الملك عبدالله
الملك عبدالله

نضال منصور/

احتفل الأردن بالعشرية الثانية لتسلم الملك عبد الله الثاني سلطاته الدستورية. ففي السابع من شهر شباط/فبراير عام 1999 رحل الملك الحسين بعد أن حكم البلاد 47 عاما، وتقلد الملك عبد الله زمام السلطة بعد جنازة مهيبة سُميت "جنازة العصر" للملك الراحل.

مرت 20 عاما على تسلم الملك عبد الله الثاني لسلطاته الدستورية، وبالتأكيد لم تكن سهلة من عمر الأردن، فالملك الشاب الذي تسلم الحُكم بشكل مفاجئ بعد مرض الملك حسين وقراره عزل شقيقه الأمير الحسن من ولاية العهد بعد 34 سنة، وإسناد هذه الولاية لنجله الأكبر كانت محطة مثيرة في تاريخ البلاد.

منذ ذلك الحين وحتى هذا اليوم تغير الملك وغيّر في السنوات العشرين من حُكمه؛ فهو حتما ليس أبيه، ليس لأنه لا يريد أن يكون كذلك، ولكنها حقبة مختلفة بأحداثها وتداعياتها ورجالاتها.

ما يحتاج الملك أن يشرع في إنجازه ببداية عشريته الثالثة أن يُظهر إرادة سياسية حاسمة للتغيير

​​طوال العقود الماضية من عمر المملكة الأردنية الهاشمية ظلت تقف على الحافة تقاوم الضغوط، وتنحت في صخر التحديات، لتحافظ على كيانها وسط تجاذبات ومؤامرات إقليمية ودولية. وفي الأعوام العشرين من عمر "المملكة الرابعة" في عهد الملك عبد الله الثاني ظل الأردن في عين العاصفة، ورغم الصعوبات السياسية والاقتصادية الخانقة فقد نجحت عمان في النجاة من التحولات التي عصفت في بعض دول الإقليم وكان آخرها ما سُمي "الربيع العربي" وتسبب في حروب، وصراعات أهلية، وانهيار للسلم الأهلي.

♦♦♦

عودة بالتاريخ إلى عام 1999 وما تلاه ترى ذلك شاخصا، وتكشف بجلاء أن الملك الشاب اكتسب خبرات سياسية جعلته لاعبا أساسيا في مسرح الأحداث بالشرق الأوسط، ومكنته أن يتعايش مع العواصف ويُفلت منها، وأول الاختبارات بعد عامين من حُكمه كانت كارثة أحداث أيلول/سبتمبر 2001 الإرهابية التي استهدفت أميركا، وضربت شظاياها العالم كله، وخلقت التحول الدراماتيكي لما سُمي "الحرب على الإرهاب"، وألصقت بالعرب والمسلمين تهمة "الإرهاب" في أعين الجمهور الغربي. وكانت الشرارة التي اندلعت بعدها حربي أفغانستان والعراق، ونقطة التحول في بناء التحالفات وخاصة مع العالم العربي، وربط الدعم والمساندة بأجندة مكافحة الإرهاب.

اقرأ للكاتب أيضا: 'مافيا' الفساد في العالم العربي

كان الملك عبد الله عند وقوع أحداث أيلول/سبتمبر في طائرته فوق الأطلسي متوجها إلى واشنطن، وحين تواترت الأنباء استدار عائدا إلى عمان، فالولايات المتحدة الأميركية تعيش حالة طوارئ، وأسوأ كابوس شهدته في تاريخها المعاصر، حينها تكلمت مع السفير الأردني في واشنطن الوزير الأسبق مروان المعشر ليكون أول المحذرين بأن ما حدث سيعيد القضايا العربية عقودا إلى الوراء.

أحداث أيلول/سبتمبر عززت دور الحليف الأردني عند واشنطن، وزعزعت علاقات تاريخية مع بعض العواصم العربية بذات الوقت، ولم يكن هذا سياقا منفصلا، فالرئيس الأميركي الأسبق كلينتون كشف في احتفالية العالم بالألفية عن دور الاستخبارات (المخابرات) الأردنية في مساعدة واشنطن في مكافحة الإرهاب، وإفشال عمليات إرهابية استهدفتها.

