الولايات المتحدة تدرج عصائب أهل الحق وقائدها قيس الخزعلي ضمن الجماعات الإرهابية
العقبة الرئيسية أمام الخزعلي فهي أن أفعال "عصائب أهل الحق" لا تزال متعارضة مع كلمات قائدها

مايكل نايتس وفرزند شيركو/

تُعْتبر "عصائب أهل الحق" إحدى أشهر الميليشيات العراقية المدعومة من إيران، وهي على وشك أن تخضع لعقوبات الحكومة الأميركية بسبب العديد من أنشطتها الإرهابية الموثقة. والآن يحاول زعيمها قيس الخزعلي "إدماج" حركته في "الوسط السياسي".

وبالنسبة للولايات المتحدة، فإن السؤال الرئيسي هو ما إذا كان ينبغي فرض عقوبات ضده أو ضد حركته أو كليهما، أو المساومة من خلال تهديده بفرض العقوبات، بانتظار علامات واضحة على سلوك أقل تدميرا.

الجهات الفاعلة العسكرية ـ السياسية الشيعية العراقية

منذ عام 2003، انتقل عدد من الجهات الفاعلة العراقية تدريجيا من المليشيات إلى الكتل السياسية. وقد كانت حركة التيار الصدري بقيادة مقتدى الصدر بالإضافة إلى جماعة منشقة تدعى "الفضيلة" أولى الحركات المنتقلة وأكثرها نجاحا. واحتفظت هذه الجماعات بعدد كبير من الميليشيات في الفترة ما بين عامي 2004 ـ 2008 ولكنها اختارت نزع سلاح معظم قواتها نتيجة مجموعة متضافرة من الضغوط العسكرية والسياسية من جانب الأطراف الفاعلة الداخلية، والحكومة العراقية، والولايات المتحدة.

واليوم، تشكّل حركة "الصدر" أكبر كتلة في البرلمان، مع أربعة وخمسين مقعدا، وتمثّل أكبر حركة احتجاجية في البلاد. وفي الوقت نفسه، لا تزال الحركة تقود ميليشيا قوية قوامها 12 ألف فرد تحت اسم "سرايا السلام"، التي تشكل بشكل قانوني جزءا من قوات الأمن العراقية منذ تفعيل "قوات الحشد الشعبي" في حزيران/يونيو 2014.

أُثبِت ضلوعها بقتل العشرات من الشباب المتحررين الذين يرتدون ملابس مختلفة بشكل مميز

​​أمّا الميليشيا الأخرى التي دخلت الطيف السياسي فهي "منظمة بدر"، وهي جماعة معارضة شبه عسكرية تدعمها إيران، وقد اختارت التنافس في جميع الانتخابات العراقية التي جرت بعد عام 2003. واليوم، تقود ثاني أكبر كتلة في البرلمان. وتعتبر "بدر" أيضا المزود الرئيسي للعناصر في "قوات الحشد الشعبي"، حيث يبلغ قوامها ضعف عدد ميليشيا "سرايا السلام".

واليوم، تنضم إلى هذه الميليشيات الشيعية المشتركة جماعة "عصائب أهل الحق"، وهي حركة منشقة من التيار الصدري أسسها كل من إيران و"حزب الله" اللبناني في عام 2006. ويسعى رئيس الحركة، الخزعلي، تدريجيا إلى الابتعاد عن هويته العسكرية المؤيدة لإيران ليثبت نفسه كزعيم سياسي عربي عراقي قومي.

التجديد المظهري لقيس الخزعلي

يمكن استخلاص عدد من المواضيع من الخطابات الأخيرة التي ألقاها الخزعلي في 5 كانون الثاني/يناير و23 كانون الثاني/يناير، بمناسبة الذكرى السنوية لانسحاب القوات الأميركية من العراق عام 2011 والإعلان العراقي عام 2018 عن يوم النصر على تنظيم "الدولة الإسلامية":

الابتعاد عن إيران. قال الخزعلي الذي يسعى إلى الانفصال عن السياسة الإيرانية، "لم أعِش في إيران منذ سبعة عشر عاما. قد يكون الأمر هو إنني أزور إيران مرة أو مرتين سنويا لأخذ أطفالي في عطلة لأنني لا أستطيع زيارة أي بلد آخر". وثم سعى لتأكيد موقفه بالقول: "إذا اندلعت حرب بين الولايات المتحدة وإيران خارج العراق، فهذا الأمر لا يتعلق بنا".

