لو أن الرئيس بوتفليقة امتنع عن الترشح للرئاسة في انتخابات 2014، لدخل تاريخ الجزائر والمنطقة من أوسع أبوابه
لو أن الرئيس بوتفليقة امتنع عن الترشح للرئاسة في انتخابات 2014، لدخل تاريخ الجزائر والمنطقة من أوسع أبوابه

عريب الرنتاوي/

ظنّ كاتب هذه السطور، وكثيرون غيره، أن ثورات الربيع واحتجاجاته، قد رسمت خط النهاية لما أطلقنا عليه "الثالوث غير المقدس" في إشارة إلى ظاهرة تمديد وتجديد الولايات الرئاسية لعدد من الحكام العرب، وأحيانا توريثها (سوريا) أو محاولة تورثيها (مصر ـ مبارك، ليبيا ـ القذافي، العراق ـ صدام حسين، اليمن ـ علي عبد الله صالح)؛ لكن التطورات التي تتفاعل داخل أربعة بلدان عربية اليوم، تظهر أننا كنّا شديدي التفاؤل، وأن تقديراتنا لعملية الانتقال في العالم العربي اتسمت بقدر وافر من السطحية والسذاجة، إذ لم تلحظ حجم الخراب الذي ألحقته أنظمة الركود والفساد والاستبداد بدولنا ومجتمعاتنا وشعوبنا.

ونبدأ بالسجال الأكثر سخونة، في مصر، ومحاولة نظام الرئيس عبد الفتاح السيسي استحداث تعديلات دستورية، تتيح للرئيس البقاء في السلطة حتى العام 2034 (سيكون حينها قد بلغ الثمانين عاما)، وهي محاولة تبدو نتائجها محسومة سلفا، بالنظر لهيمنة مؤيديه وأنصاره على مجلس الشعب المصري، وفي غياب شبه تام للمعارضة الجدية والفاعلة لهذه الخطوة، سواء في أوساط الدولة أو في صفوف المجتمع المصري.

الدساتير في العالم العربي وضعت لكي يتم انتهاكها والتجاوز عليها

​​المصريون بعد ثورتين كبريين في أقل من أربعة أعوام (كانون الثاني/يناير 2011 وحزيران/يونيو 2013) يجدون أنفسهم وقد استعادوا صفحات مؤلمة من تجربتهم مع نظام الرئيس محمد حسني مبارك، وهم الذي خرجوا ضده بالملايين في مختلف شوارع وميادين المدن المصرية، في ثورة سلمية ـ جماهيرية ملهمة. والمؤسف حقا، أن أنصار التمديد والتجديد لولاية الرئيس، يستعيدون الخطاب البالي ذاته، الذي اعتمده نظام مبارك لتبرير بقائه في السلطة لثلاثة عقود، بل وسعيه في توريثها لأنجال الرئيس.

إذ دائما ما عمدت أنظمة الاستبداد إلى وضع بقاء الرئيس ونظامه، في تعارض مع حفظ الأمن وصون الاستقرار وأحيانا في تناقض مع "وعود التنمية والرخاء"، كما في الحالة المصرية اليوم، حتى وإن أدى ذلك إلى انفضاض شرائح واسعة من مؤيدي النظام عنه، وانتقالهم إلى مواقع المعارضة أو وقوعهم في مستنقع اليأس والإحباط وفقدان الأمل بالمستقبل.

اقرأ للكاتب أيضا: سيناريو متخيّل لـ'حل الدولة الواحدة'

لقد أيدت شرائح واسعة من المصريين نظام الرئيس السيسي، بعضهم لخشية من حكم الإخوان المسلمين ومخاوف من تفاقم تهديدا التطرف العنيف، وبعضهم الآخر لإيمانه بأن الرجل لن يعيد إنتاج سيرة أسلافه الذين تعاقبوا على حكم مصر منذ ثورة تموز/يوليو 1952.

لكن هؤلاء يواجهون اليوم اختبارا مؤلما، بعد أن شاهدوا "الخفّة" في التعامل مع دستور 2014، والشهية المفتوحة للبقاء في السلطة ـ وربما إلى الأبد ـ وسيزداد المشهد كارثية، إن أخفقت برامج الإصلاح الاقتصادي والإداري في مصر، وظل حال المصريين على حاله من فقر وبطالة وسوء توزيع للموارد وفساد مستفحل في مؤسسات الدولة والحكم وقبضة حديدية في التعامل مع المعارضة والرأي الآخر.

وقد تكون مصر مرشحة لثورة ثالثة، إن وصل المصريون إلى يقين بأن مكتسبات ثورتين كبريين أشعلوهما، قد تبددت وصارت هباء منثورا.

