تسيران بالقرب تمثال لكارل ماركس في لندن
تسيران بالقرب تمثال لكارل ماركس في لندن

دارا عبدالله/

تقريبا، صار أمرا متفقا عليه في أذهان المشتغلين بالحقلين، السياسي والثقافي، وخصوصا في السنوات الـ 25 الأخيرة، بأن جملة، كارل ماركس، التاريخية المشعة، التي بدأ فيها البيان الشيوعي: "إن تاريخ أي مجتمع حتى الآن، ليس سوى تاريخ صراعات طبقية"، قد عفا عليها الزمن.

تغلبت المجتمعات الحديثة بعد الحرب العالمية الثانية، وخصوصا في أوروبا الغربية وأميركا، على التفاوت الطبقي، والتناقض بين الطبقات. ولم يعد المدخل الطبقي الماركسي التقليدي، كافيا في فهم التاريخ.

ثمة تسميات عديدة لمجتمعنا الحالي، منها، مثلا، "المجتمع ما بعد الصناعي"، أو مجتمع "الاقتصاد المعرفي" أو "المجتمع الرقمي". إذ تُفرَز المناصب الاجتماعية، حاليا، ليس اعتمادا على تصنيف "البنية التحتية" و"البنية الفوقية"، أو ثنائية "العمل اليدوي" و"العمل الذهني"، أو "برجوازية" و"بروليتاريا"، وإنما اعتمادا على سوية التعليم والمزاج الشخصي، والعديد مما يمكن أن نسميها بالعوامل "الناعمة". حلّ المجتمع الفرداني الذي يكثر فيه الحديث عن الحقوق الفردية، محل مجتمع الطبقات و"الكتل الشعبية" و"الجماهير"، وصارت مصطلحات مثل "الوعي الطبقي" و"النضال الطبقي"، تُستحضَر فقط، كشكل من أشكال الفولكلور.

الماركسية التقليدية لا تصلح لفهم تعقيد عالمنا المعاصر

​​لكن، منذ فترة، وبعد هيمنة "السياسي" و"الحقوقي" على الخطاب السائد، عاد السؤال "الاجتماعي" والطبقي إلى النقاش العام مرة أخرى. ثمة عوامل عديدة لعبت دورا في تفعيل السؤال الطبقي، لا يمكن لهذه السطور حصرها، ولكن أهمها هو الأزمة المالية العالمية عام (2007 ـ 2008)، وفقدان ملايين الناس لوظائفهم، وانزياح جزء من الطبقة العاملة في أوروبا وأميركا من اليسار إلى اليمين، وموجات الهجرة واللاجئين التي غزت العالم بعد عام 2011، وخصوصا اللاجئون القادمون من دول ثورات "الربيع العربي"، تلك الثورات التي كان فيها الاقتصادي والطبقي عاملا مهما، وبالتأكيد ليس وحيدا، في انطلاقها.

اقرأ للكاتب أيضا: لسعة العقرب

وبسبب هذه العودة لـ "الاجتماعي"، صار من الضروري النقاش مجددا حول مفاهيم مثل الطبقة والصراع الطبقي والوعي الطبقي، وما المقصود بها بالضبط؟ وفي أي سياق تاريخي فكر بها ماركس.

كان كارل ماركس، رئيس تحرير جريدة "Rheinische Zeitung" في مدينة كولن الألمانية، لما أغلقت في 31 مارس/ آذار من عام 1843 بسبب الرقابة؛ سافر الحاصل على دكتوراه في القانون إلى باريس، إثر هذا الإغلاق، وعاش هناك لاجئا في المنفى.

في باريس، بدأ ماركس يحدد المفاهيم بدقة، إذ حدد الطبقات كجهات وتجمعات تمتلك فعالية سياسية، وخص البروليتاريا بنظريته، والتي عرّفها كقوة أساسية دافعة للتطور الاجتماعي.

في باريس، نظر ماركس لمفهوم "العمل الُمفقِر" (وهو مصطلح معاصر). على الفور لاحظ ماركس في باريس، بأن البروليتاريا لا تزال تفتقر إلى تعريف مفاهيمي دقيق ومحدد. في النشرات السياسية التي كتبها ماركس في أربعينيات القرن التاسع عشر، اختار ماركس التوصيف بدلا من التعريف، وانطلق مما شاهده في الواقع، وقال إن البروليتاريا هي تكتل اجتماعي شديد في عدم تجانسه.