حكم "ولاية الفقيه" في العراق. في إشارة إلى المفهوم الذي يمنح المرشد الأعلى الإيراني سلطته، قال الخزعلي إنه "من غير الممكن أن يكون لدينا «ولاية فقيه» بنفس الطريقة المتبعة في إيران". وأضاف: "تشكّل أعلى سلطة دينية شيعية في النجف جزءا من هويتنا الاجتماعية، وبالتالي فإن المرجع في النجف لا يمكن أن يؤدي دور «ولاية الفقيه» في العراق".

"قوات الحشد الشعبي". أضاف الخزعلي: "لا يمكننا تحويل 'قوات الحشد الشعبي' العراقي إلى 'فيلق الحرس الثوري الإسلامي' الإيراني لأن أحد أهم أسباب بقاء 'الحرس الثوري الإيراني' هو وجود 'ولاية الفقيه' في إيران".

"حزب الله". في ما يتعلق بنموذج "حزب الله" اللبناني، قال الخزعلي: "لا يستطيع الشيعة في العراق التصرف بالطريقة ذاتها التي يتصرف بها الشيعة في لبنان لأننا الأغلبية في العراق، بينما هم الأقلية في لبنان". وأضاف: "نحن دولة!" ـ أي أن الشيعة في العراق قد حققوا بالفعل منزلة متفوقة على تلك التي حققها "حزب الله" في لبنان.

وبشكل عام، يسعى الخزعلي إلى تكوين هوية جديدة وشخصية متبصرة تسمح له بالتنافس مع خصمه لفترة طويلة، الصدر، للحصول على اهتمام الشباب. فهو يدعو إلى تعزيز الدولة كأفضل طريقة لمنع التدخل الأجنبي مهما كانت الجهة ـ الولايات المتحدة أو إيران أو الجهات السنية. ويريد الخزعلي، صاحب الخطابات الشعبية المعادية للأجانب، توسيع نطاق هوية "المقاومة الإسلامية" لتشمل المجال الاقتصادي من خلال استبعاد الاستثمارات الأجنبية من البنية التحتية الحيوية في العراق.

آفاق محاولة "عصائب أهل الحق"

يقدم الخزعلي مجموعة من الحوافز للدولة العراقية والمجتمع الدولي، مقابل الموافقة على اتجاهه للانضمام إلى التيار السياسي الرئيسي. فمنذ نيسان/أبريل 2018، أبدى استعداده لتسليم أسلحة جماعته إلى الدولة العراقية ودمج ميليشياتها في قوات الأمن العراقية. وفي أعقاب انتخابات أيار/مايو 2018، حصلت قائمة كتلة "الصادقون" برئاسة الخزعلي على 15 مقعدا في مجلس النواب العراقي المؤلف من 329 مقعدا. وقد حققت كتلة "الصادقون" زيادة سريعة في المقاعد، حيث كان لها مقعد واحد فقط في عام 2014.

وجاءت هذه الزيادة من خلال اختيار مزيج ذكي من المرشحين الشباب ـ ولا سيما النساء ـ وتخويف المليشيات والتلاعب بالأصوات في مراكز الاقتراع في بغداد. وتجدر الإشارة إلى إنّ عضو مجلس الوزراء من "عصائب أهل الحق" عبد الأمير الحمداني، الذي يشغل منصب وزير الثقافة والسياحة والآثار، هو عالم آثار كفوء، تم تعيينه لكي تظهر الحركة في أحسن صورة ممكنة.

أمّا العقبة الرئيسية أمام الخزعلي فهي أن أفعال "عصائب أهل الحق" لا تزال متعارضة مع كلمات قائدها. فطوال تاريخها، قامت "عصائب أهل الحق" بقتل العراقيين ـ من بينهم من هم من دائرتها الشيعية ـ الذين وقفوا في طريق الجماعة.

ففي منتصف العقد الماضي، قادت "عصائب أهل الحق" حملة التطهير الطائفي في بغداد، وفي كانون الثاني/يناير 2007، عملت مع إيران من أجل تنسيق عملية اختطاف خمسة جنود أميركيين وقتلهم بدم بارد في كربلاء.