التجربة الثانية، الجزائر، حيث قرر الرئيس عبد العزيز بوتفليقة (82 عاما) الترشح لولاية خامسة من خمس سنوات في الانتخابات المقررة في نيسان/أبريل المقبل، على الرغم من ظروفه الصحية، الصعبة للغاية، والتي تمنعه عن مزاولة الكثير من أعمال الرئاسة، بما فيها استقبال الوفود وحتى "أداء القسم الرئاسي بصوت مسموع". وعلى الرغم من الاحتجاجات الواسعة على قرار الترشح في الانتخابات السابقة (2014) وليس الحالية فقط، وللأسباب ذاتها.

الرئيس بوتفليقة، سياسي جزائري مخضرم ومرموق، حظي بمكانة محترمة حين كان وزيرا للخارجية لمدة ستة عشر عاما، لعب خلالها دور "رجل الإطفاء" في الأزمات العربية والإقليمية، وهو تولى الرئاسة أول مرة في العام 1999، أي في مختتم العشرية السوداء التي حصدت أرواح أكثر من 150 ألف جزائري، وقاد البلاد إلى المصالحة والوئام الوطنيين، بعد أن خلصها من آفة الإرهاب الأصولي.

ولو أن الرئيس بوتفليقة امتنع عن الترشح للرئاسة في انتخابات 2014، لدخل تاريخ الجزائر والمنطقة من أوسع أبوابه، ولتم تخليده بوصفه سياسيا بارعا وزعيما منقذا لأرواح الجزائريين وأمنهم وسلمهم الاجتماعي.

لكن إصرار بوتفليقة على البقاء في الحكم حتى سن (87 عاما) في بلد يشكل الشباب فيه أزيد من سبعين في المئة من سكانه، هو أمر مستهجن ومستغرب، كما أن مرض الرئيس وعجزه الجسدي البيّن، يطرحان أسئلة حول من يحكم الجزائر الآن، ومن سيحكمها حتى نهاية العهدة الخامسة لعبد العزيز بوتفليقة، أهو الرئيس أم المؤسسة العسكرية التي تقف خلفه وتتستر وراءه؟

الحالة الثالثة، السودان، التي تشهد منذ أكثر من شهرين أكبر وأشمل انتفاضة شعبية في تاريخها المعاصر ضد نظام الرئيس عمر حسن البشر (75 عاما)، الذي تولى السلطة إثر انقلاب عسكري قبل ثلاثين عاما (1989)، شهدت خلالها البلاد حروبا أهلية وشتى أنواع الانقسامات، وفقد السودان جنوبه بعد صراع مسلح دام لعشرات السنين، وانتقلت شرارات العصيان إلى دارفور وجنوب كردفان، وتعرضت البلاد إلى شتى أنواع العقوبات الدولية، وطُلب رئيسها إلى محكمة الجنايات الدولية بتهم اقتراف جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وتقلبت سياسته الخارجية بين شتى المحاور والمعسكرات العربية والإقليمية، ودخل في أزمات إقليمية متعاقبة مع دول الجوار القريب والبعيد.

لقد تغير السودان كثيرا في سنوات حكم البشير، لكن ما بقي على حاله، هو الفقر والبطالة والأزمات الاقتصادية الخانقة، في بلد كبير، لا تنقصه الموارد الطبيعية ولا الطاقات البشرية. ومع اندلاع ثورات الربيع العربي، أقر السودان دستورا جديدا، حدد ولاية الرئيس بولايتين اثنتين، وعمد البشير إلى فعل ما اعتاد أقرانه من الزعماء العرب على فعله عندما تشارف مدد ولاياتهم الدستورية على الانتهاء، فشرع في "تصفير العداد" تمهيدا للترشح لولاية رئاسية أخرى في انتخابات 2020، لا سيما بعد أن بدا مطمئنا إلى سكينة الشعب السوداني وهدوئه، وضعف المعارضة وتشتتها، وخشية المجتمع الدولي من اندلاع الفوضى في بلد كبير مثل السودان، يتمتع بمكانة استراتيجية في أفريقيا والبحر الأحمر والإقليم برمته.

معادلة "الرئيس الضرورة أو الفوضى الشاملة"، تعود لتطل برأسها من بين ثنايا الخطاب الرسمي للسودان.. رئيس الضرورة، تعني أن لا أحد "مؤهل" للقيام بدوره أو للحلول محله؛ فهو ضمانة الأمن والاستقرار، مع أن البلاد لم تشهد في تاريخها حروبا أهلية وصراعات داخلية، كتلك التي شهدتها في عشريات حكمه الثلاث، أما "الفوضى الشاملة" فهي الرسالة التي يبعث بها النظام لجواره العربي والإقليمي والمجتمع الدولي، بأن التغيير في السودان يرادف الفوضى، وسيجعل من هذه البلاد سوريا ثانية أو يمن ثان.

