البابا فرانسيس خلال زيارته إلى الإمارات
البابا فرانسيس خلال زيارته إلى الإمارات

نيرڤانا محمود/

تجهّم وجه مدرس الدين عندما قرأ اسمي وقال: "اسمك خواجاتي، ألم يجد والديك اسما عربيا يعجبهما؟".

ثم اكفهّر وجهه أكثر فأكثر عندما علم أني كنت أدرس في مدرسة راهبات قبل انتقالي إلى المدرسة الحكومية. لاحقا، فهمت تدريجيا كيف كان يكره مدرسي مدارس الراهبات، بل ويصفهم بأنهم أدوات "شيطانية" استخدمها المستعمر لمحاربة الإسلام. كان يصف خريجي هذه المدارس بشبه الضالين الذين يتقبلون الصليب ولا يروون فيه غضاضة.

آن الأوان لزرع كل هذه المبادئ في قلوب أطفالنا وشبابنا، فهؤلاء هم سلاحنا في مواجهه أيديولوجيات الكره والفتنة والتطرف

​​لم يقتصر كرهه على مدارس الراهبات، بل طال مستشفياتهن، كالمستشفيين اليوناني والإيطالي في القاهرة ويعتبر هذه المستشفيات، وسائل لتقبل الصلبان، "فالمريض يدخل للعلاج ويخرج "متقبلا لعقيدة الصلب" من وجه نظره.

كان التصادم بيني وبينه شبه دائم، حتى أطلق عليّ لقب "المجادلة"، لأني ببساطه كنت أرفض نظريته بأن تقبل الآخر يعكس ضعفا في العقيدة.

تذكرت السجالات مع مدرسي، ومع آخرين من الإسلاميين لاحقا، عند متابعتي زيارة البابا فرانسيس، بابا الفاتيكان إلى دولة الإمارات المتحدة.

اقرأ للكاتبة أيضا: بين السيسي وماكرون

لن يقدر أحد قيمة وأهمية ورمزية هذه الزيارة أكثر من هؤلاء الذين اطلعوا على فكر التطرف وعقيده الكره. فمن ذاق طعم الغلو والتصلب، سيقدر أكثر من غيره المعاني نبيله كالتسامح والأخوة الإنسانية.

لم أفهم تحامل المدرس على الديانة المسيحية، وخصوصا المذهب الكاثوليكي، إلا بعد سنين عدة، بعد أن أمعنت في دراسة أيديولوجيا الإسلامويين وطريقة تفكيرهم.

للأسف، لم يكن مدرس الدين في مدرستي حالة استثنائية أو منفردة، بل يوجد آلاف مثله يعيشون بيننا وينشرون سمّهم في المجتمع.

يقسم الإسلامويون المسيحيين إلى قسمين: الأول، مسيحيو المشرق، وينظرون إليهم "كأهل الذمة" الذين يجب أن يخضعوا للأغلبية المسلمة "وهم صاغرون".

أما الثاني، المسيحيون الغربيون، الذين يراهم الإسلامويون أعداء ومنافسين، يعملون على تقويض الإسلام، ليس فقط عبر وقف ومنع انتشار الإسلام في الخارج، بل من خلال تنصير مسلمي الشرق الأوسط، أو على الأقل إضعاف إيمانهم العقيدة.

يستشهد الإسلامويون بتاريخ طويل من الصراع بين خلفاء المسلمين وحكامهم وبين الممالك المسيحية الأوروبية، لتبرير كرههم لمسيحيي الغرب وخصوصا الكاثوليك منهم.

فمثلا، يروي الإسلامويون، تاريخ الأندلس، ليس فقط بطريقه أيديولوجية دينية، بل يعدلون في روايات التاريخ لتنطبق مع كرههم للكاثوليكية.

