متظاهر في بيروت خلال يرفض تكرار تجربة الحرب الأهلية عقب اشتباكات ذات طابع مذهبي عام 2012
متظاهر في بيروت خلال يرفض تكرار تجربة الحرب الأهلية عقب اشتباكات ذات طابع مذهبي عام 2012

حسين عبدالحسين/

يستحيل أن ينجح بعض العرب، ممن يغرقون في جهل مدقع، في تقديم أفضل من الطغاة الذين قدموهم على مدى القرن الماضي. ويستحيل أن ينجح هؤلاء العرب في إقامة حكومات تتمتع بأدنى معايير النزاهة والكفاءة اللازمة، بل إن أكثر ما يقوى عليه هؤلاء العرب هو انقلابات عسكرية، الأخ على أخيه، والابن على أبيه.

أقصى ما يمكن لهؤلاء العرب تقديمه هو أجهزة استخبارات تحصي على الناس أنفاسهم لحماية الحاكم من غضب المحكومين. وأقصى ما يمكن لهم تقديمه هو هجاء بعضهم البعض عبر الفضائيات، ورمي بعضهم البعض بالأحذية والنعال.

هي عصور ظلام يعيشها العرب، ويتنصلون من مسؤوليتهم عن شقائهم بإلقائها على أميركا وإسرائيل وإيران

​​لن تقوم لدول هؤلاء العرب قائمة ما داموا يتنصلون من مسؤولية شقائهم، ويلقونها على الإمبريالية وإسرائيل وإيران وغيرها.

ولن تقوم قائمة لهؤلاء العرب لمعاناتهم من بلادة فكرية، ممزوجة بكسل ثقافي، وثرثرة بلا علم، وانعدام القراءة، التي يستعيض عنها غالبية العرب بمتابعة برامج الشتائم عبر الفضائيات، ويتبادلون رسائل واتساب، فيما هم "يشيّشون" (تدخين النرجيلة) لساعات وساعات.

اقرأ للكاتب أيضا: أميركا ونفط العالم

الأسبوع الماضي، استغرقني وقت وأنا أجري أبحاثا عن سوق الطاقة وأهميتها. تصفحت بيانات وزارة الطاقة الأميركية، وإنتاج الطاقة في دول العالم وصادراتها، وطالعت عقود النفط والمناقصات الحكومية المتوفرة حول العالم. ثم خلصت إلى نتيجة مفادها أن الكسل الفكري لدى العرب يجعلهم ضحية سهلة لدعاية ديكتاتوريات العالم، مثل روسيا، التي تحاول الإيحاء لهم أن لدى واشنطن خططا خبيثة للاستيلاء على مصادر الطاقة، وأن هذه الخطط تقف خلف موقف الولايات المتحدة المعادي لرئيس فنزويلا المطعون بشرعيته نيكولاس مادورو.

لكن خمسة في المئة من واردات أميركا السنوية للنفط تأتي من مادورو، الذي تشكل مبيعاته إلى أميركا 40 في المئة من عائداته، وهو ما يعني أنه إن كان النفط الفنزويلي هدف أميركا، فالأفضل بقاء مادورو رئيسا، إذ هو يضمن تدفقه إلى الشواطئ الأميركية. أما معارضة أميركا لمادورو فسببها سوء إدارته للبلاد بشكل بلغ التضخم فيها أكثر من 15 ألف في المئة، وهو ما ينذر بكارثة سكانية لا بد من أن ترسل مئات آلاف اللاجئين إلى أميركا، وهو ما يعني أن مصلحة الولايات المتحدة تكمن في استقرار فنزويلا، لا في الحصول على نفطها، الذي تحصل عليها أصلا مع مادورو.

والحقيقة هي أن الطاقة حول العالم خسرت قيمتها الاستراتيجية منذ قرابة عقدين من الزمن أو أكثر، يوم تحولت إلى سلعة يمكن شراؤها في السوق العالمية، وعندما صارت الحكومات المنتجة والمصدرة للنفط تتسابق لبيع نفطها دوليا طمعا بعائداته.