العلاقات الاستراتيجية بين واشنطن وعمّان والتي رسخها الملك الحسين تنامت وتعاظمت إبان عهد الملك عبد الله الثاني، وأصبح الملك الأردني الشريك الرئيس للإدارات الأميركية المتتالية ـ وإن مرت فترات صعبة ـ وبات الأردن "البوابة" لكثير من الزعماء العرب للعبور وكسب ود واشنطن.

قبل أن تهدأ عاصفة المواجهة مع الإرهاب، وقبل أن يتنفس الأردن الصعداء، وبُعيد ترتيب أوراقه في العهد الملكي الجديد، كانت الحرب لإسقاط الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين تدق طبولها عام 2003، وكانت المخاوف والهواجس في عمان على أشدها، وصارت عمان "خلية" يحج لها كل الإعلاميين ترقبا للحرب، ولحدث سيغير معالم المنطقة برمتها. وكان الديوان الملكي يتحسب لمعركة على حدوده سيكون لها تبعات وتأثيرات سياسية واقتصادية على الأردن، فبغداد كانت شريان اقتصادي للأردن.

كنت من صحافيين قلائل اجتمع بهم وزير البلاط الملكي فيصل الفايز بحضور أمين عام الديوان سمير الرفاعي، ومديرة الإعلام الدكتورة سيما بحوث قبيل بدء الحرب، وكان السؤال الهاجس؛ كيف نتعامل مع الحرب إن وقعت بأقل قدر من الكلف السياسية؟ وما هو موقف الإعلام الأردني، وكيف سيتعامل؟ وفي ذاكرة هؤلاء جميعا الموقف الأردني عام 1990 حين احتل صدام الكويت، واعتُبر الأردن مؤيدا للاحتلال رغم مساعيه لأن يكون الحل عربيا، دون التورط بمغامرات عسكرية.

الهدف من اللقاء كان التفاهم مع الإعلام على تبني مواقف محايدة أو على الأقل غير معادية، ولا تعيد تكرار التجربة واتهام الصحافة الأردنية بأنها "بعثية" الولاء و"صدّامية" الهوى، وواقع الحال أن الإعلام كان أكثر "انضباطا" وأقل جنوحا في تغطياته، وبالاتجاه الآخر كان المجتمع الدولي حتى دول الخليج أكثر تفهما للموقف الأردني، فأكثر من عقد من الزمان كانت كافية لتجاوز أزمة احتلال الكويت، والخروج من تصنيف "دول الضد"، ولهذا فقد تغاضت أجهزة الاستخبارات الدولية عن عمليات نقل النفط العراقي للأردن رغم الحصار، والطوق الأمني، والحدود المراقبة والملتهبة بين عمان وبغداد.

سقط نظام صدام وتمكن الأردن من إقامة علاقات متميزة مع الحُكم في بغداد، وخاصة عندما تولى إياد علاوي رئاسة الحكومة في العراق، وكان الملك عبد الله أول زعيم تحط طائرته في بغداد عام 2006.

♦♦♦

نجح الملك عبد الله رغم التحديات الاقتصادية في بناء "شبكة أمان" في علاقاته الدولية، وتجنب سياسة الأحلاف والاستقطاب الإقليمي التي سادت في عهد الملك الراحل، وباتت المعادلة واضحة "تصفير" الخصوم، فالعلاقات مع بغداد ودمشق متوازنة، وتحسنت بشكل ملحوظ في بدايات عهد الرئيس بشار الأسد، وظلت العلاقات مع بغداد خارج سياق التصعيد، واحتفظ الأردن بعلاقات متينة مع القاهرة دون منازعتها لدورها الريادي العربي، وفُتحت العلاقات على أوسع الأبواب مع الخليج وخاصة الرياض، وابتعد الأردن عن منازعة منظمة التحرير الفلسطينية على تمثيلها ودورها.