الوعود التي يغدقها النظام على شعبه هذه الأيام، تبدو مألوفة كذلك في ظروف مشابهة، لكن السودانيين يتساءلون ما الذي بمقدور البشير أن يقدمه لهم في خمس سنوات إضافية، ولم ينجح في تقديمه طوال ثلاثين سنة من السلطة المتفردة؟

السودان مرشح للانزلاق لسيناريو الفوضى، الأمر الذي إن حدث، فإن مسؤوليته تقع بالكامل على كاهل البشير ونظامه. ومن مصلحة السودان والإقليم، أن يبادر الرئيس إلى تقديم تعهد علني قاطع وملزم، بعدم الترشح لولاية جديدة، وأن يبادر إلى إطلاق حوار وطني لتنظيم مرحلة الانتقال، سلسلة وهادئة، فينسحب من الحياة السياسية مع كل ما يحتاجه من ضمانات لأمنه الشخصي وأمن عائلته، وفي موعد أقصاه العام المقبل، بعد انتهاء مدة ولايته الحالية.

أما التجربة الرابعة، فهي فلسطين، الرازحة تحت نير الاحتلال، حيث السلطة التي لم تتحول إلى دولة بعد، برغم مرور أكثر من ربع قرن على قيامها. انتهت ولاية الرئيس محمود عباس الدستورية منذ العام 2009، أي قبل عشر سنوات، لكنه لا يجد حرجا في حلّ المجلس التشريعي بحجة انتهاء ولايته.

انتهت ولاية الرئيس محمود عباس الدستورية منذ العام 2009، أي قبل عشر سنوات

​​وإذ يقرر الرئيس إجراء انتخابات تشريعية في غضون ستة أشهر (هذا إن جرت) فإنه لا يستشعر حاجة لإجراء انتخابات رئاسية متزامنة، مع أن تجربته في قيادة السلطة والمنظمة، أظهرت فشلا ذريعا لبرنامجه ورؤيته السياسية، فقد ألحقت إسرائيل ضربات مميتة بالمشروع الوطني الفلسطيني؛ والشعب الفلسطيني لم ينقسم يوما في تاريخه، مثلما انقسم في عهد الرئيس عباس، إذ بات يخضع لحكم سلطتين وقيادتين متنافرتين، فيما الانقسام مرشح لأن يصبح انفصالا تاما، ولا تلوح في الأفق القريب أو المتوسط، بارقة أمل في إنجاز مصالحة وطنية أو استعادة الوحدة.

لقد تعطلت مؤسسات السلطة والمنظمة، وتحول النظام السياسي الفلسطيني إلى رئاسي مطلق الصلاحيات، ويفقد الرئيس تباعا تأييد فصائل منظمة التحرير الحليفة له تاريخيا، وليس تأييد حماس والجهاد الإسلامي فحسب، وهو يعجز عن تشكيل حكومة "فصائلية" تحلّ محل حكومة رامي الحمد الله المُقالة، حيث لا يرغب أي من فصائل العمل الوطني الفلسطيني الانضمام للحكومة، بعد أن قاطع بعضها اجتماعات أخيرة للمجلسين الوطني والمركزي لمنظمة التحرير.

اقرأ للكاتب أيضا: في مغزى التفاوض بين واشنطن وطالبان

الرئيس عباس (84 عاما) يقود شعبا فتيا، ويرفض أن يكون له نائب، ويتمنع عن إجراء انتخابات رئاسية، والأرجح أنه سيترشح لولاية جديدة، إن وجد نفسه مرغما على تنظيم انتخابات رئاسية، ولم تتعرض القضية الفلسطينية لتحديات وتهديدات داخلية وخارجية مثلما تعرضت له في عهده الممتد منذ العام 2005، والأرجح أن سيحظى بعضوية نادي "رؤساء إلى الأبد"، برغم أنه يقود شعبا تحت الاحتلال، ودولة لا حدود لها ولا سيادة، وأكثر ما تتطلع له هو الاعتراف بها كدولة تحت الاحتلال.