بعدها بالتدريج، صار ماركس يوصف هذه الكتلة بشكل أدق: المتسولون والعمال المياومون والخدم والعاملات في المنازل، والعاهرات وعمال المصانع والمعامل والحرفيون الصغار والسجناء المحكومون.

بعدها، أضاف ماركس ما أسماهم بـ "البروليتاريا الفكرية": المثقفون والفنانون والمثقفون. لكن ماركس كان يصر أن هذه الطبقة موحدة سياسيا وماديا وثقافيا.

في كتابه "مقدمة في نقد فلسفة الحق عند هيغل" يقول ماركس عن البروليتاريا إنها: "تشكيل طبقة راديكالية، فيها فئة تحررية من المجتمع البرجوازي، ولكنها ليست طبقة برجوازية، طبقة قادرة أن تحل محل جميع الطبقات. وتشكل مجالا يمتلك شخصية عالمية، بسبب المعاناة العالمية المشتركة. طبقة لا تدعي أي حق خاص، ولا تناضل لأجل أمور بسيطة. طبقة لا تظلم أصلا، لأن الظلم يرتكب بشكل سيء بحقها. طبقة قادرة على تحويل معاناة الإنسان إلى رمز".

محرك التاريخ

ولكن، ما يمكن الاعتراض عليه في الماركسية الكلاسيكية، هو أنه لا يمكن لأي تصور أو تعريف مفاهيمي، مهما بلغت دقته، أن يملأ الواقع التجريبي. بل العملية معكوسة، إذ أن ارتباك الواقع والقلق الكامن فيه، هو الذي يجبر العقل على صياغة المفاهيم. وهذه الديناميكية، هي التي تجعل المفاهيم قابلة للتطبيق والإدارة والحياة، وتصبح مداخل للفهم.

وبهذه الديناميكية الحيوية، يتم تجديد مفهوم البروليتاريا دوما، إذ قام ماركس في كل أعماله، ببناء روح موحدة وشكل عام لمفهوم البروليتاريا، يعمل في كل لحظة تاريخية بنفس الطريقة، مهما تعددت وتنوعت أشكال اللحظات التاريخية. يقول ماركس "محرك التاريخ هو الصراع الطبقي"، ولا يحدد مسننات هذه الحركة، لأنها تختلف من لحظة تاريخية لأخرى، ولكن "روح التاريخ" هي نفسها.

في "البيان الشيوعي"، يرى كل من ماركس وأنجلز التاريخ دوما صراعا بين طبقتين اجتماعيتين، مضطهدِة ومضطهدَة. أما حدود وأشكال هذه الطبقات، فتُحدَّد من خلال أنماط الإنتاج الموجودة في الاقتصاد السائد. ولا توجد أي لحظة تاريخية بدون اقتصاد سائد وأنماط إنتاج، وبالتالي، لا تاريخ بدون صراع بين هاتين الطبقتين.

وهكذا يقدم التاريخ نفسه في الرؤية الماركسية، سلسلة متتابعة من الصراعات الطبقية، "في كل مرة، تنتفي أطراف الصراع الطبقي بتحول ثوري للمجتمع

ككل، لتزول أطراف القتال وتتشكل أطراف أخرى".

ويجب دوما الأخذ بالحسبان، في أي رؤية علمية شاملة للتاريخ، حادثة التحول الثوري الاجتماعي، لأن ذهنية التنظير للتحول الثوري، تنقذنا، مما يسميه ماركس، بـ "السقوط الدائم المشترك". وإذا ما سألنا أنفسها اليوم، إذا ما كانت المفاهيم الماركسية ستساعدنا في فهم أنفسنا وتغيير علاقاتنا الاجتماعية، فيجب علينا، التعلم من الغث والسمين من تجربة ماركس الفكرية. علينا أن نوجه أنفسها من خلال وضوح تصوراته، وفي نفس الوقت، يجب أن نحذر بشكل جدي من التكاليف السياسية المتبعة من المفاهيم الماركسية.

التنبؤ الأممي الماركسي، بأن البروليتاريا، تميل دوما إلى التوحيد سواء ماديا في تجمعات سياسية متشابهة، أو معنويا من خلال امتلاكها نفس الوعي الطبقي، هو تنبؤ غير دقيق على الإطلاق. من جهة أخرى، فإن شروط الرأسمالية الحديثة، العابرة للهويات والبلدان والقارات، ولدت شكلا جديدا من أشكال البروليتاريا، كاللذين لا يمتلكون أي ملكية خاصة، ويعملون فقط من أجل رواتب نهاية الشهر، لأنه بدون هذا الراتب، لن يكون لديهم إي إمكانية للعيش.