الملف المقلق كان العلاقة مع إسرائيل، فعملية السلام لم تشهد في عهد الملك عبد الله صعودا، بل تعرضت لانتكاسات متتالية، ومع تزايد تغول اليمين الإسرائيلي على السلطة، واستخفاف الحكومات الإسرائيلية بالخطوط الحمراء الأردنية في فلسطين، مثل الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، وتجاهل قضية اللاجئين، والتوسع في الاستيطان، وأكثر من ذلك ترويج بعص القادة الإسرائيليين إلى أن الأردن هو المكان الطبيعي للدولة الفلسطينية، كل ذلك ساهم في إذكاء حالة التوتر، وزاد من حدتها التستر الأميركي وغض النظر عن السياسات الإسرائيلية المتطرفة.

تدهور العلاقات الأردنية ـ الإسرائيلية لا يُشكل عبئا شعبيا على النظام الأردني، بل يلقى تشجيعا وترحيبا من المواطنين، وربما استخدمت إسرائيل هذا الجمود والبرود مع عمان لممارسة ضغوط عليها عبر واشنطن.

♦♦♦

المحطة الأكثر مفصلية في العقدين من حُكم الملك كانت التحولات في عام 2011 إبان "الربيع العربي"، وتداعي وسقوط الأنظمة حول عمان.

كانت المعادلات السياسية صعبة، والغموض سيد المشهد، والأسئلة عن ضلوع وتدخل غربي لإحداث تغييرات جذرية في بنية النظام العربي تتردد، والكلام عن انحياز لتيارات الإسلام السياسي للصعود للسلطة حاضرة وتُسمع بقوة.

يواجه الحُكم تحد ما بعد "الربيع العربي" فالناس ما عادت تسكت، والدولة "الريعية" غير ممكنة في ظل شُح الموارد

​​ارتفع سقف الشعارات في عمان، وعمت التظاهرات، وارتفعت الدعوات لعصيان مدني، وقبل أن تخرج الأمور عن السيطرة كان الملك مبادرا لاستيعاب وتطويق مطالب الشارع، في تكرار لما فعله الملك الحسين حين انتزع فتيل "هبّة نيسان" عام 1989 فأعلن الانتخابات، وأعاد البرلمان، وألغى الأحكام العرفية.

لجنة الحوار الوطني التي ضمت كل أطراف "الطيف" السياسي كانت قارب النجاة للخروج من تداعيات الأزمة، وتهدئة الشارع، والتوصل لتفاهمات أفضت إلى تعديلات جوهرية على الدستور، كانت تُعد خطا أحمر قبيل ذلك الوقت.

خرج الأردن منتصرا من "الربيع العربي" دون نقطة دم، وأعاد النظام السياسي تجديد صورته وأدواته، وأدرك أن معركة الداخل هي الأهم والواجب كسبها وعدم خسارتها.

♦♦♦

مرت 20 عاما على حُكم الملك عبد الله الثاني، تغيرت خلالها أشياء كثيرة، وتناسلت أزمات داخلية استدعت تدخل الحُكم لتطويقها، وأحيانا اللجوء لاستبدال الحكومات لامتصاص حالة الغضب، وإطفاء الحرائق بعد تدهور الوضع المعيشي للناس، وتزايد الاتهامات بالفساد.

أكبر تحدّ يواجه الحُكم في الأردن أن الناس بعد "الربيع العربي" ما عادت تسكت، وأن الدولة الريعية ما عادت ممكنة في ظل شح الموارد، والحلول ليست سهلة، والفرج ليس بقريب.

اقرأ للكاتب أيضا: العلاقات الأردنية ـ الإسرائيلية على فوهة بركان

ما يحتاج الملك أن يَشرَع في إنجازه في بداية عشريته الثالثة، هو أن يُظهر الإرادة السياسية الحاسمة للتغيير في بلاده، فالناس التي تسمع خطاباته، وتعليماته، وتقرأ أوراقه النقاشية تعبت من الانتظار، وتريد أن ترى تطبيقا لمبادئ العدالة، وسيادة القانون، وصون الحريات العامة، وتكافؤ الفرص، ومكافحة الفساد، وأثرا للمشاريع الاقتصادية التي كثر الحديث عنها دون نتائج.

