Lebanon
Lebanon

رياض عصمت/

اعتادت جدتي أن تروي لنا حكاية تشبه بداية مسرحية شكسبير "الملك لير"، مفادها أن ملكا سأل بناته الثلاث قبل أن يوزع عليهن ثروته وأملاكه: "كم تحبني كل واحدة منكن؟" قالت الأولى: "بقدر الذهب"، فكافأها بسخاء. قالت الثانية: "بقدر الفضة"، فكافأها بالسخاء نفسه. ثم أتى دور الصغرى والمفضلة لديه، لكنها أجابت بعد تفكير: "بقدر الملح". غضب الملك غضبا شديدا عليها، وصاح: "كيف تجرؤين على مقارنة حبك لي بشيء تافه وعديم القيمة كالملح؟ يا لك من ابنة عاقة. لن تنالي مني شيئا في الحياة ولا بعد الممات".

ذهبت الأميرة الصغيرة إلى مطبخ القصر ونبهت على الطباخين بعدم وضع أي ملح في الطعام، منبهة إياهم بعدم إفشاء السر لأبيها حتى توعز بذلك، حرصا على حياته. خاف الطباخون وامتنعوا عن وضع الملح تماما في الطعام.

لا يخلو أي بلد في العالم من نسبة أو أخرى من الكذب، لكنه يبقى محدودا بالمقارنة مع جرأة وحجم الكذب في أصقاع أقل تحضرا وديمقراطية

​​لدى تناول الملك أول وجبة، بصق الطعام ولم يستسغ ابتلاع لقمة واحدة منه. استدعى رئيس الطباخين، فأبدى الرجل جهله بسر طعم الطعام المنفر. نام الملك دون عشاء تلك الليلة، لكن الأمر تكرر في اليوم التالي، ثم في اليوم الذي تلاه، فأصاب الملك إرهاق ونحول، وأحس بالضعف يسري في جسده. استدعى بناته لوداعهن وقد شعر بأن الموت يدنو منه بسرعة.

هنا، انبرت الابنة الصغرى وأوضحت لأبيها سر نفوره من طعم الطعام، فأدرك الملك أن الملح أهم لحياة الإنسان من الذهب والفضة. هكذا، صفح الملك عن ابنته المحبة وأنعم عليها بأكثر من أختيها.

اقرأ للكاتب أيضا: عندما يبكي المضحكون

يبدو أن من حكى هذه القصة لجدتي كذاب محترف، فليس أضر من الملح سوى السكر، بينما الكذب أضر من السمين الأبيضين. لا شك أن الكذب مقيت، لكنه ملح السياسة، وربما حتى ملح الإعلام والفنون الدرامية. مؤكد أنه يوجد للكذب أنواع. هناك ما يطلق عليه اسم "الكذبة البيضاء"، وهي الكذبة التي لا تهدف إلى الإيذاء، بل إلى تجنب الأذية، مثل كذبة الزوج أو الزوجة كي يحمي واحدهما شراكة العمر من زلة حمقاء أو غيرة وهمية يهدد أحدهما بنيان الأسرة ومستقبل الأولاد، أو مثل كذبة الابن أو الابنة على الوالدين لتجنب العقاب إزاء تقصير أو إهمال أو سلوك ناشز يمكن أن يؤذي مشاعرهما.

هناك نوع آخر من الكذب، لا يقصد منه الأذى، لكنه يحدث أذى فادحا وجرحا بليغا. يتضمن هذا الطراز من الكذب وعود وتحذيرات الساسة في خطاباتهم الجماهيرية ولقاءاتهم الإعلامية، أو إنكار حدوث واقعة مشينة وإبداء الجهل بضحاياها. غالبا ما يتعرض هذا الطراز من الكذب لتفنيد من المعارضة، فيصبح مطلقه مثل بطة خشبية في مدينة الملاهي عرضة لإطلاق السهام عليها دون أن يملك القدرة على المناورة أو الرد. أما داء الكذب المجاني فيكون نابعا عن طبع متأصل، بحيث لا يستطيع المرء التخلص من إغوائه، فيقدم عليه مستسلما بلا إرادة.

لا يخلو أي بلد في العالم من نسبة أو أخرى من الكذب، لكنه يبقى محدودا بالمقارنة مع جرأة وحجم الكذب في أصقاع أقل تحضرا وديمقراطية، لأن الكذاب في العالم الغربي يعرض صاحبه للمساءلة والمحاسبة، سواء من البرلمانات أم من الإعلام، فيضطر أحيانا عديدة إلى التقدم باستقالته، إن لم يقدم على الانتحار.

