قطريات في سوق واقف في الدوحة (أرشيف)
قطريات في سوق واقف في الدوحة (أرشيف)

عمران سلمان/

ليس من عادتي أن أكتب عن المشاحنات بين الدول. لكن ما أثارني مؤخرا أن قناة الجزيرة، ومن خلفها قطر، لم تجد ما تهاجم به ولي عهد الإمارات الشيخ محمد بن زايد سوى أنه يتقرب من العلمانيين والمتصوفة في مواجهة الجماعات الإرهابية والإخوان المسلمين.

قطر تدعم التطرف والإرهاب؟

حسنا ربما علينا أن نفتح ملف قطر التي لا تزال تدين بالمذهب الوهابي لنرى أين تقف ومن ثم نرى هل يحق لها انتقاد الآخرين.

نشرت وزارة التعليم القطرية مؤخرا على موقعها الإلكتروني منهج التربية الإسلامية للتلاميذ من الصف السابع إلى الحادي عشر. تضمن هذا المنهج إساءات للمسيحيين واليهود والبوذيين وغيرهم من غير المسلمين.

العالم العربي يكاد أن يصبح اليوم فريسة للإسلام المتشدد

​​فقد اعتبرت أن "الغدر والخيانة من صفات اليهود على مرّ الأزمان" وأن "الصفة الملازمة لليهود في سائر الأوقات والأزمان هي الضعف والجبن". أما بالنسبة للمسيحيين "فإن ديانتهم محرّفة وأن الاختلافات بين الأناجيل هي دليل على أنها ليست من عند الله".

كما حرضت على تكفير وقتل العلمانيين حيث تشير إلى "أن العلمانية ضد الإسلام وكل ما ورد في العلمانية بعيد كل البعد عما ورد في كتاب الله تعالى وسنة نبيه منهجا ودستورا للحكم، وتفضيلها على الإسلام فيه كفر صريح بدين الله".

اقرأ للكاتب أيضا: الهويات والعصبيات المؤذية

وتشجع وزارة التعليم القطرية التلاميذ على الجهاد والإرهاب حيث ذكرت "أن الجهاد في سبيل الإسلام لتحقيق العدل في العالم". "ومن صور الجهاد: الجهاد بالنفس، أي المشاركة في قتال الكفار".

كما تشير إلى أن من الدروس المستفادة من الآيات الكريمة "فضل المجاهدين في سبيل الله".

مناهج قطرية تحريضية

هذه هي مناهج التعليم القطرية، إساءة وتحريض من جهة على أتباع الديانات الأخرى، ومن جهة أخرى تشجيع على العنف والإرهاب. وقطر تلم بين ظهرانيها الإرهابيين وشذاذ الآفاق من الإخوان وأفراد التنظيمات المتشددة ثم تتهم الإمارات بالاحتفاء بالصوفيين والعلمانيين.

كنا نتمنى لو أن قطر تكون هي من تحتضن العلمانيين والمتصوفة بدلا من هؤلاء الذين يسعون في الأرض العربية فسادا وخرابا.

لكن المشكلة أن الحكومة القطرية وضعت منذ البداية بيضها كله في سلة هذه التنظيمات حتى أصبحت رهينة لها ولم تعد قادرة على الخروج من هذا المأزق.

وقد سخرت وسائل إعلام كقاعدة ارتكاز للتنظيمات المتطرفة لبث السموم والأراجيف ضد الأفكار التنويرية والحركات الإصلاحية في العالم العربي.

هذا يعني أن قطر تعلنها واضحة أنها مع الإخوان المسلمين ومع التحالف مع الإسلام المتشدد في المنطقة. وعلى الدول الأخرى أن تتصرف على هذا النحو.

على العالم العربي التحرك

والأغرب بعد ذلك أن قطر تنتقد الشيخ محمد بن زايد على رعايته للمتصوفة والإصلاحيين. ورغم أن الإمارات لا تدعي بأنها الدولة النموذجية في المنطقة، إلا أن استقطابها لشيوخ التصوف والإسلام المعتدل يدل على أنها تسعى إلى خلق نموذج صحي في العالم العربي.

وتشجع وزارة التعليم القطرية التلاميذ على الجهاد والإرهاب

​​فالعالم العربي يكاد أن يصبح اليوم فريسة للإسلام المتشدد. فهناك من جهة إيران التي تدعم الاسلام الشيعي المتطرف، وهناك من جهة أخرى تركيا وقطر اللتان تدعمان الإخوان المسلمين والإسلام السني المتطرف.

