تظاهرات في العاصمة الأردنية ضد قانون الضريبة (أرشيف)
تظاهرات في العاصمة الأردنية ضد قانون الضريبة (أرشيف)

داود كتّاب/

أثار تراجع مجلس النواب الأردني عن إعفاء محرري الشيكات المتعثرة الانزعاج للعديد من العائلات الأردنية التي كانت تأمل أن يتم الإفراج عن أبنائها وبناتها لكي يستطيعوا العمل وتسديد ديونهم وتوفير لقمة العيش لعائلاتهم.

إن سجن من يكتب شيك بدون رصيد عقاب مجحف، وتدخل من قبل الحكومة في أمر يخص طرفين مدنيين ومن المفترض أن يتحمل من يقبل بالشيكات بدلا من الكاش مخاطر إمكانية التأخر أو حتى الخسارة، كما يقبل من يشتري أسهما أو يستثمر في مشروع ما إمكانية الربح والخسارة.

التعامل الحضاري يفرض على الجميع التفكير بصورة جديدة خارج عملية السجن

​​تفيد المعلومات الرسمية بأن هناك حوالي 180 ألف شخص في الأردن قدموا شيكات متعثرة. ومن المعروف أن سجن كل شخص لا يسدد قيمة الشيك يكلف الدولة الأردنية أموالا، بدل عمل المحاكم، كما يكلفها كل نزيل في السجن نحو 700 دينار أردني (ألف دولار تقريبا) شهريا، إلى جانب خسارة المسجون عمله مما يفقده ويفقد عائلته والاقتصاد المحلي الدخل الذي كان سيوفره للاقتصاد لو بقي خارج السجن.

يقول مسؤول بنكي مهم في الأردن إن مشكلة الشيكات ليست المرض بل هي العارض، وأكّد لي أن المرض الحقيقي الذي يكبل الاقتصاد الأردني هو الاقتصاد غير الرسمي، الذي يشكل نسبة كبيرة من عمليات التهرب الضريبي، كما أن غياب العلنية الاقتصادية تعني صعوبة وضع آليات لتوفير معلومات ائتمانية صادقة، وهو الأمر الذي شجع على خلق ثقافة الشيكات المتأخرة، التي يرتاح لها التجار لأن الحكومة تشارك التجار في حمايتهم من خلال سجن من يكتب شيكا بدون رصيد. فالشركات والتجار يلجأون للشيكات لأنها ضامن لحقوقهم.

اقرأ للكاتب أيضا: هل سيشكل الإنجيليون العرب جسرا مع الغرب؟

يفيد منتدى الاستراتيجيات الأردني بأن الاقتصاد غير الرسمي في الأردن وصل عام 2015 إلى 15.1% أي أنه يكلف خزينة الدولة حوالي 600 مليون دينار من إيرادات ضائعة.

ينتج عن الاقتصاد غير الرسمي عدم تكافؤ بين المواطنين، فالذي يعمل بشكل رسمي ويدفع الضرائب يتحمل أكثر بكثير من الشركات التي تعمل بدفتري حسابات وتعلن رسميا عن ربح بسيط سنويا في حين أنها تدر أرباح أكثر بكثير ولا تدفع ضرائب عن هذه الأرباح.

ويشتكي أصحاب ومساهمون كبار في البنوك من الضرائب الخيالية على بنوك الأردن التي وصلت إلى 38% وهي من أعلى الضرائب البنكية في العالم العربي وقد تكون أعلاها عالمية. ويرى هؤلاء أن هذه الضريبة العالية تخلق فجوة كبيرة فيما يتعلق بهامش الفائدة بين نسبة الودائع ونسبة الإقراض العالية.

لا شك أن الانتهاء من الاقتصاد غير الرسمي صعب جدا حيث تتخوف الشركات من الإعلان العلني عن وضعها الحقيقي لأنه ذلك يجبرها على دفع ضرائب عن السنوات السابقة. وحسب المصدر البنكي فإن الحل الجذري للمشكلة هو عفو اقتصادي عام يتضمن إعفاء ضريبيا عن الفترات الماضية لكل شخص أو شركة توافق على الخروج من الاقتصاد غير الرسمي بشرط التعهد بالعمل العلني مع دفع المستحقات الضريبية من الآن فصاعدا.