بالمقابل، يوجد كذب شرير يهدف عن سابق قصد وإصرار إلى التلاعب بالحقيقة أو تشويه سمعة شخص ما أو التخويف من خطر وهمي داهم أو تمويه وجود فساد منظم. أخيرا، هناك نوع من الكذب الاجتماعي المألوف والشائع، خاصة في بعض بلدان العالم النامي، دافعه التباهي والتبجح وادعاء الثقافة، أو الثراء تشبها بطبقة اجتماعية أعلى مقاما.

في المجتمعات الغربية عموما يعتبر الكذب مكروها ومرفوضا ومنفرا، إن لم يكن مدانا. على سبيل المثال، تكفي كذبة واحدة، سواء كانت سوداء أو بيضاء أو حمراء، أن توقع صاحبها تحت طائلة المسؤولية، وتضعه في ورطة كبيرة، خاصة إذا حنث بقسم، أو جاءت كذبته خلال مقابلة عمل أو الحصول على فيزا أو شأن رسمي مع جهة قانونية.

لذلك، ينصح المحامون موكليهم بتجنب الكذب، وأنه إذا ما أحرجهم محقق خلال استجواب، عليهم الاعتذار عن عدم قدرتهم على الإدلاء بإجابة لتجنب التورط في الكذب حول أمر يودون تجنب الاعتراف به.

دعونا لا نتوهم أن الأخلاقيات التي تجنب الكذب محترمة بشكل كامل في أي بلد من بلدان العالم. تتفاوت نسبة الكذب ـ وبالتالي عقوبته أيضا ـ بين ثقافة وأخرى. ربما تثير كذبة السخرية في بلد ما، أو النفور والاحتقار في بلد آخر، بينما في بلد ثالث يمكن للكذبة نفسها أن تقود صاحبها إلى السجن، خاصة إذا كان يشغل منصبا رفيعا، أو إذا أدلى بإفادة زور تحت القسم.

كم من وزير أوربي أو مسؤول غربي تنحى بعد أن انكشفت كذبة واحدة أمام الرأي العام، ففضل الغياب النهائي عن الأضواء عوضا عن المناكفة التي تؤدي به إلى مزيد من الغرق في رمال متحركة.

كي نميز الفارق في النظرة إلى الكذب، أذكر قصة رواها لي الصديق الراحل كيث وليامز، أحد خيرة المنتجين التلفزيونيين البريطانيين خلال الفترة التي شغل فيها منصب رئيس الدراما في تلفزيون BBC، حين نجح خلال نحو خمس سنوات في أن ينتج عديدا من الأعمال الدرامية اللامعة التي تراوحت بين شكسبير وكتاب معاصرين. سألت الصديق الراحل ذات يوم: "لماذا أقالوك من منصبك بعد نجاحك المشهود؟" أجابني: "لم يقلني أحد. أنا من تقدم باستقالته". سألته بدهشة: "ولماذا أقدمت على ذلك؟" احمرت أوداجه ولمعت عيناه غضبا لمجرد تذكر الأمر رغم مرور زمن طويل عليه، وقال: "أترضى لي أن أبقى ومديري طلب مني أن أكذب؟" روى لي صديقي كيف أجاز إنتاج عمل درامي من تأليف الكاتب التقدمي جيم ألن، لكن الإدارة وجدت بعد إنتاجه أن فكره لا يتناسب مع سياسة الدولة آنذاك، فقررت عدم عرضه. بدأت الأقاويل تسري، وذهب صديقي محتجا إلى مديره على القرار.

هنا، طلب منه المدير أن يكذب متذرعا بحجة تقنية زائفة لعدم عرض العمل. كان هذا الطلب وحده كفيلا بجعله يتقدم باستقالته، سواء كاحتجاج على الرقابة على حرية التعبير، أم كاحتجاج على مسؤول أعلى حاول توجيهه لأن يقوم بفعل الكذب غير الأخلاقي على العاملين معه وعلى الرأي العام.

هناك نوع من الكذب المألوف والشائع، خاصة في بعض بلدان العالم النامي، دافعه التباهي والتبجح وادعاء الثقافة

​​أجزم أن هذا الموقف لو جرى في دولة من دول العالم النامي، لسارع المسؤول الأدنى إلى الكذب طوعا وتطوعا دون أن يطلب أحد منه ذلك، خوفا على أن يطير الكرسي من تحته.

ربما اعتبر الكذب في المجتمعات المتقدمة كالملح، ضروريا بقدر ضئيل ومحدود أحيانا لتحسين طعم الطبخة، لكنه متى زاد عن حده أصبح منفرا، مكروها وبالغ الضرر. للأسف، يغض النظر كثيرا عن الكذب المسرف في بعض بلدان العالم النامي، ويعتبر مكونا طبيعيا مألوفا من مكونات الحياة العامة، رغم إنه لا يغدو ملح السياسة، بل سمها القاتل.