بهذا التحديد، تشكل البروليتاريا الأغلبية الساحقة من الناس على كوكب الأرض، تلك الأغلبية التي عبرت عن نفسها في حركة "احتلوا وول ستريت"، تحت شعار "نحن 99٪".

هذه الأغلبية البروليتارية، اليوم، متنوعة بشكل شديد ومنقسمة سياسيا وثقافيا وماديا، وبالتالي من المفضل التخلي عن مفهوم البروليتاريا التقليدي الماركسي، والذي يقول بأن البروليتاريا تمتلك دوما نفس الوعي الثقافي والسياسي، وهي موحدة ماديا. ويشير الفيلسوف الألماني، أكسيل هونيث، إلى أن البروليتاريا، حتى في زمن كارل ماركس، كانت متنوعة سياسيا وثقافيا وماديا، ولم تكن موحدة أبدأ بشكل مطلق في أي لحظة تاريخية. التعدد والتلون داخل الطبقة البروليتارية، هو أمر أراد ماركس إهماله والتغلب عليه بمفاهيمه الطبقية الصلبة. ولكن، فكرة البروليتاريا النقية، والتي تطمس واقعة وجود هويات متنوعة، واختلافات ثقافية، هي فكرة طوباوية، صارت ضربا من ضروب الخيال.

يعتقد رورتي أن الماركسيين التقليديين المعاصرين يكابرون حتى الآن في رفض الإقرار بقوة صعود سياسات الهوية

​​وبالتالي، فإن تاريخ نضالات المهمشين ليس بالضرورة أن يكون متزامنا ومتطابقا دوما. ثمة حركات نسوية، وحركات لإلغاء العبودية، وحركات للمطالبة بحقوق المثليين، وحركات للدفاع عن حقوق اللاجئين، ونلاحظ هنا أن مفهوم الهوية، لا يقل قوة وتأثيرا من مفهوم الطبقة.

يشير الفيلسوف الأميركي، ريشارد رورتي، إلى أن مفهوم "الطبقة" قد تحول بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، إلى مشروع سياسي تضامني، يجمع بين الناس بالحد الأدنى، حول مبادئ مقارعة الظلم وإلغاء الاستغلال. وأي تعميق تفصيلي، يظهر الخلافات الملموسة بين الناس المنتمين إلى نفس الطبقة.

اقرأ للكاتب أيضا: 'المال يوقف الراحة'

ويعتقد رورتي أن الماركسيين التقليديين المعاصرين يكابرون حتى الآن في رفض الإقرار بقوة صعود سياسات الهوية، وحلول مفاهيم سياسات الهوية مقابل مفاهيم الصراع الطبقي، والثقافة مقابل الاقتصاد. بل يصل عدم التواضع لديهم في أن يروا صعود سياسات الهوية، شكلا مموّها من أشكال الصراع الطبقي. ويرى رورتي هذا الادعاء مكابرة مضحكة. ويورد أمثلة عن الحروب الأهلية التي يقودها، غالبا، أناس فقراء ينتمون بحسب التعبير الماركسي إلى الطبقة البروليتارية، فلماذا ليسوا موحدين ماديا وثقافيا وسياسيا إذا؟

كما يشير روروتي إلى تشكل تجمعات عابرة للطبقات على أساس الهوية، كالحركات التي تدافع عن حقوق المثليين. وبالتالي، الماركسية التقليدية لا تصلح لفهم تعقيد عالمنا المعاصر.

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

Demonstrators hold signs as they protest the death of George Floyd at the hands of Minneapolis Police in Washington, D.C. on…
متظاهرون ضد مقتل مقتل جورج فلويد في العاصمة الأميركية واشنطن

كلما اندلعت أحداث عامة في الولايات المتحدة، شبيهة بالجريمة المُرتكبة بحق المواطن جورج فلويد، وما تبعها من تحركات داخلية منددة وصاخبة، تنبعث في منطقتنا أشكال من "النقد" البائس لـ"أميركا"، باعتبارها وحدة ثقافية وسياسية واقتصادية، وكونها بذاتها الكلية رمزا ومركزا وتعبيرا للـ"الشر" المطلق، الملبس بالكثير من أثواب البهاء الزائفة، حسب نقدنا البائس ذاك.

