يحتفلان في عيد الحب في كابل، أفغانستان
يحتفلان في عيد الحب في كابل، أفغانستان

كوليت بهنا/

في كل رابع عشر من شهر شباط/فبراير من كل عام، يرفع الكارهون لعيد الحب أو المعارضون له أصواتهم المقللة من شأنه أو المنددّة به، عبر الوسائل الإعلامية من صحف أو إذاعات أو محطات فضائية.

وفي العقدين الأخيرين استغل العديد من هؤلاء انتشار وشعبوية وسائل التواصل الاجتماعي، فاستعملوها بحرية مطلقة كمنصة حرب معادية للمناسبة قبل أيام من حلول موعدها السنوي، مكررين الاتهامات ذاتها ضد العيد والمحتفلين به معا.

الحب صانع للحلم والسعادة، وهي ركائز قادرة أن تبني توازن الشباب وتمنحهم الصحة العاطفية والنفسية​

تتمحور هذه الاتهامات حول كذب ورياء المشاعر السائدة، وتسليع العواطف والمتاجرة بها، وإسراف الحفلات المخصصة له، وجشع الأسواق لبيع دمى الدبب والورود والمجوهرات وقوالب الحلوى وقلوب الشوكولاتة والثياب الحمراء المغرية والبطاقات وكل ما يطبع عليه قلب أحمر يخترقه سهم الحب؛ فيما يذكر المتشددون بينهم عامة الناس كل مرة، بعدم جواز الاقتراب من هذه المناسبة ووسمها بـ"الوثنية"، أو يفتي المغالون بينهم بتحريم هذا العيد جهارة ونسبه للغربيين واعتباره بدعة لا شأن لنا بها.

اقرأ للكاتبة أيضا: عام التسامح.. ما له وما عليه

ينسب عيد الحب للأسقف القديس "فالنتين" في مدينة تورني الإيطالية، ومنه جاءت تسمية "الفالنتاين"، وهو قديس عاش في زمن الاضطهادات التي كانت تواجه الكنيسة المسيحية في بدايات انتشارها، وقام بتزويج العشاق سرا مخالفا الأوامر العسكرية التي منعت الزواج للجنود، واستمر بتزويجهم حتى وهو في السجن، فكانوا يرمون له الورود الحمراء من خلف القضبان فرحا بزواجهم، إلى أن تم إعدامه بقطع رأسه يوم 14 شباط/فبراير عام 296 للميلاد واعتبر لاحقا شهيدا في سبيل الله والحب.

هذا يعني أن الرمز الديني لـ "الفالانتاين" لا يتعارض مع كل الشرائع السماوية التي تدعو إلى الزواج بين المحبين وألفة القلوب، أو كما كتب الشاعر "جيفري تشوسر" في قصيدة عام 1382: "وفي يوم عيد القديس فالنتين، حين يأتي كل طائر بحثا عن وليف له".

في سجل تاريخ البشرية العالمي، تكاد تتشابه معظم الاحتفاليات الخاصة بعيد الحب المدونة في تراثها القديم، والتي تختلف بين شعب وآخر في توقيتها وبحسب طبيعتها الجغرافية والمناخية، وهي احتفاليات أقرب ما تكون إلى احتفاء صاخب بمواسم الخصب والطقوس المرافقة لها، في مجتمعات كانت بمعظمها زراعية تتشارك فيها النساء والرجال معا في تكريم معنى الحياة.

ويعتبر تاريخ 14 شباط/فبراير السنوي، موعدا لبدء نمو وازدهار المزروعات والزهور في العديد من بلدان القسم الشمالي من الكرة الأرضية، وهو موعد بدء العمل في حقول الكروم والمزارع، وبدء موسم التزاوج بين كثير من الثدييات والحيوانات الأليفة، استعدادا للإنجاب مع دفء المناخ في الأشهر الثلاثة القادمة.

