إيرانيون مؤيدون للمعارض مير حسين موسوي يطالبون بوقف تنفيذ أحكام الإعدام في إيران خلال اعتصام لهم أمام القنصلية الإيرانية في حيدر آباد في العام 2011
إيرانيون مؤيدون للمعارض مير حسين موسوي يطالبون بوقف تنفيذ أحكام الإعدام في إيران خلال اعتصام لهم أمام القنصلية الإيرانية في حيدر آباد في العام 2011

حسن منيمنة/

"ليس لإيران مصلحة موضوعية في السير بسياسة معادية للولايات المتحدة ومعادية لإسرائيل، بل هي قابلة للنظر بتسوية قطعية في حال جرى الاعتراف الصريح بموقعها كقوة عظمى على مستوى المنطقة". الرسائل الصريحة بهذا المغزى تتوالى عبر وسطاء مختلفين، بما في ذلك الباحثين المرتبطين بمراكز الدراسات في طهران والمقربين من الدوائر السياسية فيها، خلال اللقاءات العَرَضية في أوروبا أو الشرق الأوسط مع نظرائهم من واشنطن.

هي رسائل تبدو وكأنها تؤكد الريبة الراسخة في العديد من العواصم العربية، كما الآمال العلنية لبعض الأوساط في واشنطن، بأن التزام إيران بالقضية الفلسطينية وسائر الطروحات الثورية العربية مرحلي ومصلحي وقابل للتبدل.

وفق هذه القراءات، المتخوفة أو الراجية، طهران تستعمل وتستغل وحسب هذه القضايا كأداة لتحقيق طموحاتها بالهيمنة على المنطقة، وقد تكون بالتالي مستعدة "للتفاوض" بشأن الصفقة الكبرى التي طال الحديث عنها.

المرحلة التي تلت الاتفاق النووي أثبتت بأن ما يجري في إيران تسخير للدولة من جانب الثورة لتحقيق مصالحها

​​لا حاجة إلى التشكيك بصدق من ينقل هذه الرسائل، ولا حتى بمن هم على اتصال معهم من أصحاب القرار في طهران. فالتقارير المتواترة تفيد بالفعل أنه ثمة أوساط عديدة ضمن مؤسسات الدولة في طهران تجنح إلى الترحيب بتطبيع علاقات إيران الخارجية، إن لم يكن السعي الإقدامي لتحقيقه، بما ينضوي ذلك على الابتعاد عن تقديم الدعم للجهات غير الحكومية في دول الجوار، والاقتراب من التعامل الاعتيادي القائم على العلاقات الديبلوماسية وموازين القوة.

على أن توقع أن يتحول هذا الميل الخجول إلى تبدل حقيقي في مسار السياسة الإيرانية البعيدة المدى هو في أحسن الأحوال من باب التمني الواهم. بل إن التقييم الأكثر قابلية للتصديق هو الذي يدرج هذه الإيماءات بتبدل السياسة الخارجية الإيرانية في إطار الجهود المتعمدة لأصحاب القرار الحقيقيين في إيران لتمييع عزيمة خصومهم في المنطقة والعالم، من خلال تشجيع الأصوات المتواجدة للتوّ في صفوفهم، والداعية إلى أسلوب أقل صرامة في التعاطي مع طهران.

اقرأ للكاتب أيضا: إلهان عمر بين معارضة السياسة الإسرائيلية والعداء لليهود

مقولة أن إيران من شأنها التخلي عن مواقفها الثورية مقابل إعادة ترتيب للبنية السياسية للمنطقة بما يقرّ لها بالأعلوية، تنضوي على علّة قاضية. إذ هذه المقولة تتجاهل أن ما حققته إيران من أعلوية، وما تطمح بأن تزيد في تحقيقه منها، قائم بالأساس على إشهارها للتوجهات الثورية وعلى تغذيتها للجهات الفاعلة الثورية.