اقرأ للكاتب أيضا: كيف يمكن لأي تفاوض أن ينجح؟

أذكر موقفا طريفا عن الكذب الأبيض، الذي يجري مجانيا دون مبرر أو دافع. ذات مرة قبل زمن طويل، اصطحبت صديقا زائرا لي في سان فرانسيسكو للقاء إعلامي أميركي ناجح كان يقدم برنامجا سياسيا يوميا. عند انتهاء خطابه العام للجالية التي اجتمعت به، اتجهت وصديقي للسلام عليه مودعين. هنا، انبرى صديقي وقال له مجاملا: "برنامجك رائع، وأنا من أتابعه يوميا على التلفزيون من نيويورك".

حاول الإعلامي إخفاء ابتسامة وهو يهز رأسه بلباقة. ما كدنا أن ننصرف حتى همست لصاحبي معاتبا: "ألا تعلم أن برنامجه يبث محليا في سان فرانسيسكو، ولا يظهر على التلفزيون إطلاقا في نيويورك؟" ضرب صديقي بكفه على جبهته نادما، وقال: "لعن الله عادة الكذب والنفاق المتأصلة لدي منذ ترعرعت في حضن الوطن!".

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.
الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.

على مدى ربع قرن، كان لي شرف الكتابة في جريدة "الحياة"، يوم كانت واجهة الصحافة العربية المطبوعة العابرة للدول والقارات. سواء جاءت نهايتها لأفول الجريدة الورقية كوسيلة توزيع للمعلومة والفكر، أو لأخطاء على درب إدارتها، فإن "الحياة" قد أسلمت الروح، ومعها النمط الذي اعتاد عليه جيلها في قراءة الخبر والتحليل والرأي.

بدا يومها أن الزمن الذي كانت كانت فيه نشرات الأخبار، الإذاعية والمرئية، تمهيداً لقراءة المادة المكتوبة الموسعة في جريدة الصباح قد ولّى، وأصبح بالإمكان، عبر الشاشات والشبكات المعلوماتية، الاستفاضة بالحصول على المضمون الموسّع والمعمّق دون تأخير.

ومع المزيد من التطور في التقنيات، أضحى جليًا بأن طلب المضمون وتلقيه ينتقل ليس من الطباعة إلى الشاشة وحسب، بل، في انقلاب في أدوار الخادم والمخدوم، من الكلمة المكتوبة إلى أشكال جديدة للكلمة المسموعة والمرئية، تأتي بدورها في ارتباط وثيق بالصورة البيانية أو التعبيرية، وتتولى مهمة التعليق عليها.

فيما يقترب من الإجماع، القناعة اليوم هي أن المضمون المصور، ولا سيما بالصيغة النشطة التي تحاكي مخيلة الاستيعاب، هو السبيل الأكثر فعالية للتواصل مع المتلقي. والانتقال المتحقق إليه ليس الأول على مدى التاريخ الإنساني. سبق هذا الانتقال حالات عديدة، منها ما أسفر عن تحولات كمّية كبيرة في انتشار المضمون، مثل الانتقال من المخطوط إلى المطبوع، ثم أن التراكم الكمي استحال بدوره تحولات نوعية عميقة. ومنها، قبلها، ما هو أساس الحضارة، أي الانتقال من الشفهي إلى المكتوب.

الانتقال الأخير جاء قابلاً للتحقق نتيجة التطور الكبير في تقنيات المعلومات طبعاً، وأثره البالغ على الإنتاج والتوزيع والاستهلاك في المجال المعرفي كما في سائر المجالات. المقارنة هنا غالباً ما تكون مع الثورة الصناعية. ربما هي كذلك في أكثر من مجتمع وسياق، غير أن الواقع الجديد في المحيط العربي يقترب ببعض أوجهه من أن يكون أشبه بأحوال ما بعد الكارثة الطبيعية منه بنتائج الثورة الصناعية.

البنى التي انهارت لم تكن الصحافة المطبوعة وحدها. فالمتضرر الأول كان الكتاب. نعم، ثمة تعارض في تحقق الفائدة والضرر بين دور النشر ومعها المؤلفين من جهة، والقارئ من جهة أخرى، إذ توفرّت له بين ما يشبه الليلة وضحاها مكتبات بكاملها، بصيغة رقمية أعيد إدخالها، أي عرضة لكمّ كبير من الأخطاء في مرحلة أولى، ثم بصيغة مصوّرة تحاكي الكتاب المطبوع بإخلاص، وصولاً إلى إقدام المكتبات الجامعية بنفسها على وضع مقتنياتها على الشبكة، ليصبح القارئ قادراً على الاطمئنان إلى الكتاب في سنده ومتنه ومصدره.