باختصار يريدون دولة بوصلتها واضحة، وإرادة ملكها في الإصلاح نافذة.

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.
الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.

على مدى ربع قرن، كان لي شرف الكتابة في جريدة "الحياة"، يوم كانت واجهة الصحافة العربية المطبوعة العابرة للدول والقارات. سواء جاءت نهايتها لأفول الجريدة الورقية كوسيلة توزيع للمعلومة والفكر، أو لأخطاء على درب إدارتها، فإن "الحياة" قد أسلمت الروح، ومعها النمط الذي اعتاد عليه جيلها في قراءة الخبر والتحليل والرأي.

بدا يومها أن الزمن الذي كانت كانت فيه نشرات الأخبار، الإذاعية والمرئية، تمهيداً لقراءة المادة المكتوبة الموسعة في جريدة الصباح قد ولّى، وأصبح بالإمكان، عبر الشاشات والشبكات المعلوماتية، الاستفاضة بالحصول على المضمون الموسّع والمعمّق دون تأخير.

ومع المزيد من التطور في التقنيات، أضحى جليًا بأن طلب المضمون وتلقيه ينتقل ليس من الطباعة إلى الشاشة وحسب، بل، في انقلاب في أدوار الخادم والمخدوم، من الكلمة المكتوبة إلى أشكال جديدة للكلمة المسموعة والمرئية، تأتي بدورها في ارتباط وثيق بالصورة البيانية أو التعبيرية، وتتولى مهمة التعليق عليها.

فيما يقترب من الإجماع، القناعة اليوم هي أن المضمون المصور، ولا سيما بالصيغة النشطة التي تحاكي مخيلة الاستيعاب، هو السبيل الأكثر فعالية للتواصل مع المتلقي. والانتقال المتحقق إليه ليس الأول على مدى التاريخ الإنساني. سبق هذا الانتقال حالات عديدة، منها ما أسفر عن تحولات كمّية كبيرة في انتشار المضمون، مثل الانتقال من المخطوط إلى المطبوع، ثم أن التراكم الكمي استحال بدوره تحولات نوعية عميقة. ومنها، قبلها، ما هو أساس الحضارة، أي الانتقال من الشفهي إلى المكتوب.

الانتقال الأخير جاء قابلاً للتحقق نتيجة التطور الكبير في تقنيات المعلومات طبعاً، وأثره البالغ على الإنتاج والتوزيع والاستهلاك في المجال المعرفي كما في سائر المجالات. المقارنة هنا غالباً ما تكون مع الثورة الصناعية. ربما هي كذلك في أكثر من مجتمع وسياق، غير أن الواقع الجديد في المحيط العربي يقترب ببعض أوجهه من أن يكون أشبه بأحوال ما بعد الكارثة الطبيعية منه بنتائج الثورة الصناعية.

البنى التي انهارت لم تكن الصحافة المطبوعة وحدها. فالمتضرر الأول كان الكتاب. نعم، ثمة تعارض في تحقق الفائدة والضرر بين دور النشر ومعها المؤلفين من جهة، والقارئ من جهة أخرى، إذ توفرّت له بين ما يشبه الليلة وضحاها مكتبات بكاملها، بصيغة رقمية أعيد إدخالها، أي عرضة لكمّ كبير من الأخطاء في مرحلة أولى، ثم بصيغة مصوّرة تحاكي الكتاب المطبوع بإخلاص، وصولاً إلى إقدام المكتبات الجامعية بنفسها على وضع مقتنياتها على الشبكة، ليصبح القارئ قادراً على الاطمئنان إلى الكتاب في سنده ومتنه ومصدره.