يصور الإسلاميون، كالدكتور محمد عمارة، شعب الأندلس قبل الفتح الإسلامي بأنهم كانوا "مسيحيين موحدين" على عكس حكامهم الظالمين، ثم يصورون سقوط الأندلس أيضا كانتصار "لعقيدة الثالوث" على المسيحيين الموحدين الذين اندثروا بعد انتصار الكاثوليكية.

قراءة الإسلاميين المغلوطة لتاريخ المسيحية تهدف إلى خلق انطباع أن أهل الكتاب الحقيقيين، الذي دعانا الله للتسامح والتعايش بينهم، قد اندثروا وأن الأجيال الجديدة من المسيحيين هم كفار من عبدة الثالوث، يبغون تنصير المسلمين.

يصبّ هذا التصور في عقيدة الإسلامويين، الذين يسعون بكل الطرق لتعزيز الإحساس لدى المسلمين أنهم ضحايا ومستهدفين.

من المهم فهم هذا البعد التاريخي لندرك لماذا تهكم البعض من أعداء دولة الإمارات على زيارة البابا فرانسيس لأبوظبي. ولماذا صور البعض من حضر من المسلمين قداس البابا على أنهم مرتدون عن الإسلام.

إليكم تغريدتين يلخصون الخلاف بين الإسلاموية والإسلام المعتدل:

فبينما غرد الكاتب الإماراتي عبد الله النعيمي على تويتر وقال: "بعد انتهاء هذا القداس.. لن نرتد عن الإسلام.. ولن نعتنق دينا آخر.. كل ما في الأمر.. أننا سنكون قد تخلصنا من عقدة طويلة لازمتنا تجاه الأديان الأخرى، وطقوسها التعبدية.. وهي عقدة لازمت المسيحيين أيضا في القرون الوسطى.. لكنهم سبقونا في التخلص منها".

​​

غرد الإعلامي القطري جابر الحرمي منتقدا المواطن الإماراتي الذي رفع طفله ليباركها البابا فرنسيس أثناء القداس في أبوظبي.

​​يلخص الفرق بين التغريدتين الصراع الحالي في المنطقة، فبينما يمعن كثيرون في تسليط الضوء على الجانب السياسي لزيارة البابا لدولة الإمارات، ويصورنها على أنها مجرد فقاعة إعلامية، تؤكد التغريدتين أن الجانب الديني للزيارة هو الأهم والأقوى.

دول الخليج، وعلى عكس العديد من الدول العربية الأخرى، كمصر ولبنان والعراق، ليس لها تاريخ من الصراع المذهبي أو الفتنة الطائفية. ولذلك، فقد استبشرت خيرا بزيارة البابا فرانسيس للإمارات وتوقيع وثيقة الأخوة الإنسانية في أبوظبي.

عام التسامح بدأ في الإمارات ولكننا نحتاجه الآن في مصر

​​يتخوف البعض من عدم القدرة على تفعيل هذه الوثيقة وتطبيقها على أرض الواقع، كما كتب فارس خشان، ولكن علينا أن نبدأ بأنفسنا. بتوقيعه على وثيقة الأخوة الإنسانية، من المفترض أن يلتزم شيخ الأزهر بتطبيق كل الركائز الأساسية لهذه الوثيقة ـ من قيم السلام وثقافة التسامح، ومفهوم المواطنة ومواجهه الإرهاب ـ في المنهج التعليمي، ليس فقط في جامعه الأزهر، بل في كل مدارس وجامعات مصر.

اقرأ للكاتبة أيضا: سوريا والعودة العربية

آن الأوان لزرع كل هذه المبادئ في قلوب أطفالنا وشبابنا، فهؤلاء هم سلاحنا في مواجهه أيديولوجيات الكره والفتنة والتطرف.

عام التسامح بدأ في الإمارات ولكننا نحتاجه الآن في مصر. فالطريق الوحيد لمواجهة طيور الظلام الذين يصدحون بالكره ليلا نهارا، هو نشر ثقافة التسامح ونزع الإسلاموية من وجدان مجتمعاتنا. إن استطعنا أن نحقق هذا الهدف في مصر، فلن يصمد محور الظلام في البلدان العربية الأخرى.