هذه نماذج أربعة لمفاعيل ثالوث "التمديد والتجديد والتوريث" الذي يعاود التحكم بآليات انتقال السلطة في معظم أرجاء العالم العربي. هذه نماذج دالّة، على قدرة الحاكم العربي على التلاعب بالدستور إلغاء وتعديلا وفقا لمقتضيات شهيته المفتوحة على السلطة. فالدساتير في العالم العربي وضعت لكي يتم انتهاكها والتجاوز عليها، لكنها مع ذلك تظل مطلوبة كحاجة للحاكم الذي يبحث عن شرعية، يدرك في أعماقه أنه لا يتوفر عليها.

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

Israeli left-wing activists hold placards during a 'Peace Now' march calling on Israelis to choose ''another way'' and end the…
تظاهرة لليسار الإسرائيلي للدعوة للسلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين

دفع الفشل العربي المزمن في إقامة دول عادلة ذات مؤسسات فاعلة أنظمة القمع العربي لاستخدام العداء ضد إسرائيل كورقة تين لستر عوراتهم. بدأت حفلة التطرف العربي في مؤتمر الخرطوم ـ الذي تلا هزيمة رئيس مصر جمال عبدالناصر في حرب 1967 أمام إسرائيل ـ والمعروف بمؤتمر اللاءات الثلاثة: "لا سلام مع إسرائيل، لا اعتراف بإسرائيل، لا مفاوضات مع إسرائيل".

ثم يوم أعلن الفلسطينيون موافقتهم إقامة دولة لهم على أي جزء من أرض فلسطين، حرّضت أنظمة القمع العربي أزلامها ضد الراحل ياسر عرفات، فتشكلت "جبهة الرفض" من الفصائل الفلسطينية المعارضة لأي سلام مع إسرائيل. أما الدول الراعية لهذه الفصائل فشكّلت بدورها "جبهة الصمود والتصدي"، والتي كان في عضويتها أنظمة القمع من أمثال سوريا الأسد وعراق صدام حسين وليبيا القذافي.

ثم ورث "محور الممانعة"، الذي تقوده إيران الإسلامية، الخطاب الخشبي المتطرف نفسه عن معاداة السلام مع إسرائيل بكل أشكاله، وورث الممانعون العبارات المتهالكة نفسها التي تعكس سبب الفشل العربي، في الحكم كما في التعامل مع موضوع إسرائيل، منها عبارة كتبها القيادي الفلسطيني الراحل، الذي كان مقرّبا من عرفات، صلاح خلف المعروف بأبي أياد، في كتابه "فلسطيني بلا هوية"، وقال فيها: "أخشى ما أخشاه أن تصبح الخيانة وجهة نظر".

وحتى نفكك عبارة أبي أياد، علينا أولا أن نبحث في معنى "خيانة"، وهي تعني في الغالب "إخلال في العهد أو الأمانة". مثلا، عبدالناصر والضباط الأحرار أقسموا الولاء لمصر وملكها، لكنهم خانوا قسمهم وخلعوه في 1952. عبدالناصر كان خائنا للملك، لكن مؤيديه لا يعتبرونها خيانة لأنهم يبررون انقلاب الضباط بأسباب كثيرة، منها ظلم الملك، أو فساد حكمه، أو تهاوي اقتصاده، وغيرها. إذن، خيانة عبدالناصر وجهة نظر، إذ يحبذها مؤيدوه، الذين لا يشككون في وطنيته، ولكنها فعليا إخلال بالأمانة التي كانت موكلة إليه وصحبه.

الحرية تسمح بالتنوع، والتنوع يسمح بتغيير السياسات وتجربة ما ينفع مها وما لا ينفع

أما "الخيانة" التي تحدث عنها أبو أياد فتعني مخالفة رأي جبهات الرفض والتصدي والممانعة القائل بوجوب العداء التام والدائم لإسرائيل، ورفض أي سلام أو تطبيع معها. هنا "الخيانة" تفترض أن كل عربي أو مسلم عليه تبني العداء المطلق لإسرائيل، فقط لأنه عربي أو مسلم المولد، فالقبائل على رأي واحد، ومن خرج عن الإجماع، خان. ما يفوت أبي أياد (وهو لم يكن فيلسوفا سياسيا) أن الشعب ليس قبيلة ذات رأي واحد، بل مواطنين يختلفون في آرائهم وخياراتهم وأذواقهم ومصالحهم.

هكذا، برر أبو أياد قمع الرأي المخالف وتخوينه بوضع السلام مع إسرائيل خارج حيّز النقاش، أي أن موضوع العداء لإسرائيل يصبح من "الثوابت"، حسب تعبير الرافضين والمتصدين والممانعين. والثوابت ثابتة، ولا نقاش فيها، بل عقاب لمن يناقشها ويتوصل لنتيجة مخالفة تدعو لسلام مع إسرائيل.