لكن في مقابل سعادة القارئ، تعرقلت نظم الموازنة بين الانتاج الفكري والتعويضات المالية للمؤلف والناشر. ومع غياب إمكانية الحصر والضبط وضمان حقوق النشر، خسر الكتاب صدارته كالوسيلة الأولى لصياغة الفكر. بالأمس كان جديد الكتب موضع اهتمام "خاصّة" فكرية وحدها لها إطار التداول. مع الواقع الجديد، مواد التداول وأطره أصبحت لا تحصى، وما كان للخاصة الفكرية لم يعد حصراً عليها. لمن هو منها أن يعترض في مفاضلة مستمرة بين الرفيع والوضيع، الراقي والمتردي، وهو قد فعل ولا يزال، ولكن اعتراضه ضائع في ضوضاء حقيقة غلبة "العامة" وتفضيلاتها وخياراتها، وإن استحالت ساحات متباعدة وفرق متناحرة، على "خاصّة" لم تعد كذلك، بل أمست واحدة من عدة. وفي هذه الفوضى، لم يجد الفكر العربي معادلة الاستقرار بعد، وإن كانت تشكيلات عدّة تتنافس للمنصب.

ربما أن "من زاوية أخرى" كانت محاولة صمود من جانب الكلمة المكتوبة. في هيئتها المقاوِمة هذه، الكلمة المكتوبة ليست مطبوعة على ورق، بل مقروءة على الشاشة، ويصاحبها ويعززها التفاعل، في موقع النشر نفسه ثم عبر منصات التواصل الاجتماعي، ولمقالات مختارة من خلال إبرازها ومناقشتها إذاعياً، أي بتحويلها إلى مادة مسموعة، ومن بعد كل هذا من خلال التقاطها وإعادة نشرها في مواقع أخرى.

ولكن، هل كان الأمر وحسب صمود يائس في وجه المحتَّم؟ الجواب يبدو بالإيجاب إذا كان الحكم على هذه المحاولة مبنياً على المعايير الكمية السائدة في التواصل الاجتماعي. أعداد المشاهدات منخفضة، لا ترتفع إلا في بعض المواضيع ذات الطبيعة الآنية أو السجالية. تعليقات يغلب عليها الحكم المتسرع أو الرأي المعلّب، وصولاً إلى الشتائم والابتذال. بل يكتفي العديد من "المعلّقين" بالاطلاع على الاقتباس الهادف إلى دعوتهم إلى قراءة المقال، دون قراءته، قبل التكرّم بالآراء القطعية الصارمة. ما فائدة هذا المجهود إذا كان لا يتعدى في نتيجته تكرار ما يحدث في طرف نائٍ من أطراف عالم التواصل الاجتماعي؟

غير أن هذه المعايير قد لا تكون هي الصالحة لاعتبار التجربة. بعض ما استوعبته هذه التجربة يندرج بالفعل في إطار السجال ومجاراة الأخبار، وبعضها الآخر ربما يحظى بطابع أقل ارتباطاً بالآني. ولكن المجموع، على اختلاف مكوناته، شكّل نقطة مرجعية لعدد غير قليل من المسؤولين عن صياغة القرار والرأي في مواقع متقدمة. قد يصعب إثبات هذا الزعم بالأرقام، ولكنه كان حقيقة ملموسة لي شخصياً ولغيري من الزملاء، بما ساهم بتحمل الضجيج في التعليقات.

غروب "من زاوية أخرى" هو بالتالي خسارة، وإن اقتضه حسابات المؤسسة، وإشعار إضافي بما تواجهه الكلمة المكتوبة الرصينة من تحديات. كل الشكر والاحترام للإداريين والمحررين المتعاقبين على المسؤولية عن صفحة "من زاوية أخرى" على مدى أعوامها، وكل المودة والتقدير لكافة الزملاء، إذ حافظوا على أهمية الرأي الملتزم باحترام كلام الآخر وعقل القارئ، في واقع فكري معاصر يطفح بالأهوائيات والعصبيات والاستعلائيات، ولا سيما منهم من قرأ مادة نقدية وجهتُها إليه وأجاب بما أثرى النقاش، وأخيراً لا آخراً بالتأكيد، فائق الامتنان والإجلال لكل قارئ قرأ، سواء اتفق مع الرأي المطروح أو اختلف معه.

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.