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.
الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.

على مدى ربع قرن، كان لي شرف الكتابة في جريدة "الحياة"، يوم كانت واجهة الصحافة العربية المطبوعة العابرة للدول والقارات. سواء جاءت نهايتها لأفول الجريدة الورقية كوسيلة توزيع للمعلومة والفكر، أو لأخطاء على درب إدارتها، فإن "الحياة" قد أسلمت الروح، ومعها النمط الذي اعتاد عليه جيلها في قراءة الخبر والتحليل والرأي.

بدا يومها أن الزمن الذي كانت كانت فيه نشرات الأخبار، الإذاعية والمرئية، تمهيداً لقراءة المادة المكتوبة الموسعة في جريدة الصباح قد ولّى، وأصبح بالإمكان، عبر الشاشات والشبكات المعلوماتية، الاستفاضة بالحصول على المضمون الموسّع والمعمّق دون تأخير.

ومع المزيد من التطور في التقنيات، أضحى جليًا بأن طلب المضمون وتلقيه ينتقل ليس من الطباعة إلى الشاشة وحسب، بل، في انقلاب في أدوار الخادم والمخدوم، من الكلمة المكتوبة إلى أشكال جديدة للكلمة المسموعة والمرئية، تأتي بدورها في ارتباط وثيق بالصورة البيانية أو التعبيرية، وتتولى مهمة التعليق عليها.

فيما يقترب من الإجماع، القناعة اليوم هي أن المضمون المصور، ولا سيما بالصيغة النشطة التي تحاكي مخيلة الاستيعاب، هو السبيل الأكثر فعالية للتواصل مع المتلقي. والانتقال المتحقق إليه ليس الأول على مدى التاريخ الإنساني. سبق هذا الانتقال حالات عديدة، منها ما أسفر عن تحولات كمّية كبيرة في انتشار المضمون، مثل الانتقال من المخطوط إلى المطبوع، ثم أن التراكم الكمي استحال بدوره تحولات نوعية عميقة. ومنها، قبلها، ما هو أساس الحضارة، أي الانتقال من الشفهي إلى المكتوب.

الانتقال الأخير جاء قابلاً للتحقق نتيجة التطور الكبير في تقنيات المعلومات طبعاً، وأثره البالغ على الإنتاج والتوزيع والاستهلاك في المجال المعرفي كما في سائر المجالات. المقارنة هنا غالباً ما تكون مع الثورة الصناعية. ربما هي كذلك في أكثر من مجتمع وسياق، غير أن الواقع الجديد في المحيط العربي يقترب ببعض أوجهه من أن يكون أشبه بأحوال ما بعد الكارثة الطبيعية منه بنتائج الثورة الصناعية.

البنى التي انهارت لم تكن الصحافة المطبوعة وحدها. فالمتضرر الأول كان الكتاب. نعم، ثمة تعارض في تحقق الفائدة والضرر بين دور النشر ومعها المؤلفين من جهة، والقارئ من جهة أخرى، إذ توفرّت له بين ما يشبه الليلة وضحاها مكتبات بكاملها، بصيغة رقمية أعيد إدخالها، أي عرضة لكمّ كبير من الأخطاء في مرحلة أولى، ثم بصيغة مصوّرة تحاكي الكتاب المطبوع بإخلاص، وصولاً إلى إقدام المكتبات الجامعية بنفسها على وضع مقتنياتها على الشبكة، ليصبح القارئ قادراً على الاطمئنان إلى الكتاب في سنده ومتنه ومصدره.