لا ينبع ذلك الفيض من الانفعالات البافلوفية السياسية والثقافية والإعلامية والاجتماعية التي نُصدرها كل مرة عن الولايات المتحدة، لا ينبع من مركز أو بنية أو جهاز أو سلطة بعينها، واعية وموجهة لتلك الانفعالات، بل يكاد ذلك التدفق، لشدة انتشاره وآليات تفاعله المعقدة، يكاد أن يكون بمثابة بنية تحتية صلبة للحياة العامة في منطقتنا، متفق عليها بين مختلف مستويات الفاعلين، السياسيين والثقافيين والمجتمعيين والأيديولوجيين، المجمعين بعمومهم، والجاهزين على الدوام، للجموح في نعت ونقد ووصف أميركا بكل سمات "الشر".

لا يتعلق الأمر بطبيعة الأشياء والأحداث والتوازنات في داخل الولايات المتحدة، حيث يمكن العثور على مئات الملاحظات والخطايا في ديناميكيات الحياة السياسية والثقافية والاجتماعية الأميركية، وحيث أن الأميركيين كانوا من أكثر المجتمعات العالمية نقدا ومعارضة لأشكال الخلل والهشاشة في أنظمتهم العامة، وشيدوا طوال القرنين الماضيين التجربة العالمية الأكثر ثراء وحيوية وقابلية لـ"تجاوز الذات"، والتي ما تزال تنادي كل يوم بأنه ثمة الكثير الكثير الذي ما يزال يجب فعله، بشهادة ردود الفعل الشعبية والثقافية والسياسية الأميركية على الحادثة الأخيرة.

إن نقدنا البائس لأميركا كان ذو فاعلية عالية لصالح القوى المجتمعية المحافظة في بلداننا، التي نفت بنقدها الاجتماعي الدؤوب لداخل الولايات المتحدة، أية قيمة مضافة لكل ما راكمه هذا المجتمع الأميركي طوال تاريخه الحديث

الحكاية في مكان آخر تماما، في أن أغلبية واضحة من مختلف القوى السلطوية والسياسية والثقافية والأيديولوجية، وحتى المجتمعية، في منطقتنا، التي تشمل العالم العربي مع تركيا وإيران وبعض المناطق الأخرى من العالم الإسلامي، قد رسمت وراكمت منذ أواسط ستينيات القرن المنصرم صورة "منمذجة" عن الولايات المتحدة في مخيلتها العامة، على اعتبارها الآخر والنقيض المطلق لذاتنا الجمعية، الثقافية والسياسية والمجتمعية، في هذه المنطقة. رسمتها كونها حاجة ملحة وحيوية، لازمة لتشييد الكثير من التفاصيل والتوازنات داخل بلداننا.

لعبت تلك الصورة المصطنعة عن الولايات المتحدة أدوارا شديدة الحيوية، تمكنت عبرها مختلف مستويات الفعل العام في مناطقتنا من استغلالها لصالح شرعنة وتمتين مواقعها ومصالحها، وصياغة سلطتها ونفوذها داخل مجتمعاتها وبلدانها. حتى أن الكثير منها ترسم صورتها وكيانها الداخلي بناء واعتبرا لمناقضة هذه الـ"أميركا" المتخيلة.

♦♦♦

ثمة أربعة مستويات واضحة المعالم في ذلك الاتجاه، يتضح في كل واحدة منها آلية الفاعلية والانتاجية الداخلية لذلك التهافت على نقد أميركا.

سياسيا، يسعى ذلك النقد لأن يقول إن التجربة السياسية الداخلية في الولايات المتحدة مجرد "كذبة"، وإنه على العكس مما يُروج عن الحياة السياسية في الولايات المتحدة، التي تجمع رزمة من القيم والأعراف والمبادئ الحداثوية، فإن الحياة السياسية الداخلية فيها شديدة القتامة.

يسعى هؤلاء المروجون لقول ما هو أبعد من هذه المباشرة بكثير، للقول إنه طالما أميركا هي كذلك، فإن مجموع القيم السياسية التي ترفعها عن حياتها السياسية، إنما هي بحد ذاتها "مجرد كذبة". وبالتالي فإن الديمقراطية والحريات العامة ومنظومة حقوق الإنسان وسيادة القانون وفصل السلطات...إلخ، هي فقط مجموعة من الأكاذيب. وبالتالي، فأنه على مجتمعات منطقتنا أن لا توالي أو تثق بتلك القيم السياسية، وبالتالي أن تتنازل عن أية مطالب في ذلك الاتجاه.