تطبيقات جديدة لنموذج قديم

لقد نجحت إيران الثورية بتطوير نموذج "الإيالة" بما يشبه ما كانت قد حققته الدول السلطانية القديمة، وإن مع فوارق هامة. فالدول العظمى في التاريخ القديم للمنطقة، الأشورية، البابلية، الفارسية الهخامنشية، عمدت لضمان السيطرة على النطاق الواسع الواقع تحت حكمها، إلى صيغة من الإدارة صارمة المركزية في أوجه، ولامركزية في أوجه أخرى، فأطلقت يد حكام الإيالات المختلفة في الشؤون الداخلية شرط أن يقدّموا للمركز سيلا موثوقا من الغنائم، الأموال منها والرجال. أما نظام "الإيالة الثوري" المعاصر، فالغنيمة فيه هي النفوذ القابل للتوظيف، بدلا من المال، بل يلحظ هذا النظام الحاجة إلى توفير الأموال من المركز باتجاه الإيالات لتحقيق هذا النفوذ.

على أن كلا النموذجين للإيالة، القديم والمعاصر، يعتمد على تأكيد هيبة السلطة المركزية ومكانتها لدى المقيمين في عموم الإيالات من خلال تثبيت قناعات عبر رسائل موجهة إلى الأوساط التابعة. وبالنسبة للنموذج القديم، كان لا بد لهذه الأوساط أن تقتنع بالقوة القاضية للمركز السلطاني كي تلتزم الخضوع.

أما بالنسبة للنموذج المعاصر، فالقناعات التي يرجى تثبيتها أكثر دقة، وعلى قدر واسع من التنوع، بحيث يوجه لكل مقام ما يناسبه من مقال، وفق ما هو عليه من التماهي أو الولاء أو المصلحة مع المركز. ولكن، بالنسبة للنموذج المعاصر، فإن الأساس الذي يبنى عليه هو الخطاب العقائدي السائد في المحيط العربي في سبعينيات القرن الماضي، والذي تشكل القضية الفلسطينية عموده الفقري.

ليس أن الطروحات الفوقية الأعلوية، السنية والشيعية، والعربية والفارسية، كانت غائبة عن الساحة العقائدية في سبعينيات القرن الماضي. فهذه الطروحات كانت متداولة، سواء في زعم ريادة العالم الإسلامي لدى الخميني، أو في المقابل السني الجانح إلى الإقصاء والتكفير والذي كان يتشكل في الأوساط السلفية القطعية وصولا إلى إنتاج استيلاء جهيمان العتيبي وصحبه على الحرم المكي.

سلطة إيران على لبنان مرهونة باستمرار الصيغة الثورية العقائدية ضمن حزب الله

​​على أنه من الأصح استشفاف الأصول الفكرية للثورة الإسلامية في إيران، كحركة تحشيد شعبي، في التوجهات الإسلامية التقدمية لعلي شريعتي أو في نقد الاستعمار الجديد والذاتي والذي تقدّم به جلال آل أحمد، فهنا وهنالك تماش وحوار مع ما يقابلهما في الثقافة السياسية العربية.

ويبقى المطلوب في هذا الصدد استيفاء النظر "الكتيبة الطلابية" لحركة فتح، الفصيل الأول في منظمة التحرير الفلسطينية، لدورها في احتضان التواصل والعلاقات بين الشخصيات الثورية البارزة، في الإطارين العربي والإيراني، في مراحلها الأولى في عقد السبعينيات الحاسم.

مع سقوط الشاه، رفعت الحواجز وبرزت الفرص للجانبين، على أنه ليس من الصواب اختزال الترحيب بالثورة الإيرانية في العالم العربي، ودعم الثوار الإيرانيين للقضايا العربية إلى حالة من التوافق على المصالح، على الأقل في الفترة الأولى. بل كان هذا التلاقي انسجاما في تشخيص الأطراف المعادية: الاستكبار العالمي، أي الولايات المتحدة، وهي المتهمة الأولى بالسطو على ثروات الشعوب وحرمانها منها، ثم الصهيونية، أي إسرائيل بصفتها كيان استيطاني استولى على بلاد أصحاب الحق والأرض وطردهم منها، وكذلك الأنظمة الرجعية العربية العميلة والتابعة للغرب على حساب مصالح شعوبها.