وبالتزامن مع ذلك الإعفاء فإن الأردن بحاجة إلى قانون ضريبة عصري وبسيط ينهي فكرة التقدير لموظفي الضريبة ويتعامل مع الجميع على أساس الفاتورة تاركا التدخل من قبل مقدري الضريبة لحالات الاستثناء وعند الشك بحصول الغش بدل أن تكون عمليات التقدير هي القاعدة.

لقد طور اقتصاديو العالم آليات لفحص الوضع المالي والتاريخ الائتماني للمواطنين والمبنية على كيفية تعامل الشخص مع مواضيع سداد الديون ودفع مخصصات البنوك وتسديد بطاقات الائتمان وامتلاك العقارات والأراضي وغيرها من الوسائل التي يمكن جمعها في آلية دقيقة مبنية على معلومات مالية حقيقية تقدم مؤشرا رقميا لقوة أو ضعف قدرة الشخص على تسديد الدين.

إن تطبيق مؤشر الائتمان وتوسيع عمله خارج منظومة البنوك سيؤثر على المواطن ويقلل من التهرب من سداد ديونه. ففي كل مرة يتأخر مدين عن دفع بدل الدين فإن ذلك سيخفض من رقمه في المؤشر ما سيعني أنه لن يستطيع الحصول على قرض لشراء سيارة أو استئجار منزل أو أي سلعة بالدين، لكن الأمر سيعفي الدولة من سجن المتخلفين عن الدفع وهو أمر مشين وغير مفيد ويعطل قدرة الشخص على سداد دينه.

الأردن بحاجة إلى قانون ضريبة عصري وبسيط ينهي فكرة التقدير لموظفي الضريبة

​​الديون الشخصية عملية بين طرفين مدنيين وعلى الدولة الأردنية الخروج من هذه المعادلة من خلال توفير آلية دقيقة وصادقة توفر لمن يرغب بمعرفة قدرة من يتقدم بطلب دين على الدفع وفي حال التخلف من حق الدائن الذهاب للمحاكم وتحصيل قرار بحجز أملاك وأراض وغير ذلك من ممتلكات الدائن المتخلف عن الدفع.

إن حبس أصحاب الشيكات المتعثرة عقاب غير منطقي وغير إنساني ولا يطبق في أي دولة متحضرة وحرّة في العالم، وأعتقد أن على الحكومة والقطاع الخاص العمل معا على تطوير آليات ومؤشرات ائتمانية توفر لمن يرغب معرفة الوضع الائتماني لأي شخص أو شركة قبل الموافقة على قبول الشيكات متأخرة.

اقرأ للكاتب أيضا: فلسطين تحتاج إلى أكثر من حكومة جديدة

التعامل الحضاري يفرض على الجميع التفكير بصورة جديدة خارج عملية السجن والعقاب غير المنطقي وغير المفيد لمن يتخلف عن الدفع. إن التأسيس والعمل على مؤشر دين مبني على الرقم الوطني أو أي رقم شخصي آخر سيساعد الجميع على تجاوز مشكلة عدم معرفة المخاطر المبنية على استلام شيكات متأخرة أو غير ذلك من أنواع الاقتراض.

قد يكون الحل في تطوير وتوسيع خدمات "شركة كريف" للاستعلامات الائتمانية أو خلق شركة أخرى تقدم الخدمات المطلوبة. ولكن ما لا شك فيه أن إدخال مؤشر الدين سيساعد كثيرا في تحريك العجلة الاقتصادية وإخراج الأموال المخبأة تحت البلاطة إلى الاقتصاد الوطني ما سيوفر العمل ويحسن البيئة الاقتصادية، الأمر الذي سيشكل فائدة للجميع وسيوفر للصادقين في سداد ديونهم القدرة على الاقتراض المستمر ما دام مؤشر ائتمانهم مرتفعا.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"
يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"

كأنّ هناك عقلًا واحدًا يتحكّم بصانعي الفوضى في العالم، اذ إنّ هؤلاء لا يجدون سوى وصفة واحدة لإحلال السلام: الاستسلام لهم!

ومن يدقق بالعبارات التي يستعملها صانعو الفوضى في العالم، يتفاجأ بأدبيّات موحّدة، فالقيادة الروسية بزعامة فلاديمير بوتين تحمّل الغرب مسؤوليّة دخول حربها على أوكرانيا عامها الثاني، لأنّ هذا الغرب يزوّد أوكرانيا بمقوّمات الصمود العسكري والإنساني، مما يحول دون استسلامها.