لم تعش القوى والشخصيات والدعوات المطلبية بتلك المبادئ والقيم في منقطتنا ابتزازا وتعنيفا وزجرا، طوال تجربتها المريرة مع السلطات الشمولية، مثلما عاشته من قهر ناتج عن الربط المحكم الذي فعلته السلطات الشمولية بين "أميركا الشريرة" وبين مطالب تلك القوى والشخصيات، وبالتالي شرعنت وفتحت الباب أمام محقهم مطلقا.

أيديولوجيا، كانت مختلف القوى الحزبية/السياسية في منطقتنا بحاجة ماسة لاختلاق تلك الصورة الوظيفية عن الولايات المتحدة. لأنها كانت ترفع عنهم عبئا ثقيلا، متمثلا بأن حقيقة الفعل السياسي والحزبي يجب أن يتمثل أولا ودائما في النضال الحقيقي واليومي والدؤوب في الداخل، في الاعتراف بصراعات القوى السياسية وتناقضات البنى الاجتماعية في داخل البلاد، وبالتالي وجوب الكفاح الدائم في سبيل تفكيك وإعادة تركيب كل ذلك.

روايتنا المجتمعية عن أميركا تدعونا إلى وليمة فخمة تدعونا للذكورية والبطريركية والعشائرية وقمع الجسد والمحافظة المناطقية

في ظلال عقود طويلة من الكساد السياسي الطويل، في دول ذات أنظمة شمولية مطلقة، كانت الصورة المصطنعة عن أميركا ترفع عن كاهل القوى الأيديولوجية كل ذلك الواجب الثقيل، تُجبر خاطرهم بأنه ثمة نضال ما أكثر وجاهة وفاعلية وأخلاقية من الاعتراف بحقائق الداخل والنضال في سبيل الدفاع عن ضعفائه ومهمشيه، يتمثل في "مواجهة أميركا"، وعلى مستوى العالم.

أنتجت الأحزاب والتيارات الشيوعية والقومية والدينية والمذهبية والإقليمية في منطقتنا ملايين الأطنان من الكتابات السياسية والأيديولوجية التقريعية بحق أميركا، كانت ألف ضعف أو أكثر مما أنتجته حول الفظاعات الموجودة والمتراكمة في دواخل بلدانها، حيث مهمتها الجوهرية، وربما الوحيدة. وحيث أنه يبدو واضحا بأن الفعل الأول كان اصطناعا وتشاغلا سخيفا، لتغطية سوء الجدارة الأخلاقية والوجدانية والتنظيمية والمعرفية والسياسية لممارسة الفعل الثاني.

ثقافيا، كان نقدنا لأميركا يقوم على دعامتين متكاتفتين، تقوم كل واحدة منها بإنتاج داخلي زاخر في بلدننا.

تقول الدعامة الأولى: أن أنماط العنف والمحق والإبادة والفاشية والعنصرية إنما منتجات التاريخ الأميركي فحسب، وهي ما تزال أساسية وجوهرية في الحياة العامة في ذلك البلد.

بغض النظر عن مدى صحة ذلك، وعن الجزء المغيب من تلك الحكاية، المتمثل بملحمة النضالات الأميركية النبيلة في الاعتراف وتجاوز كل ذلك، فإن هذه الدعامة إنما تستميت في سبيل رفع كل تلك السمات عنا نحن، عن ماضينا حاضرنا. بالقول بأن كل ذلك إنما هو "حقيقة" أميركا، التي تريد أن تلبسها لنا نحن زورا!

شُيدت أواصر تلك الدعامة لتفعل شيئا كثير الحيوية في كل تفصيل من علاقتنا من ذواتنا وتاريخينا وهوياتنا الجمعية، لتقول بصراحة وفجاجة إن الإبادة الأرمنية المريعة لم تجرِ، وإن اليونانيين لم يتم ترحيلهم من مدنهم ومناطقهم، وإن المحق السياسي والرمزي الذي يطال الأكراد مجرد كذبة كبرى، وإن تاريخ النبذ والكراهية والفوقية بين جماعاتنا الأهلية مجرد حكاية مختلقة، وإن الذكورية والمركزية والعنف ليست من بواطن أدبيات ومنتجات ثقافتنا السياسية والمجتمعية والأيديولوجية. أن تقول الكثير من مثل ذلك، مما يمنحنا موقع البراءة والمظلومية، وأن تدفع جميع تلك السمات، لأن تكون فقط هوية الآخر فحسب، أميركا.