ولزيادة العائدات، تحتاج الحكومات إلى شركات نفطية متفوقة تقنيا يمكنها الإنتاج بفاعلية أكبر، وهو ما لا تملكه شركات نفط حكومات روسيا والصين وإيران، بل تملكه شركات الطاقة الخاصة في أميركا وأوروبا، وهذه بدورها، لا تبحث عن أي مصادر نفط، بل تسعى لإنتاجه في دول مستقرة أمنيا، وهو ما يخفض سعر الإنتاج ويرفع من الأرباح، والدليل أن شركة إكسون الأميركية العملاقة تخلت عن عقد فازت به، إثر مناقصة حكومية، لإنتاج نفط حقل مجنون العراقي، بسبب تعثر الأمن والنسبة المرتفعة من العائدات التي طالبت بها بغداد.

أقصى ما يمكن لهؤلاء تقديمه هو أجهزة استخبارات تحصي على الناس أنفاسهم لحماية الحاكم

​​كل هذه التفاصيل لا تعني غالبية العرب ممن قرأوا مقالي الأسبوع الماضي، وهم بدلا من أن يحاولوا تفنيد مطالعتي بالاستناد إلى ربط مختلف للأمور أو تقديم معلومات مختلفة، انهمكوا بالتعليق على اسمي: واحد يكتب أن اسم عبدالحسين كفر لأننا كلنا عبيد لله وحده، وآخر يكتب أن اسمي مستعار، إذ يستحيل على من يحمل اسما كاسمي أن يخرج عن تفكير الجماعة الشيعية التي تقودها إيران وتجبرها على كراهية أميركا. وذهبت فئة إلى تأليف أسماء تصرّ أنها اسمي الحقيقي، منها جوني أدامز، ويزيد ابن زياد، وحزقيل بن أليعازر وما إلى هناك من تفاهات لا تغني ولا تسمن.

وبين هبل الفتاوى الدينية حول اسمي والإصرار أن الاسم لا يتناسق مع رأيه، اتهامات بالعمالة لأميركا، وبعبادة الدولار، وشتائم مباشرة.

اقرأ للكاتب أيضا: لفنزويلا… تمنياتنا بانتصار الإمبريالية

من أكثر من عشرات تعليقات للقراء، لم أقع على تعليق واحد يستأهل النقاش، أو يدفعني لإعادة النظر في خلاصتي، أو تحسينها. كما لم يقترح أحدهم كتابا، أو بحثا، أو مقالة تؤيد أو تعاكس ما قلته. فقط تفاهات واتهامات وتخوين. وهذا النوع من النقاش السخيف ليس على مواقع التواصل الاجتماعي وحدها، بل هو نفسه في عدد من جامعات العرب، وعلى فضائياتهم، وحتى في لقاءاتهم، التي تبلغ فيها الحزبية القبلية من الحدة مبلغ التخاصم والتشاتم.

حال هؤلاء العرب لا تستهدفني، إنما هي نموذج عن الثقافة السياسية والنقاش السائد بين عدد كبير من العرب؛ لا معلومات فيه، ولا تباين حول السياسات، مثلا حول جدوى وجود ميليشيات موازية للدولة ومستقلة عنها مثل في العراق ولبنان، أو حول جدوى تنصيب عبد الفتاح السيسي رئيسا برتبة ملك على مصر. هي عصور ظلام يعيشها العرب، ويتنصلون من مسؤوليتهم عن شقائهم بإلقائها على أميركا وإسرائيل وإيران، فهل يعي هؤلاء العرب حاجتهم الماسة للخروج من نفقهم المظلم؟

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

A view of the platform of the Leviathan natural gas field in the Mediterranean Sea is pictured from the Israeli northern…

حين أضاءت شعلة عملاقة سماء الليل قبالة ساحل إسرائيل في 23 مايو، كان ذلك بمثابة تذكير بثروات البلاد من الغاز الطبيعي ومخاوفها البيئية المستمرة. فقد تمّ إشعال فائض الغاز من منصة معالجة على عمق ستة أميال من الشاطئ فيما وصفته الحكومة بـ "إغلاق طارئ". 