وسرعان ما تبين في إيران نفسها فساد مقولة الثورة النقية، مع ما أنتجته من حكم استبدادي يسعى إلى فرض سلطة شمولية. وكذلك كان حال الوضوح العقائدي، والذي انكشفت طبيعته الاقتطاعية والتسطيحية للعديد من ثوار الأمس الإيرانيين، بعد أن وصلوا إلى السلطة الفعلية، فهذا صدام حسين، وليد الثورة في بلاده يشنّ على الجمهورية الإسلامية حربا ضروسا، وهذه كل من الولايات المتحدة وإسرائيل تقدم حبل نجاة، تحت غطاء صفقة الأسلحة والرهائن، وإن لأغراضها الذاتية.

قد تكون الواقعية أخذت تكسو الفكر السياسي في إيران، على أن ثمة توجهين كانا انطلقا قدما.

في حين أن إيران اعتنقت الخطاب العربي الثوري المتشكل في السبعينيات، المعادي للإمبريالية والصهيونية والرجعية، فإن صدقية الأنظمة التي كانت تشهره، العراق وسوريا وليبيا، كانت قد انهارت، وكانت الفوضى والضياع قد غلبا على منظمة التحرير الفلسطينية بعد خروجها من لبنان. هذا فيما الخميني اجتهد بوسم إيران بالرموز من المخزون الإسلامي، بما في ذلك إعلان يوم الجمعة الأخير من شهر رمضان "يوم القدس العالمي" لتستقبل جهوده في العالم العربي، والذي لم يكن مستهلكا حينها بالتخاصم السني الشيعي، على أنها عودة لإيران إلى أصالتها الإسلامية. فالنتيجة كانت أن إيران اكتسبت حضورا ماديا وتأثيرا معنويا بارزين، وأصبحت محجة للشخصيات العربية الشيعية كما للإسلاميين السنة من ذوي التوجهات اللينة، وكذلك لليساريين العرب من مختلف الانتماءات.

وفي موازاة ذلك، إيران قد نجحت بوضوح في لبنان بإنشاء التطبيق الأول والأنجح إلى اليوم (لمقولة) تصدير الثورة، أي "حزب الله" والذي جرى تقديمه وتنظيمه على أنه الذراع المباشر لإيران في بلاد الأرز، بل كان اسمه الكامل "حزب الله، حزب الثورة الإسلامية في لبنان"، وكان علمه علم الثورة الإيرانية. المراحل التالية شهدت بعض التذويب لهذه الصرامة العقدية، غير أن صلب التجربة كان ولا يزال إقامة الدائرة الشمولية المحصّنة.

فالحاصل المتراكم من هذين التوجهين غير المتكافئين قد دفع بالجمهورية الإسلامية نحو واقع ودور غير محسوبين. وتبقى الحاجة بهذا الصدد إلى السعي إلى تقييم موضوعي لعوامل الدفع والسحب في الدعم الإيراني للحركات الإسلامية الفلسطينية. وما يبدو جليا للتوّ هو أن إيران بدت على استعداد أوضح لدعم الجهاد الإسلامي من دعم "حركة حماس"، والتي غالبا ما فوض التواصل معها لحزب الله.

التورط العقائدي في القرن الحادي والعشرين

لم يتحقق لإيران في العقود التالية، ما يذكر في السعي إلى الارتقاء إلى مقام الدولة الاعتيادية النافذة. بالمقابل، فإن الفرص توالت لها لتعزيز نفوذها في مناصرة الجهود الثورية، فكان أن سلكت هذا المنحى، في العراق واليمن وسوريا والبحرين وأفغانستان، وحققت النتائج الملحوظة.

والمفارقة هي أن النجاح في هذا المسعى الثوري يتسبب بشكل مباشر بالفشل في مسعى الارتقاء كدولة اعتيادية. وقد يثابر البعض في دوائر الحكم في طهران على إنكار هذه الحقيقة، ولكن الواقع هو أن إيران الثورة ليست قائمة بموازاة إيران الدولة، بل إيران الثورة هي عائق أمام إيران الدولة.