اقرأ للكاتب أيضا: احتجاجات السودان وصاحب 'الرسالة الثانية من الإسلام'

ومحاولات الإمارات التي تسعى إلى إيجاد بديل عن هذين التشددين هي أمر ينبغي أن يحظى بالإشادة والترحيب. بل ينبغي على العالم العربي نفسه أن يتحرك في هذا الاتجاه ويساهم في دعم التوجه الإماراتي وممارسة المزيد من الضغوط على قطر للتخلي عن دعمها للجماعات الإرهابية والمتشددة وخاصة الإخوان المسلمين؛ والعمل على إشاعة ثقافة التسامح واحترام حقوق الإنسان في جميع الدول العربية لكونها أساس تطور هذه المجتمعات.

إن الضغوط في هذا الاتجاه هي أبسط ما يمكن القيام به من أجل حماية الأمن والاستقرار في الدول العربية.

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.
الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.

على مدى ربع قرن، كان لي شرف الكتابة في جريدة "الحياة"، يوم كانت واجهة الصحافة العربية المطبوعة العابرة للدول والقارات. سواء جاءت نهايتها لأفول الجريدة الورقية كوسيلة توزيع للمعلومة والفكر، أو لأخطاء على درب إدارتها، فإن "الحياة" قد أسلمت الروح، ومعها النمط الذي اعتاد عليه جيلها في قراءة الخبر والتحليل والرأي.

بدا يومها أن الزمن الذي كانت كانت فيه نشرات الأخبار، الإذاعية والمرئية، تمهيداً لقراءة المادة المكتوبة الموسعة في جريدة الصباح قد ولّى، وأصبح بالإمكان، عبر الشاشات والشبكات المعلوماتية، الاستفاضة بالحصول على المضمون الموسّع والمعمّق دون تأخير.

ومع المزيد من التطور في التقنيات، أضحى جليًا بأن طلب المضمون وتلقيه ينتقل ليس من الطباعة إلى الشاشة وحسب، بل، في انقلاب في أدوار الخادم والمخدوم، من الكلمة المكتوبة إلى أشكال جديدة للكلمة المسموعة والمرئية، تأتي بدورها في ارتباط وثيق بالصورة البيانية أو التعبيرية، وتتولى مهمة التعليق عليها.

فيما يقترب من الإجماع، القناعة اليوم هي أن المضمون المصور، ولا سيما بالصيغة النشطة التي تحاكي مخيلة الاستيعاب، هو السبيل الأكثر فعالية للتواصل مع المتلقي. والانتقال المتحقق إليه ليس الأول على مدى التاريخ الإنساني. سبق هذا الانتقال حالات عديدة، منها ما أسفر عن تحولات كمّية كبيرة في انتشار المضمون، مثل الانتقال من المخطوط إلى المطبوع، ثم أن التراكم الكمي استحال بدوره تحولات نوعية عميقة. ومنها، قبلها، ما هو أساس الحضارة، أي الانتقال من الشفهي إلى المكتوب.

الانتقال الأخير جاء قابلاً للتحقق نتيجة التطور الكبير في تقنيات المعلومات طبعاً، وأثره البالغ على الإنتاج والتوزيع والاستهلاك في المجال المعرفي كما في سائر المجالات. المقارنة هنا غالباً ما تكون مع الثورة الصناعية. ربما هي كذلك في أكثر من مجتمع وسياق، غير أن الواقع الجديد في المحيط العربي يقترب ببعض أوجهه من أن يكون أشبه بأحوال ما بعد الكارثة الطبيعية منه بنتائج الثورة الصناعية.

البنى التي انهارت لم تكن الصحافة المطبوعة وحدها. فالمتضرر الأول كان الكتاب. نعم، ثمة تعارض في تحقق الفائدة والضرر بين دور النشر ومعها المؤلفين من جهة، والقارئ من جهة أخرى، إذ توفرّت له بين ما يشبه الليلة وضحاها مكتبات بكاملها، بصيغة رقمية أعيد إدخالها، أي عرضة لكمّ كبير من الأخطاء في مرحلة أولى، ثم بصيغة مصوّرة تحاكي الكتاب المطبوع بإخلاص، وصولاً إلى إقدام المكتبات الجامعية بنفسها على وضع مقتنياتها على الشبكة، ليصبح القارئ قادراً على الاطمئنان إلى الكتاب في سنده ومتنه ومصدره.