وفي غضون ساعات قليلة تم استئناف الإنتاج من حقل "ليفياثان" ـ الواقع عميقا تحت قاع البحر على بعد خمسة وسبعين ميلا غربا ـ الذي يزوّد المنصة بالغاز؛ وفي وقت لاحق تمّ تفسير الحادثة على أنها إنذار كاذب ناجم عن فشل في كاشف الغاز.

وكانت هذه هي المرة الثانية الذي توجّب فيها إشعال الغاز لفترة وجيزة في المنصة منذ أن باشرت عملياتها في نهاية عام 2019 ـ على ما يبدو إجراء عادي في مرافق بدء التشغيل. (ولم تُشاهد مثل هذه الحوادث الجلية الواضحة في منشأة "تمار" العاملة منذ وقت طويل على بعد ثلاثة عشر ميلا من ساحل "أشكلون" ["عسقلان"] جنوبا، ويعود السبب في ذلك إلى تصميمها فقط، إذ أن إشعال الغاز الفائض قد يؤدي إلى إذابة المنصة). وكان حقل "ليفياثان" قد بدأ بضخ الغاز في الشبكة الإسرائيلية في يناير هذا العام. ويُلبّي غاز "تمار" أساسا الطلب المحلي، لذلك يتم إرسال الإمدادات من الحقل الأحدث والأكبر عبر الشبكة وإلى مصر والأردن.

تقع أفضل الاحتمالات قبالة سواحل مصر، التي يقل إجمالي احتياطاتها من النفط والغاز عن احتياطات إسرائيل

وفي الوقت الحالي، تستخدم مصر الغاز من حقل "ليفياثان" لتلبية حاجات السوق المحلي حصرا. وتأمل كل من القاهرة والقدس في أن يتم تصدير الأحجام المستقبلية للغاز إلى الأسواق الخارجية الأخرى عبر ناقلات الغاز الطبيعي المسال، لكن هذه الخطط معلقة لأن بيع الغاز بهذا الشكل غير قابل للتطبيق في ظل الأسعار الدولية الحالية. كما يعود السبب في التوقف المؤقت في خطط زيادة إنتاج الغاز من حقل "ليفياثان"، الذي تديره شركة "نوبل إنرجي" من ولاية هيوستن الأميركية، إلى انخفاض الأسعار. ويبدو أن أي محاولة لاستخراج النفط من المكامن الموجودة تحت الطبقات الجوفية الحاملة للغاز هي مجرد وهم في الوقت الحالي.

وفي ظل الظروف الراهنة، يعتبر الأردن العميل الرئيسي، حيث يستخدم الغاز الإسرائيلي لتشغيل شبكته لتوليد الكهرباء. ومع ذلك، فإن هذا العقد والترتيب الأصغر لإرسال غاز "تمار" إلى المنشآت الصناعية الأردنية في البحر الميت قد يتعرضان لخطر [توقف التنفيذ] بسبب التطورات السياسية القادمة. فقد أعلنت إسرائيل أن خطوات ضم الأراضي المحتملة في الضفة الغربية قد تبدأ في يوليو المقبل، الأمر الذي أثار تحذيرات شديدة من قبل الملك عبد الله.

وفي منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط ككل، لم تؤد عمليات الاستكشاف الأولية للغاز التي تتزعمها فرنسا قبالة سواحل بيروت في وقت سابق من هذا العام سوى إلى إنتاج آثار للموارد الهيدروكربونية، في حين قد يتمّ إرجاء أي تنقيب مستقبلي في منطقة أقرب إلى الخط الملاحي المتنازع عليه بين لبنان وإسرائيل إلى أجل غير مسمى. 