لكن في مقابل سعادة القارئ، تعرقلت نظم الموازنة بين الانتاج الفكري والتعويضات المالية للمؤلف والناشر. ومع غياب إمكانية الحصر والضبط وضمان حقوق النشر، خسر الكتاب صدارته كالوسيلة الأولى لصياغة الفكر. بالأمس كان جديد الكتب موضع اهتمام "خاصّة" فكرية وحدها لها إطار التداول. مع الواقع الجديد، مواد التداول وأطره أصبحت لا تحصى، وما كان للخاصة الفكرية لم يعد حصراً عليها. لمن هو منها أن يعترض في مفاضلة مستمرة بين الرفيع والوضيع، الراقي والمتردي، وهو قد فعل ولا يزال، ولكن اعتراضه ضائع في ضوضاء حقيقة غلبة "العامة" وتفضيلاتها وخياراتها، وإن استحالت ساحات متباعدة وفرق متناحرة، على "خاصّة" لم تعد كذلك، بل أمست واحدة من عدة. وفي هذه الفوضى، لم يجد الفكر العربي معادلة الاستقرار بعد، وإن كانت تشكيلات عدّة تتنافس للمنصب.

ربما أن "من زاوية أخرى" كانت محاولة صمود من جانب الكلمة المكتوبة. في هيئتها المقاوِمة هذه، الكلمة المكتوبة ليست مطبوعة على ورق، بل مقروءة على الشاشة، ويصاحبها ويعززها التفاعل، في موقع النشر نفسه ثم عبر منصات التواصل الاجتماعي، ولمقالات مختارة من خلال إبرازها ومناقشتها إذاعياً، أي بتحويلها إلى مادة مسموعة، ومن بعد كل هذا من خلال التقاطها وإعادة نشرها في مواقع أخرى.

ولكن، هل كان الأمر وحسب صمود يائس في وجه المحتَّم؟ الجواب يبدو بالإيجاب إذا كان الحكم على هذه المحاولة مبنياً على المعايير الكمية السائدة في التواصل الاجتماعي. أعداد المشاهدات منخفضة، لا ترتفع إلا في بعض المواضيع ذات الطبيعة الآنية أو السجالية. تعليقات يغلب عليها الحكم المتسرع أو الرأي المعلّب، وصولاً إلى الشتائم والابتذال. بل يكتفي العديد من "المعلّقين" بالاطلاع على الاقتباس الهادف إلى دعوتهم إلى قراءة المقال، دون قراءته، قبل التكرّم بالآراء القطعية الصارمة. ما فائدة هذا المجهود إذا كان لا يتعدى في نتيجته تكرار ما يحدث في طرف نائٍ من أطراف عالم التواصل الاجتماعي؟

غير أن هذه المعايير قد لا تكون هي الصالحة لاعتبار التجربة. بعض ما استوعبته هذه التجربة يندرج بالفعل في إطار السجال ومجاراة الأخبار، وبعضها الآخر ربما يحظى بطابع أقل ارتباطاً بالآني. ولكن المجموع، على اختلاف مكوناته، شكّل نقطة مرجعية لعدد غير قليل من المسؤولين عن صياغة القرار والرأي في مواقع متقدمة. قد يصعب إثبات هذا الزعم بالأرقام، ولكنه كان حقيقة ملموسة لي شخصياً ولغيري من الزملاء، بما ساهم بتحمل الضجيج في التعليقات.

غروب "من زاوية أخرى" هو بالتالي خسارة، وإن اقتضه حسابات المؤسسة، وإشعار إضافي بما تواجهه الكلمة المكتوبة الرصينة من تحديات. كل الشكر والاحترام للإداريين والمحررين المتعاقبين على المسؤولية عن صفحة "من زاوية أخرى" على مدى أعوامها، وكل المودة والتقدير لكافة الزملاء، إذ حافظوا على أهمية الرأي الملتزم باحترام كلام الآخر وعقل القارئ، في واقع فكري معاصر يطفح بالأهوائيات والعصبيات والاستعلائيات، ولا سيما منهم من قرأ مادة نقدية وجهتُها إليه وأجاب بما أثرى النقاش، وأخيراً لا آخراً بالتأكيد، فائق الامتنان والإجلال لكل قارئ قرأ، سواء اتفق مع الرأي المطروح أو اختلف معه.

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.