الملك عبدالله خلال لقائه مع صحافيين وكتاب سياسيين
الملك عبدالله خلال لقائه مع صحافيين وكتاب سياسيين

مالك العثامنة/

في المقال السابق "ما لم أقله أمام الملك" ذهبت التفسيرات والتأويلات الأردنية نحو انجرافات التأويل الذي يذهب إلى أن ما كتبته هو ما قاله الملك عبدالله الثاني نفسه في اللقاء الذي حضرته شخصيا في عمان الأسبوع الماضي.

لست معنيا بتلك الانجرافات في التأويل، هي مشكلة المتفذلكين من مدمني النبش العبثي لتطويع كل الأفكار إلى ما يؤمنون هم به، وتلك مشكلة عامة وعمومية في ثقافة الحوار العربي، والذي ينتهي بأسوأ حالاته إلى "حوار طرشان" بصوت مرتفع ـ و"الطرش" هنا ذهني وعقلي وليس سمعي.

الإصلاح السياسي في الأردن، بات يتطلب رحلة طويلة من إعادة تأهيل الوعي وتحريره

​​الملك باختصار لم يقل بالفدرالية ولا بأي توجه نحو ما ذهبت أنا إليه من وحدة كاملة متكاملة بين الضفتين.

العقل السياسي الأردني بالمجمل يفكر بطريقة مختلفة، ولديه حساسية عالية في المسألة الفلسطينية، كما لديه حسابات سياسية متشعبة ومتقاطعة وفي أحيان كثيرة متضاربة، تجعل حلوله متوسطة المدى، للخروج من أزمات أغلبها ضمن الإقليم، مع يقين كامن في هذا العقل السياسي للدولة بأنه بحاجة إلى رؤية استراتيجية طويلة المدى ونهائية للمسألة الفلسطينية التي هي جزء من تكوينه الشرعي والوجودي.

اقرأ للكاتب أيضا: ما لم أقله أمام الملك

هذا توضيح ضروري وجدته حاضرا بقوة عندي كمقدمة تنتهي هنا، مع رغبة بالعودة إلى الموضوع في مقالات قادمة.

♦♦♦

ما قلته أمام الملك، بالأحرى مما قلته أمام الملك كان حول تصوري الشخصي في عملية الإصلاح السياسي التي وصلت إلى مراحل فانتازية مذهلة في الأردن، فانتازيا هائلة تعبئ الفراغ الذي يشكل الفجوة الواسعة بين الرؤية الملكية المعبر عنها في الأوراق النقاشية، والواقع المتشابك بالتناقضات وكثير التعقيد في المشهد السياسي والاجتماعي الأردني.

(الأوراق النقاشية الجادة نظريا بالإصلاح والمتخمة بالوعي تحولت تحت وطأة الواقع السياسي البائس في الأردن، إلى سلم تسلق لوزير سابق مثلا، ألف عن الأوراق النقاشية كتابا أقام له حفلا راقصا حضره رئيس الوزراء ونخب الحكم في الدولة.. تلك مفارقة مهينة للأوراق وغير لائقة بكاتبها).

ومما قلته، إن السعي المتسارع نحو تشريع قانوني انتخاب وأحزاب مهما كانا بالغا الحداثة والعصرية لن يخلق حياة حزبية في الواقع السياسي الأردني.

ما قلته أمام الملك إن الوعي الاجتماعي والسياسي في الأردن، هو وعي ممسوخ ومزور ومشوه، وقد تمت عملية ممنهجة لتزوير وتشويه ومسخ هذا الوعي الجمعي طوال سنوات مضت؛ إلى درجة أن الدولة "بمفهومها الشعبي" لم تعد بحاجة إلى مهارات الأجهزة الأمنية لتزوير الانتخابات البرلمانية، فالوعي المزور والمشوه والممسوخ قادر لوحده وبدون جهد أن ينتج مجالس بائسة مثل الموجودة حاليا تعكس الوعي الممسوخ نفسه.

ما قلته أمام الملك، وبوضوح وقد استمع إليّ كما لمست باهتمام، إن عملية السعي المكرر لتشريع قانوني انتخاب وأحزاب أملا بخلق حياة حزبية ديمقراطية وحكومات برلمانية مكتملة الأركان يشبه تماما عملية زرع شتلة أمازونية في صحراء الربع الخالي، فإما أن يتحول الربع الخالي إلى أمازون أو أن تموت الشتلة؛ وأنهيت كلامي للملك بأن الأردن منذ أكثر من عشرين سنة، يزرع الشتلة لتموت، لكن التصحر يمتد ويتسع.