لكن في مقابل سعادة القارئ، تعرقلت نظم الموازنة بين الانتاج الفكري والتعويضات المالية للمؤلف والناشر. ومع غياب إمكانية الحصر والضبط وضمان حقوق النشر، خسر الكتاب صدارته كالوسيلة الأولى لصياغة الفكر. بالأمس كان جديد الكتب موضع اهتمام "خاصّة" فكرية وحدها لها إطار التداول. مع الواقع الجديد، مواد التداول وأطره أصبحت لا تحصى، وما كان للخاصة الفكرية لم يعد حصراً عليها. لمن هو منها أن يعترض في مفاضلة مستمرة بين الرفيع والوضيع، الراقي والمتردي، وهو قد فعل ولا يزال، ولكن اعتراضه ضائع في ضوضاء حقيقة غلبة "العامة" وتفضيلاتها وخياراتها، وإن استحالت ساحات متباعدة وفرق متناحرة، على "خاصّة" لم تعد كذلك، بل أمست واحدة من عدة. وفي هذه الفوضى، لم يجد الفكر العربي معادلة الاستقرار بعد، وإن كانت تشكيلات عدّة تتنافس للمنصب.

ربما أن "من زاوية أخرى" كانت محاولة صمود من جانب الكلمة المكتوبة. في هيئتها المقاوِمة هذه، الكلمة المكتوبة ليست مطبوعة على ورق، بل مقروءة على الشاشة، ويصاحبها ويعززها التفاعل، في موقع النشر نفسه ثم عبر منصات التواصل الاجتماعي، ولمقالات مختارة من خلال إبرازها ومناقشتها إذاعياً، أي بتحويلها إلى مادة مسموعة، ومن بعد كل هذا من خلال التقاطها وإعادة نشرها في مواقع أخرى.

ولكن، هل كان الأمر وحسب صمود يائس في وجه المحتَّم؟ الجواب يبدو بالإيجاب إذا كان الحكم على هذه المحاولة مبنياً على المعايير الكمية السائدة في التواصل الاجتماعي. أعداد المشاهدات منخفضة، لا ترتفع إلا في بعض المواضيع ذات الطبيعة الآنية أو السجالية. تعليقات يغلب عليها الحكم المتسرع أو الرأي المعلّب، وصولاً إلى الشتائم والابتذال. بل يكتفي العديد من "المعلّقين" بالاطلاع على الاقتباس الهادف إلى دعوتهم إلى قراءة المقال، دون قراءته، قبل التكرّم بالآراء القطعية الصارمة. ما فائدة هذا المجهود إذا كان لا يتعدى في نتيجته تكرار ما يحدث في طرف نائٍ من أطراف عالم التواصل الاجتماعي؟

غير أن هذه المعايير قد لا تكون هي الصالحة لاعتبار التجربة. بعض ما استوعبته هذه التجربة يندرج بالفعل في إطار السجال ومجاراة الأخبار، وبعضها الآخر ربما يحظى بطابع أقل ارتباطاً بالآني. ولكن المجموع، على اختلاف مكوناته، شكّل نقطة مرجعية لعدد غير قليل من المسؤولين عن صياغة القرار والرأي في مواقع متقدمة. قد يصعب إثبات هذا الزعم بالأرقام، ولكنه كان حقيقة ملموسة لي شخصياً ولغيري من الزملاء، بما ساهم بتحمل الضجيج في التعليقات.

غروب "من زاوية أخرى" هو بالتالي خسارة، وإن اقتضه حسابات المؤسسة، وإشعار إضافي بما تواجهه الكلمة المكتوبة الرصينة من تحديات. كل الشكر والاحترام للإداريين والمحررين المتعاقبين على المسؤولية عن صفحة "من زاوية أخرى" على مدى أعوامها، وكل المودة والتقدير لكافة الزملاء، إذ حافظوا على أهمية الرأي الملتزم باحترام كلام الآخر وعقل القارئ، في واقع فكري معاصر يطفح بالأهوائيات والعصبيات والاستعلائيات، ولا سيما منهم من قرأ مادة نقدية وجهتُها إليه وأجاب بما أثرى النقاش، وأخيراً لا آخراً بالتأكيد، فائق الامتنان والإجلال لكل قارئ قرأ، سواء اتفق مع الرأي المطروح أو اختلف معه.

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.