وفي سجلنا المشرقي، الزراعي بدوره، احتفل سكان هذه البلاد بكثير من طقوس الحب والخصب المرتبطة بالطبيعة والعشاق بآن واحد، ومنها "عيد العزابي" في التراث اللبناني الذي استحضره فيلم "سفر برلك" للأخوين رحباني، مع التنويه بارتباط بعض هذه المناسبات والمهرجانات في المشرق بموعد الصوم المسيحي الكبير في هذه الفترة من السنة، حيث يسارع المحبون إلى الزواج والتمتع بالملذات الدنيوية قبل التفرغ للعبادة والالتزام بفروض الصوم، مثل "خميس السكارى" الذي يقابله مهرجان "الثلاثاء البدين" (Mardi Gras) الذي تحتفي به سنويا مدينة "نيو أورليانز" الأميركية، وهو مهرجان مصغر عن المهرجان الكبير في "ريو دي جانيرو".

تجليات الحب والعشق وأكثرها إعجازا لغويا في الإبداع العالمي، حظي بها الشعر العربي القديم، وبعض الشعر الحديث وفنون القصة والرواية والغناء، وأجمل قصص الحب العذري خرجت من أرض العرب، وأجمل ما قيل في الحب في الإسلام ورد في الحديث الشريف عن النبي محمد (ص): "المرء مع من أحب".

وإلى اليوم، يهيمن الحب على جميع أشكال الفنون التي تستعيره كـ"ثيمة" رئيسة أو تطوف حوله، ويرتبط نجاحها بقوة القصة أو الكلمات التي يتضمنها ومقدرتها على منح الطاقة الإيجابية وتحريض مشاعر الجمهور العاطفية.

فهل بعد كل ما تقدم يمكن القول إن الحب والاحتفاء بعيد خاص به بدعة وثنية أو غربية لا تمت لنا بصلة؟

تجليات الحب والعشق وأكثرها إعجازا لغويا في الإبداع العالمي، حظي بها الشعر العربي القديم​

إن نظرة عامة إلى واقع الشباب العربي وإحباطاتهم وهزائمهم النفسية في ظل تراجع التنمية وانتشار العنف والإرهاب والمخدرات والحروب والكوارث وتنامي الكراهيات، إضافة إلى هيمنة الفكر المتشدد والمنغلق على الساحة واعتبار الحب لوثة أو عيبا، أو جريمة تسفك لأجلها الدماء لمجرد الشبهة أحيانا، كلها تدفع إلى تشجيع الحب والاحتفاء به، وتشجيع الشباب ليعيشوا عواطفهم بنبل، فلا ضرر أن تنتظر الفتيات وردة حمراء أو دمية في عيد الحب، ولا يموت العشاق من دموع الحب أو خيباته، وليتبادل العشاق أجمل قصائد "نزار قباني" عن الحب ويخبئونها تحت الفراش، وليجرب كل منهم أن يكتب قصيدته العاطفية لمحبوبه، فلعل موهبة الشعر تولد كزهرة برية من قريحة أحدهم، ولتفرح الأسواق ببعض المال الوارد من سلع الحب، وليصدح المغنون وتقام الحفلات، فأيا تكن الأرباح، تظل بالتأكيد نقطة من تريليونات الأرباح التي تجنيها مصانع السلاح ومهرجانات واستعراضات الترسانات العسكرية وتجار الموت والحروب.

اقرأ للكاتبة أيضا: الدراما لا تحب الفقراء

الحب صانع للحلم والسعادة، وهي ركائز قادرة أن تبني توازن الشباب وتمنحهم الصحة العاطفية والنفسية والجسدية والقوة لمواجهة تحديات العصر، ونحن المشرقيون، العاطفيون بالفطرة، أهل للحب، ونستحقه، وكل ما علينا هو أن نسعى لإعادة إحيائه وتنشيطه والوقوف في وجه من يدعي بأنه بدعة لا شأن لنا بها.

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