العنف والاستغلال والكراهية. وبالتي، فإن روايتنا المجتمعية عن أميركا تدعونا إلى وليمة فخمة تجمع كل ما يناقض تلك القيم المجتمعية، تدعونا للذكورية والبطريركية والعشائرية وقمع الجسد والمحافظة المناطقية...إلخ، جنان القوى المحافظة، التي تمهد عبرها لكل أشكال نكوصنا وتخلفنا عن حركة التاريخ والحياة.

الدافع الأعظم لما يصدر عن مجتمعاتنا ودولنا وقوانا السياسية وتياراتنا الثقافية والأيديولوجية من نقد وزجر لـ"أميركا"، أثناء التفاعل مع الأحداث الداخلية في ذلك البلد، لا يصدر عن نية ووعي بالهوية العالمية لنا، وبالتالي حقنا المطلق في تناول كل تفصيل لأي حدث، أينما كان يجري على صخرة العالم، بل هو الحاجة المُلحة للكثير من قوانا الفاعلة لمثل ذلك النقد الزاجر، وهذا مصدر بؤسها.