عيد الحب
عيد الحب

عبد الحفيظ شرف/

تاهت بي الأفكار وأنا أحاول أن أجد عنوانا مناسبا لهذا المقال؛ فقد سمعت من رجال الدين أن الدين ثابت لا يتغير وأنهم يوقعون عن المولى جلّ في علاه عندما يفتون! وأن احترام فتاويهم واجب شرعي وديني لأن لحومهم مسمومة كما يقولون! وكانوا دوما ما ينسبون كلامهم وفتاويهم إلى "قال الله وقال الرسول" وأنهم يعلمون! فهم المعنيون بالاستنباط فهم أهل العلم والذكر كما يروجون! وكانوا، وما زالوا، يستخدمون أقسى العبارات من التفسيق والتفجير والتكفير ضد من يخالفون! فكيف ولماذا كل هذا؟ وكيف ولماذا تنقلب الفتوى رأسا على عقب؟ وكيف ولماذا تتكرر هذه القضية؟

تعالوا نرجع قليلا في آلة الزمن إلى عصر الإمبراطورية العثمانية عندما أفتى رجال الدين بتحريم الطابعة! نعم الطابعة. ذلك الجهاز البسيط الذي يستخدم الحبر لطباعة ما يكتب على الورق. وتشير المصادر التاريخية إلى أن السلطان بايزيد الثاني حرم استخدام الطابعة على رعايا الدولة العثمانية من المسلمين، وذلك بعد صدور فتوى دينية بهذا الخصوص. وما كان الأزهر من ذلك ببعيد فقد أصدر كذلك عددا من الفتاوى بتحريم طباعة المنشورات والكتب الدينية وذلك لأنها تحرف العلوم وتثبط الهمم وتسعى لهدم حفظ العلوم ونسيانها. واستمر هذا التحريم لقرنين ونصف من الزمان في الوقت الذي طبعت فيه أوروبا أكثر من ثمانية مليون كتاب في مختلف العلوم.

ما زال قسم كبير من العلماء يحرم التبرع بالأعضاء بعد الوفاة

​​انطلق رجال الدين في خطهم الذي يمتاز بتحريم كل جديد أو دخيل على الأمة، فحرموا الحقنة الطبية لفترة من الزمن وذلك لأنها تحقن الجسم بما ليس منه وأن في هذا تغييرا لخلق الله وأمره، وتلاعبا بجسد الإنسان.

ما هي إلا سنوات قليلة ليظهر ما يعرف بالتلفاز الذي وُصف بأنه جهاز خطير للغاية، فهو يدخل الغرباء إلى عقر دارك، ولك أن تتخيل خطورة هذا الجهاز الذي يمكن من خلاله التجسس عليك وعلى أهل بيتك ومحارمك، وبالتأكيد لن يسكت رجال الدين عن هذا مطلقا فاستخدموا سلاحهم الأزلي مجددا بالتحريم.

اقرأ للكاتب أيضا: المتدينون والاستبداد... الطريق إلى الإلحاد

وتستمر ظاهرة التحريم هذه، فيحرم العلماء ما يعرف بالدش أو المستقبل الفضائي والذي تظهر من خلاله أغلب وسائل الإعلام في العالم العربي من قنوات فضائية وغيرها. وأذكر في طفولتي قصة لإمام المسجد القريب من بيتنا حينما خطب خطبة عصماء بعد صلاة المغرب محذرا فيها من "ظاهرة الدشوش"، وقال وقلبه يعتصر حزنا وألما إنه عندما صعد إلى سطح المسجد ليصلح خللا ما حصل لمنارة المسجد فإذا به يجد عشرات الأطباق الفضائية على سطوح المنازل المجاورة للمسجد، وهذا قد أحزن قلبه وآلم روحه، فقرر أن يخطب بنا محذرا أن هذه الظاهرة قد توردنا المهالك، وطلب من الحضور التوبة والعودة إلى طريق الحق المستقيم.

ثم ما هي إلا سنوات وتتكشف الحقيقة الساطعة ويتراجع المشايخ وعلماء الدين عن تحريمهم لمستجدات الأمور، فبعد قرنين ونصف من تحريم الطابعة غير المشايخ رأيهم وانقلبوا على كل الأسباب الموجبة للتحريم، بل وأصبحوا يدعون إلى استخدام الطابعة لطباعة القرآن الكريم وكتب الشريعة والكتب الدعوية ويذكرون الناس بالأجر العظيم لمن يفعل هذا.

وما هي إلا سنوات حتى ينقلب العلماء على أنفسهم في تحريم الحقنة الطبية إلى السماح بها في حال الضرورة للعلاج. وما هي إلا سنوات قليلة ليجيزوا التلفاز ومن بعده القنوات الفضائية والدش بل وأصبح في فترة من الفترات لكل شيخ قناته الخاصة به.

دفع كثيرون حياتهم ثمنا لفتاوى تم التراجع عنها لاحقا

​​واليوم يغيّر كثير من العلماء ورجال الدين موقفه في قضية عيد الحب؛ فبعد تحريم الاحتفال به لسنوات طويلة وتحريم التعبير عن حبك لمن تحب في هذا اليوم تحديدا إلى جوازه واعتباره مناسبة اجتماعية. وبعد أن كان الاحتفال في هذا اليوم تقليدا للكفار واحتفالا بعيد لم يشرعه الله سبحانه وتعالى بات ظاهرة اجتماعية غير دينية.

السؤالان الأساسيان هنا: لماذا وكيف؟ لماذا يحرم العلماء كل ما هو جديد ثم تنقلب الفتوى رأسا على عقب بعد سنوات قليلة؟ هل تنقصهم الحكمة مثلا أو بعد النظر؟ أم هل ينقصهم العلم الشرعي؟ أم أن المشكلة في منهجية الاستنباط وطريقة الحكم على الأشياء؟ أم أن لهذه الفتاوى بعد سياسي؟ كل هذه الأسباب مجتمعة شكلت هذه الظاهرة بالإضافة إلى الخوف من كل جديد وعدم الاستعانة بالمتخصصين وآرائهم في تلك القضايا.

اقرأ للكاتب أيضا: دربكة الانسحاب الأميركي من سوريا

وهناك قضايا كثيرة ما زالت قيد النقاش ومن أهمها قضية التبرع بالأعضاء بعد الوفاة فما زال قسم كبير من العلماء يحرم هذا بالرغم من أن فعلا كهذا قد ينقذ حياة إنسان من الموت المحتم في بعض الأحيان، وقد يخفف معاناة كثير من المرضى. الحجة هنا، أن الإنسان لا يملك جسده وإنما هو هبة من الله له في هذه الحياة الدنيا وهو لا يملك التصرف به، وهذه حجة واهية وضعيفة وأعتقد أنهم سينقلبون على أنفسهم بعد سنوات قليلة ليبيحوا هذا الفعل بل ويضعوه في مرتبة المستحب والعمل الحسن.

لقد دفع كثيرون حياتهم ثمنا لفتاوى تم التراجع عنها، فهل سيعدل رجال الدين من آليات عملهم، بحيث يضمنون عدم وقوع ضحايا لفتاوى يتم التراجع عنها لاحقا؟ فلنتخيّل كم شخص فقد حياته بسبب فتوى منع التبرع بالأعضاء.

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