ومن الناحية النظرية، تتمتع هذه المنطقة باحتمالات جيدة نسبيا للاكتشافات نظرا لقربها من حقلي "تمار" و "ليفياثان". ومع ذلك، تقع أفضل الاحتمالات قبالة سواحل مصر، التي يقل إجمالي احتياطاتها من النفط والغاز عن احتياطات إسرائيل (إلا أن احتياطات كلا الدولتين لا تزال ضئيلة مقارنة باحتياطات دول الخليج العربي).

وتضاءلت جاذبية مصر لشركات الطاقة الأجنبية في الآونة الأخيرة بسبب انخفاض الأسعار وضعف الطلب المحلي، إلا أن هذا الوضع يجب أن يتحسن خلال الصيف بسبب الحاجة الشديدة إلى أجهزة تكييف الهواء والمراوح.

وعبر البحر، لا يزال على تركيا العثور على الغاز في المناطق البحرية التي تطالب بها على الرغم من تعريفها الواسع لمدى امتدادها. وفي محادثة هاتفية بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس التركي رجب طيب أردوغان الأسبوع الماضي، أفادت بعض التقارير أن القراءات التركية قالت إنهما وافقا على "مواصلة السعي لتحقيق الاستقرار في منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط". وانصب تركيزهما الرئيسي في هذا الصدد على ليبيا، حيث تدعم تركيا الحكومة المعترف بها دوليا في طرابلس ووافقت على حدود بحرية متبادلة بين المنطقة الاقتصادية الخالصة لكل بلد.

يُعتبر تطوير موارد الطاقة في شرق البحر المتوسط لما فيه من المصلحة المتبادلة لبعض دول المنطقة على الأقل قصة نجاح سياسي

وفي الواقع، أضاف النزاع الليبي بُعدا آخر لثلاث منافسات شرق أوسطية متعددة الأوجه: مصر ضد تركيا، اليونان/قبرص في مواجهة تركيا، وإسرائيل ضد لبنان. ويبدو أن العديد من النزاعات المعنية مستعصية على الحل، ولكن هذا لا يعني بالضرورة استحالة حلها.

على سبيل المثال، في الوقت الذي تتمتع فيه إسرائيل بصداقتها مع اليونان وقبرص، إلا أنها لا تزال تحافظ على علاقات تجارية كبيرة مع تركيا، على الرغم من جو عام من التوتر السياسي بين البلدين. وتجلت إحدى الإشارات على الرغبة المتبادلة لأنقرة والقدس في الحفاظ على علاقات عمل بينهما الأسبوع الماضي، عندما غادرت طائرة شحن تابعة لشركة "إل عال" الإسرائيلية إلى إسطنبول لحمل معدات خاصة بفيروس كورونا لتسليمها إلى الولايات المتحدة. 

وكانت شركة الطيران الإسرائيلية قد أوقفت رحلاتها إلى تركيا في السنوات الأخيرة بسبب خلاف حول الترتيبات الأمنية، على الرغم من استمرار رحلات [شركات الطيران] التركية من إسرائيل وإليها (على الأقل إلى حين [بدء] إجراءات الإغلاق الأخيرة المتعلقة بانتشار الوباء).

وبشكل عام، يُعتبر تطوير موارد الطاقة في شرق البحر المتوسط لما فيه من المصلحة المتبادلة لبعض دول المنطقة على الأقل قصة نجاح سياسي ـ تلك التي تُعزى إلى حد كبير إلى الدبلوماسية الأميركية. يجب استمرار الانخراط الأميركي إذا كان هناك رغبة في التغلب على الصعوبات الحالية واستفادة المزيد من الدول [من الوضع القائم].

المصدر: منتدى فكرة