تذهب الدعامة الثقافية الأخرى في نقدنا لأميركا للقول بأن جوهر الصراع في الداخل الأميركي عرقي وهوياتي، قائم على معادة وتحطيم القوى المجتمعية والهوياتية الأكثر ضعفا وهشاشة في الداخل الأميركي، الذين يتنوعون بين السكان الأصليين أو السود أو المسلمين، أو حتى الإسبان والآسيويين.

يسعى ذلك الإنتاج الثقافي لصناعة أواصر زائفة بيننا وبين تلك الجماعات الأميركية، بأسلوب مليء بالعرقية الثقافية. يقول بوضوح بأن ما يجمعنا مع أبناء تلك الجماعات الأميركية هو التعرض لظلم ذوي البشرة البيضاء! وبالتالي القول بوضوح أكثر بأن خلافاتنا السياسية وتبايناتنا الثقافية مع الولايات المتحدة غير متأتية من كوننا بدورنا نتمركز حول بعض المواقف والقيم والخيارات غير المناسبة للتكاملية العالمية، بل لأن أميركا التي تمثلها "الأغلبية البيضاء" هي كذلك مع كل أحد، بما في ذلك أبناء الجماعات العرقية في الداخل الأميركي. لذا فإن المشكلة هي في البنية التأسيسية لهذه الـ"أميركا"، وليست أبدا فينا نحن.

أيديولوجيا، كانت مختلف القوى الحزبية/السياسية في منطقتنا بحاجة ماسة لاختلاق تلك الصورة الوظيفية عن الولايات المتحدة

أخيرا، فإن نقدنا البائس لأميركا كان ذو فاعلية عالية لصالح القوى المجتمعية المحافظة في بلداننا، التي نفت بنقدها الاجتماعي الدؤوب لداخل الولايات المتحدة، أية قيمة مضافة لكل ما راكمه هذا المجتمع الأميركي طوال تاريخه الحديث، ذلك الكل الذي لم نتمكن من تحقيق البعض القليل منه.

كانت الحكاية/الدعاية المجتمعية الكبرى التي بحوزتنا عن المجتمع الأميركي تحاجج بأن كامل الخيارات الليبرالية والحريات الشخصية وسلطة الفرد على سلوكه وحقه الكامل في جسده والمساواة الجندرية والحق المطلق في حرية التعبير، بأنها بكاملها لم تغير من حقيقة العنف والكراهية والاستغلال والعنصرية التي تغطي المشهد المجتمعي الأميركي، حسب تلك الحكاية/الدعاية التي لنا عن أميركا.

دون أي سعي لدحض شبه المطلق لتلك الرواية المجتمعية في مخيلتنا العامة عن أميركا، وهو شيء سهل المنال، فإن هذه الرواية إنما تتقصد القول بأن كل تلك القيم والمناقب التي جربتها وتجربها المجتمعات الأميركية، من ليبرالية وحريات شخصية ومساواة في الحقوق الجندرية...إلخ، إنما بحد ذاتها مجرد هباء، بدليل أن المجتمع الأميركي أباحها كلها، ولم يستحصل إلا على مزيد من العنف والاستغلال والكراهية. وبالتي، فإن روايتنا المجتمعية عن أميركا تدعونا إلى وليمة فخمة تجمع كل ما يناقض تلك القيم المجتمعية، تدعونا للذكورية والبطريركية والعشائرية وقمع الجسد والمحافظة المناطقية...إلخ، جنان القوى المحافظة، التي تمهد عبرها لكل أشكال نكوصنا وتخلفنا عن حركة التاريخ والحياة.

الدافع الأعظم لما يصدر عن مجتمعاتنا ودولنا وقوانا السياسية وتياراتنا الثقافية والأيديولوجية من نقد وزجر لـ"أميركا"، أثناء التفاعل مع الأحداث الداخلية في ذلك البلد، لا يصدر عن نية ووعي بالهوية العالمية لنا، وبالتالي حقنا المطلق في تناول كل تفصيل لأي حدث، أينما كان يجري على صخرة العالم، بل هو الحاجة المُلحة للكثير من قوانا الفاعلة لمثل ذلك النقد الزاجر، وهذا مصدر بؤسها.