هي فعلا مشكلة أن يطلب المتطرفون من "الرافضين" و"الممانعين" تبني وجهة نظرهم حول العداء الأبدي لإسرائيل بدون نقاش، تحت طائلة التخوين. حتى كتاب المسلمين يقول "من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر"، لكن الممانعين يعتقدون أن معاداة إسرائيل ثابتة أكثر من الإيمان بالله، القابل للنقاش.

في لبنان، حاول مجلس النواب إقرار قانون عفو يسمح بعودة اللبنانيين المقيمين في إسرائيل، وهم من مقاتلي "جيش لبنان الجنوبي" المندثر وعائلاتهم. تنطحت أحزاب الممانعة لرفض عودة من أسمتهم "عملاء" و"خونة".

أن تحاكم السلطات اللبنانية من يقوم بإفشاء أسرار الدولة، المدنية أو العسكرية، إلى دول أجنبية، أمر مفهوم، وهكذا فعلت الولايات المتحدة مع إدوارد سنودن، المختبئ من العدالة في روسيا. لكن من غير المفهوم محاكمة مواطنين عاديين من أفراد عائلات مقاتلي "لبنان الجنوبي". ومن غير المفهوم أيضا لما لا يشمل "العفو العام" لمقاتلي كل الميليشيات اللبنانية المنحلة بعد الحرب الأهلية مقاتلي "الجنوبي". ولا بأس أن تضع دولة لبنان بعض العائدين من إسرائيل تحت رقابة أمنية لمكافحة التجسس. ولكن أن تعامل بيروت مواطنيها كـ "خونة" لأنهم لا يوافقون على معاداة إسرائيل، فهو ما يحول المواطنية إلى قبلية ويقوض أسس العدالة والمساواة بين المواطنين بغض النظر عن آرائهم.

أما في دنيا العرب، فطواطم وأصنام وأنصاف آلهة، وثوابت ومقدسات، ورأي واحد وتخوين، وجمود، وموت

في الولايات المتحدة حزب نازي موالي لطاغية ألمانيا الراحل أدولف هتلر، الذي قاتلته أميركا وهزمته. لم تحظر القوانين الأميركية النازية لأن الحظر يتنافى وحرية الرأي والمعتقد. وفي ذروة الحرب الباردة والمواجهة مع الاتحاد السوفياتي والحروب السرية الجاسوسية، لم تمنع أميركا يوما مواطنيها من زيارة روسيا، كما لم تمنع أميركا الروس من زيارتها. حتى أن السناتور بيرني ساندرز أمضى شهر العسل في موسكو في ذروة الحرب بين البلدين، واليوم، ما يزال مواطنون أميركيون يزورون إيران، والعكس، على الرغم من انقطاع العلاقات الديبلوماسية والعداء بين واشنطن وطهران. وفي أميركا جحافل من المؤيدين علنا لنظام إيران الاسلامي، وللتوصل لسلام أميركي معه، بلا شروط.

وفي إسرائيل نفسها إسرائيليون ينحازون ضد إسرائيل علنا، من أمثال الكتّاب جدعون ليفي واميرا هاس، وأعضاء الكنيست من أمثال حنين الزعبي، وهو ما يطرح السؤال: من هم العرب الذين يخالفون إجماع "الرفض" و"الممانعة" ويدعون لسلام مع إسرائيل، كما تخالف هاس الغالبية الإسرائيلية؟ وما هي المنظمة العربية الموازية لحركة "السلام الآن" الإسرائيلية؟ وأين هو اليسار العربي، الموازي لليسار الإسرائيلي، الأكثر ميلا للحوار؟ وكيف يوفّق الشيوعيون العرب بين انخراطهم في صراع قومي قبلي ضد إسرائيل مع عقيدتهم الأممية التي تعتبر الصراع الطبقي عابرا للقوميات؟

قد لا يفهم "الرافضون" و"الممانعون"، كما بعض "الصينيين" و"الإيرانيين" و"الروس" ومؤيدي الاستبداد، أن تفوق الولايات المتحدة في العالم، وتفوق إسرائيل في الشرق الأوسط، ليس تفوقا ماديا، بل هو تفوق مبني على حرية الرأي والاختيار والمعتقد. الحرية تسمح بالتنوع، والتنوع يسمح بتغيير السياسات وتجربة ما ينفع مها وما لا ينفع، وتقدم ثقافة للمواطنين لاختيار السياسات التي يرونها في مصلحتهم، واختيار السياسيين ممن يعتقدونهم قادرين على تنفيذ هذه السياسات.

أما في دنيا العرب، فطواطم وأصنام وأنصاف آلهة، وثوابت ومقدسات، ورأي واحد وتخوين، وجمود، وموت.