وانطلاقا مما سبق، فإنه حتى إذا كان ثمة قيادة في طهران على قناعة بأن المصلحة الوطنية الإيرانية تقتضي العودة إلى الأطر السياسية الدولية الاعتيادية مع المحافظة على موقع إيران كقوة كبرى على مستوى المنطقة، كما تكرر الإشارة والإيماءات والرسائل إلى الغرب عبر الوسطاء، فإن منظومة الإيالات التي أنشأتها إيران الثورة، والتي تشكل أساس نفوذها في الخارج، قد ورّطتها ووضعتها في موقع عقائدي تعجز معه عن تحقيق التحول المطلوب. إذ إما أنه على هذه الإيالات والتي يبنى عليها النفوذ، والمنتشرة في أقطار عربية عدة، أن تصبح كل منها جزءا من الدولة التي تقوم فيها، أو أن تعمد إلى الانحلال الذاتي لتفسح المجال لبنى غير ثورية تعمل على تثبيت النفوذ الإيراني بالطرق الاعتيادية، فتصبح معها إيران قوة نافذة اعتيادية.

وعند اعتبار الاحتلال الفعلي الذي حققته إيران في لبنان، عبر حزب الله، فإنه يتبدى بوضوح أن كل من هذين المسارين المطلوبين للتحول ليس ممكنا. فعلى الرغم من الغياب شبه الكامل لأية خطة على مستوى المنطقة أو العالم للتصدي لمحاولات إيران المستمرة لقضم الدولة اللبنانية، وعلى الرغم من غياب أي تحدي محلي للقوة القاهرة التي تحتفظ بها إيران في لبنان، فإن حزب الله لا يزال عاجزا عن فرض إرادته بالكامل على المجتمع اللبناني. وإيران لا تزال تفتقد حضورا دائما أو معتمدا عليه في لبنان خارج إطار حزب الله. فسلطة إيران على لبنان مرهونة باستمرار الصيغة الثورية العقائدية ضمن حزب الله.

إيران الثورة ليست قائمة بموازاة إيران الدولة، بل إيران الثورة هي عائق أمام إيران الدولة

​​وكذلك، فإن مفاوضات الخمسة زائد واحد وما نتج عنها من اتفاق قد اختبرت قدرة إيران على إعادة موازنة توجهاتها باتجاه صيغة الدولة الاعتيادية. فعلى الرغم من فيض المحفزات الدولية التي دعتها إلى تصويب سياساتها بما يعزّز موقعها كقوة نافذة اعتيادية، فإن طهران استغلت المجال الذي أتاحه لها الاتفاق لتوسيع نطاق جهودها الثورية وتقويتها. أي أن المرحلة التي تلت الاتفاق أثبتت بأن ما يجري في إيران ليس سجالا بين الدولة والثورة، بل تسخير للدولة من جانب الثورة لتحقيق مصالحها.

اقرأ للكاتب أيضا: حول 'مراقبة إيران' من العراق: الحاجة إلى إعادة المحاولة

فسواء كان الأمر في لبنان أو فلسطين أو سوريا أو العراق أو اليمن أو البحرين، أثبتت إيران أنها عاجزة عن تحويل حضورها الثوري إلى علاقة مستدامة بصيغة دولة نافذة على مستوى المنطقة. بل إن اعتمادها المتواصل لنموذج الإيالات يحرمها من أن تصل بسياستها إلى الشكل الاعتيادي. بالإضافة إلى أنه من شأن الأطراف السياسية الإيرانية الداخلية المتباينة والمستفيدة ضمنا وصراحة من انتشار منظومة الإيالات أن تعترض أي قرار يسعى إلى التخلي عن هذا الاستثمار الباهظ، في حال ظهر من يحبذ التحوّل.

لا شك بأن الدولة الإيرانية من شأنها أن تستفيد كثيرا من تطبيع علاقاتها مع الأسرة الدولية والانتقال إلى صيغة الدولة الاعتيادية، غير أن الواقع أن منظومة الإيالات تشكل عائقا وتورطا عقائديا لا يبدو بأن الثورة الإيرانية، مع بلوغها الأربعين، قادرة على انتشال نفسها منها.

حسن منيمنة هو محرر مساهم في منتدى فكرة ومدير مؤسسة بدائل الشرق الأوسط.

المصدر: منتدى فكرة

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