لكن في مقابل سعادة القارئ، تعرقلت نظم الموازنة بين الانتاج الفكري والتعويضات المالية للمؤلف والناشر. ومع غياب إمكانية الحصر والضبط وضمان حقوق النشر، خسر الكتاب صدارته كالوسيلة الأولى لصياغة الفكر. بالأمس كان جديد الكتب موضع اهتمام "خاصّة" فكرية وحدها لها إطار التداول. مع الواقع الجديد، مواد التداول وأطره أصبحت لا تحصى، وما كان للخاصة الفكرية لم يعد حصراً عليها. لمن هو منها أن يعترض في مفاضلة مستمرة بين الرفيع والوضيع، الراقي والمتردي، وهو قد فعل ولا يزال، ولكن اعتراضه ضائع في ضوضاء حقيقة غلبة "العامة" وتفضيلاتها وخياراتها، وإن استحالت ساحات متباعدة وفرق متناحرة، على "خاصّة" لم تعد كذلك، بل أمست واحدة من عدة. وفي هذه الفوضى، لم يجد الفكر العربي معادلة الاستقرار بعد، وإن كانت تشكيلات عدّة تتنافس للمنصب.

ربما أن "من زاوية أخرى" كانت محاولة صمود من جانب الكلمة المكتوبة. في هيئتها المقاوِمة هذه، الكلمة المكتوبة ليست مطبوعة على ورق، بل مقروءة على الشاشة، ويصاحبها ويعززها التفاعل، في موقع النشر نفسه ثم عبر منصات التواصل الاجتماعي، ولمقالات مختارة من خلال إبرازها ومناقشتها إذاعياً، أي بتحويلها إلى مادة مسموعة، ومن بعد كل هذا من خلال التقاطها وإعادة نشرها في مواقع أخرى.

ولكن، هل كان الأمر وحسب صمود يائس في وجه المحتَّم؟ الجواب يبدو بالإيجاب إذا كان الحكم على هذه المحاولة مبنياً على المعايير الكمية السائدة في التواصل الاجتماعي. أعداد المشاهدات منخفضة، لا ترتفع إلا في بعض المواضيع ذات الطبيعة الآنية أو السجالية. تعليقات يغلب عليها الحكم المتسرع أو الرأي المعلّب، وصولاً إلى الشتائم والابتذال. بل يكتفي العديد من "المعلّقين" بالاطلاع على الاقتباس الهادف إلى دعوتهم إلى قراءة المقال، دون قراءته، قبل التكرّم بالآراء القطعية الصارمة. ما فائدة هذا المجهود إذا كان لا يتعدى في نتيجته تكرار ما يحدث في طرف نائٍ من أطراف عالم التواصل الاجتماعي؟

غير أن هذه المعايير قد لا تكون هي الصالحة لاعتبار التجربة. بعض ما استوعبته هذه التجربة يندرج بالفعل في إطار السجال ومجاراة الأخبار، وبعضها الآخر ربما يحظى بطابع أقل ارتباطاً بالآني. ولكن المجموع، على اختلاف مكوناته، شكّل نقطة مرجعية لعدد غير قليل من المسؤولين عن صياغة القرار والرأي في مواقع متقدمة. قد يصعب إثبات هذا الزعم بالأرقام، ولكنه كان حقيقة ملموسة لي شخصياً ولغيري من الزملاء، بما ساهم بتحمل الضجيج في التعليقات.

غروب "من زاوية أخرى" هو بالتالي خسارة، وإن اقتضه حسابات المؤسسة، وإشعار إضافي بما تواجهه الكلمة المكتوبة الرصينة من تحديات. كل الشكر والاحترام للإداريين والمحررين المتعاقبين على المسؤولية عن صفحة "من زاوية أخرى" على مدى أعوامها، وكل المودة والتقدير لكافة الزملاء، إذ حافظوا على أهمية الرأي الملتزم باحترام كلام الآخر وعقل القارئ، في واقع فكري معاصر يطفح بالأهوائيات والعصبيات والاستعلائيات، ولا سيما منهم من قرأ مادة نقدية وجهتُها إليه وأجاب بما أثرى النقاش، وأخيراً لا آخراً بالتأكيد، فائق الامتنان والإجلال لكل قارئ قرأ، سواء اتفق مع الرأي المطروح أو اختلف معه.

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.