السعي المتسارع نحو تشريع قانوني انتخاب وأحزاب مهما كانا بالغا الحداثة والعصرية لن يخلق حياة حزبية في الواقع السياسي الأردني

​​مما قلته أمام الملك وكانت تعابير وجهه توافقني في هذه النقطة تحديدا، من أن الإصلاح السياسي في الأردن، بات يتطلب مع كل هذه القتامة في المشهد، رحلة طويلة من إعادة تأهيل الوعي وتحريره بدءا من منظومة التربية والتعليم وليس انتهاء بباقي منظومات الدولة والمجتمع.

محاربة الفساد الذي أصبح مؤسسة بحد ذاتها، ضرورة ملحة في فتح الطريق، لكن الطريق لا بد أن يكون باتجاه إعادة تأهيل الوعي بعد كل هذا التشويه الذي تعرض له.

اقرأ للكاتب أيضا: كيرياليسون.. كيرياليسون

رأس الدولة الأردنية، الملك، استمع وتفاعل باهتمام ملحوظ لي ولمداخلات أكثر شدة وربما قسوة في الطرح من زملاء حاضرين، وأعتقد أن الحوار كان مهما لأنه حوار خارج الصندوق المعتاد في اللقاءات الملكية، والملك لم يمانع رغم مداخلات مدير مكتبه المتكررة، أن يدخل في جدل مع الموجودين، جدل جاد وحوار فيه اختلافات وتوافقات ومراجعات مهمة.

اللقاء والحوار مهم، لكنه ليس غاية نهائية، فالأهم أن يكون الحوار المفضي إلى نتائج هو الغاية، وهذا يتطلب توسعة مساحات الحوار بلا خوف ولا شكوك ولا تردد، كما يتطلب شفافية أكثر تتجاوز ضيق أفق الخبر الرسمي المنشور في الصحف الرسمية، فما تحدثنا به في تلك القاعة الملكية المغلقة، يستحق كثير منه النشر وطرحه للنقاش العام.

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.
الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.

على مدى ربع قرن، كان لي شرف الكتابة في جريدة "الحياة"، يوم كانت واجهة الصحافة العربية المطبوعة العابرة للدول والقارات. سواء جاءت نهايتها لأفول الجريدة الورقية كوسيلة توزيع للمعلومة والفكر، أو لأخطاء على درب إدارتها، فإن "الحياة" قد أسلمت الروح، ومعها النمط الذي اعتاد عليه جيلها في قراءة الخبر والتحليل والرأي.

بدا يومها أن الزمن الذي كانت كانت فيه نشرات الأخبار، الإذاعية والمرئية، تمهيداً لقراءة المادة المكتوبة الموسعة في جريدة الصباح قد ولّى، وأصبح بالإمكان، عبر الشاشات والشبكات المعلوماتية، الاستفاضة بالحصول على المضمون الموسّع والمعمّق دون تأخير.

ومع المزيد من التطور في التقنيات، أضحى جليًا بأن طلب المضمون وتلقيه ينتقل ليس من الطباعة إلى الشاشة وحسب، بل، في انقلاب في أدوار الخادم والمخدوم، من الكلمة المكتوبة إلى أشكال جديدة للكلمة المسموعة والمرئية، تأتي بدورها في ارتباط وثيق بالصورة البيانية أو التعبيرية، وتتولى مهمة التعليق عليها.

فيما يقترب من الإجماع، القناعة اليوم هي أن المضمون المصور، ولا سيما بالصيغة النشطة التي تحاكي مخيلة الاستيعاب، هو السبيل الأكثر فعالية للتواصل مع المتلقي. والانتقال المتحقق إليه ليس الأول على مدى التاريخ الإنساني. سبق هذا الانتقال حالات عديدة، منها ما أسفر عن تحولات كمّية كبيرة في انتشار المضمون، مثل الانتقال من المخطوط إلى المطبوع، ثم أن التراكم الكمي استحال بدوره تحولات نوعية عميقة. ومنها، قبلها، ما هو أساس الحضارة، أي الانتقال من الشفهي إلى المكتوب.

الانتقال الأخير جاء قابلاً للتحقق نتيجة التطور الكبير في تقنيات المعلومات طبعاً، وأثره البالغ على الإنتاج والتوزيع والاستهلاك في المجال المعرفي كما في سائر المجالات. المقارنة هنا غالباً ما تكون مع الثورة الصناعية. ربما هي كذلك في أكثر من مجتمع وسياق، غير أن الواقع الجديد في المحيط العربي يقترب ببعض أوجهه من أن يكون أشبه بأحوال ما بعد الكارثة الطبيعية منه بنتائج الثورة الصناعية.