بالنسبة للقيادة الروسيّة: السلام مستحيل، والتصعيد ضرورة، والدمار واجب، والقتل حتمي، طالما أنها عاجزة عن تحقيق أهدافها المعلنة في أوكرانيا، فالطريق إلى السلام قصير جدًا، إذا سارت كييف بشروط موسكو.

هذه العقلية الروسيّة لا تعير أيّ اهتمام للقانون الدولي وللسيادة الوطنية وللمصالح الإقليمية وللسلم الدولي ولموازين القوى، فهي إمّا تنتصر وإمّا تفني العالم، من خلال رفع مستوى التهديد باللجوء إلى احتياطاتها الخطرة من الرؤوس النووية.

وثمّة دول مستفيدة من هذا الانحراف الروسي، فالصين التي تنافس الولايات المتحدة الأميركية على زعامة العالم، تجد في القيادة الروسيّة ضالتها، إذ إنّ هوسها بالانتصار المستحيل سوف يوهن موسكو ويلحقها ببكين، وسوف يضعف الاتحاد الأوروبي ويبعده عن دائرة التأثير في صناعة موازين القوى الاستراتيجية في المستقبل.

ولكنّ دون هذا الهوس الروسي من جهة أولى وهذا الهدف الصيني، من جهة ثانية، يقف وعي غربي جماعي، إذ اكتشفت دوله أنّ تعاضدها ووقوفها في صف واحد مع الولايات المتحدة الأميركية، وحده كفيل بتوفير مستقبل سيادي لها ولشعوبها.

قبل الغزو الروسي لأوكرانيا، كان الغرب شبه مفتّت ووحدته شبه متفسّخة، إذ كانت المصالح الاقتصاديّة تتقدّم على كل المخاوف الاستراتيجية.

بعد الغزو الروسي، وفي ظل القراءة العميقة للأداء الروسي، اختلفت الأحوال، إذ إنّ الوقاية من مخاطر المستقبل تمرّ بتوفير الشروط اللازمة للحيلولة دون استسلام أوكرانيا، بصفتها بوابة أوروبا،  أمام "الدب الروسي" الذي سوف يسلّم نفسه والآخرين لمشيئة "التنّين الصيني".

ومن روسيا ننتقل مباشرة إلى لبنان، حيث منطق "حزب الله" لا يختلف بشيء عن منطق "حزب الكرملين".

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"، وفق "تكليف" صادر عن المرشد الاعلى علي خامنئي، وذلك خلافًا لإرادة سائر القوى السياسية التي تريد أن يعود لبنان عنصرًا فاعلًا في محيطه العربي وفي بعده الدولي.

ولهذا يسعى "حزب الله" إلى أن يفرض رئيس الجمهورية الذي يناسب مخططه، وهو من أجل تحقيق ذلك يترك البلاد لقمة سائغة في فمّ الفراغ المنتتج للفوضى وللفقر وللجوع.

وكالعادة  لا  يتحمّل "حزب الله" تبعة ما يقدم عليه، بل يلقيه على عاتق من يتصدّى لمخططاته، وهو، من أجل إعطاء صدقية لمقولات "الهروب إلى الأمام"، يقحم الولايات المتحدة الأميركية ويهددها بفوضى تشمل كل المنطقة.

ولسان "حزب الله" يقول: هاتوا الرئيس الذي نريد  ويحقق لنا ما نرغب به فنعفيكم من الفوضى والكوارث!

وترفض غالبية اللبنانيين الرئيس الذي يصرّ عليه "حزب الله"، وتطرح عليه حلولًا وسطًا، لكنّ الحزب يرفض ذلك، على قاعدة: استسلموا تسلموا!

صحيح أنّ القوى التي ترفض الرضوخ لـ"حزب الله" ليست أوكرانيا والقوى الخارجية المؤيّدة لها لا تفتح أمامها مخازن السلاح وخزائن المال، ولكنّ الصحيح أيضًا أنّ من بيدهم القدرة على انتشال لبنان من جحيمه يقولون للبنانيّين: إذا استسلمتم لإرادة "حزب الله" لا تهرعوا علينا، فنحن لن نساعد دولة تضع إمكاناتها في مساعدة أعدائنا.

وكما تعرض روسيا الاستسلام لتوقف حربها في أوكرانيا كذلك يعرض "حزب الله" الاستسلام على سائر اللبنانّيين حتى لا يوقعهم أكثر في الفوضى والجوع.

المشكلة مع هذا المحور الذي يعاني منه السوريون واليمنيون والعراقيون والإيرانيون أنّه يعرض عليك الحياة لينتزع منك…الحياة!