البنى التي انهارت لم تكن الصحافة المطبوعة وحدها. فالمتضرر الأول كان الكتاب. نعم، ثمة تعارض في تحقق الفائدة والضرر بين دور النشر ومعها المؤلفين من جهة، والقارئ من جهة أخرى، إذ توفرّت له بين ما يشبه الليلة وضحاها مكتبات بكاملها، بصيغة رقمية أعيد إدخالها، أي عرضة لكمّ كبير من الأخطاء في مرحلة أولى، ثم بصيغة مصوّرة تحاكي الكتاب المطبوع بإخلاص، وصولاً إلى إقدام المكتبات الجامعية بنفسها على وضع مقتنياتها على الشبكة، ليصبح القارئ قادراً على الاطمئنان إلى الكتاب في سنده ومتنه ومصدره.

لكن في مقابل سعادة القارئ، تعرقلت نظم الموازنة بين الانتاج الفكري والتعويضات المالية للمؤلف والناشر. ومع غياب إمكانية الحصر والضبط وضمان حقوق النشر، خسر الكتاب صدارته كالوسيلة الأولى لصياغة الفكر. بالأمس كان جديد الكتب موضع اهتمام "خاصّة" فكرية وحدها لها إطار التداول. مع الواقع الجديد، مواد التداول وأطره أصبحت لا تحصى، وما كان للخاصة الفكرية لم يعد حصراً عليها. لمن هو منها أن يعترض في مفاضلة مستمرة بين الرفيع والوضيع، الراقي والمتردي، وهو قد فعل ولا يزال، ولكن اعتراضه ضائع في ضوضاء حقيقة غلبة "العامة" وتفضيلاتها وخياراتها، وإن استحالت ساحات متباعدة وفرق متناحرة، على "خاصّة" لم تعد كذلك، بل أمست واحدة من عدة. وفي هذه الفوضى، لم يجد الفكر العربي معادلة الاستقرار بعد، وإن كانت تشكيلات عدّة تتنافس للمنصب.

ربما أن "من زاوية أخرى" كانت محاولة صمود من جانب الكلمة المكتوبة. في هيئتها المقاوِمة هذه، الكلمة المكتوبة ليست مطبوعة على ورق، بل مقروءة على الشاشة، ويصاحبها ويعززها التفاعل، في موقع النشر نفسه ثم عبر منصات التواصل الاجتماعي، ولمقالات مختارة من خلال إبرازها ومناقشتها إذاعياً، أي بتحويلها إلى مادة مسموعة، ومن بعد كل هذا من خلال التقاطها وإعادة نشرها في مواقع أخرى.

ولكن، هل كان الأمر وحسب صمود يائس في وجه المحتَّم؟ الجواب يبدو بالإيجاب إذا كان الحكم على هذه المحاولة مبنياً على المعايير الكمية السائدة في التواصل الاجتماعي. أعداد المشاهدات منخفضة، لا ترتفع إلا في بعض المواضيع ذات الطبيعة الآنية أو السجالية. تعليقات يغلب عليها الحكم المتسرع أو الرأي المعلّب، وصولاً إلى الشتائم والابتذال. بل يكتفي العديد من "المعلّقين" بالاطلاع على الاقتباس الهادف إلى دعوتهم إلى قراءة المقال، دون قراءته، قبل التكرّم بالآراء القطعية الصارمة. ما فائدة هذا المجهود إذا كان لا يتعدى في نتيجته تكرار ما يحدث في طرف نائٍ من أطراف عالم التواصل الاجتماعي؟

غير أن هذه المعايير قد لا تكون هي الصالحة لاعتبار التجربة. بعض ما استوعبته هذه التجربة يندرج بالفعل في إطار السجال ومجاراة الأخبار، وبعضها الآخر ربما يحظى بطابع أقل ارتباطاً بالآني. ولكن المجموع، على اختلاف مكوناته، شكّل نقطة مرجعية لعدد غير قليل من المسؤولين عن صياغة القرار والرأي في مواقع متقدمة. قد يصعب إثبات هذا الزعم بالأرقام، ولكنه كان حقيقة ملموسة لي شخصياً ولغيري من الزملاء، بما ساهم بتحمل الضجيج في التعليقات.

غروب "من زاوية أخرى" هو بالتالي خسارة، وإن اقتضه حسابات المؤسسة، وإشعار إضافي بما تواجهه الكلمة المكتوبة الرصينة من تحديات. كل الشكر والاحترام للإداريين والمحررين المتعاقبين على المسؤولية عن صفحة "من زاوية أخرى" على مدى أعوامها، وكل المودة والتقدير لكافة الزملاء، إذ حافظوا على أهمية الرأي الملتزم باحترام كلام الآخر وعقل القارئ، في واقع فكري معاصر يطفح بالأهوائيات والعصبيات والاستعلائيات، ولا سيما منهم من قرأ مادة نقدية وجهتُها إليه وأجاب بما أثرى النقاش، وأخيراً لا آخراً بالتأكيد، فائق الامتنان والإجلال لكل قارئ قرأ، سواء اتفق مع الرأي المطروح أو اختلف معه.

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.