ولكن حتى 'عصائب أهل الحق' "الجديدة" ـ التي ظهرت على هذا النحو منذ إنشاء "قوات الحشد الشعبي" في عام 2014 ـ قد أُثبِت ضلوعها بقتل العشرات من الشباب المتحررين الذين يرتدون ملابس مختلفة بشكل مميز، بالإضافة إلى المطربين، والعاملين في الملاهي الليلية، وبائعي المشروبات الكحولية، والعاملين في منظمات المجتمع المدني، والصحافيين والناشطات على وسائل التواصل الاجتماعي.

كما ثبت ضلوع مقاتلي "عصائب أهل الحق" أيضا في ابتزاز السياسيين ومالكي الكازينوهات والمطاعم والنوادي الليلية، وكذلك استيراد المخدرات إلى العراق وتحصيل رسوم هائلة من سائقي الشاحنات. وقد اختطفت "عصائب أهل الحق" أيضا رياض العضاض، رئيس مجلس محافظة بغداد، علنا في عام 2014. وفي عام 2016، استولت على مصفاة بيجي، وهي أكبر مصفاة نفط في العراق، وسرقت المعدات الرئيسية من المنشأة وباعتها لأعلى المزايدين.

كما يستمر هذا السلوك الوحشي حتى في الآونة الأخيرة. ففي انتخابات أيار/مايو 2018، وقف أعضاء "عصائب أهل الحق" خارج مراكز الاقتراع في المناطق السنية في شمال وشرقي بغداد، وقادوا حرفيا مئات الناخبين [إلى صناديق الاقتراع] لانتخاب مرشحيهم باستخدام التهديد الجسدي.

أمّا في المناطق الريفية، فكانت "عصائب أهل الحق" أكثر عنفا بصورة علنية. ففي تموز/يوليو 2018، اختطفت الجماعة ضباطا محليين من الجيش العراقي وزعماء قبائل سنية في منطقة الدجيل، شمال بغداد. وحيث تسيطر ميليشيات "عصائب أهل الحق" على شمال ديالى، جنّدت الجماعة مقاتلي تنظيم "الدولة الإسلامية" عمدا في أرجاء جلولاء وخانقين بسبب موقفهم المناهض للأكراد، مما أدى إلى عودة العنف المحلي ضد المجتمعات الكردية.

توصيات للسياسة الأميركية

لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت حركة مقتدى الصدر أو "منظمة بدر" قد انضمتا بالفعل إلى التيار السياسي الرئيسي العراقي النظري، وذلك لأن كلتيهما تقودان قوات مسلحة كبيرة وترفضان الخضوع للسيطرة التامة للدولة. وبالرغم من صحة كل ما ورد، تَعْتبر الولايات المتحدة كل من حركة "الصدر" و"منظمة بدر" جهة فاعلة سياسية شرعية وعنصرا لا غنى عنه في المشهد الحزبي في العراق. لذا، فالسؤال الجوهري الذي يطرحه صانعو السياسة في الولايات المتحدة يتمثّل في ما إذا كان ينبغي على واشنطن معاملة "عصائب أهل الحق" كما تعامل تلك الجهات الفاعلة، أو بدلا من ذلك، إدراج قيس الخزعلي وجماعته ضمن لوائح الإرهاب، كما فعلت مع الكيانات الأخرى المدعومة من إيران مثل "كتائب حزب الله" و"حركة حزب الله النجباء"؟

في المناطق الريفية، فكانت "عصائب أهل الحق" أكثر عنفا بصورة علنية

​​ويشير المسؤولون العراقيون إلى كل من حركة "الصدر" و"منظمة بدر" على أنها مثال أولي للاعتدال الجزئي الذي يمكن البناء عليه. فمن جانب الولايات المتحدة، يجب عليها استخدام ورقة الضغط التي يشكلها التهديد بفرض العقوبات لتوجيه سلوك "عصائب أهل الحق" بطريقة غير مباشرة في الاتجاه الصحيح.

وعلى وجه التحديد، يجب على الولايات المتحدة أن تشير بهدوء إلى أنها تراقب "عصائب أهل الحق" عن كثب في المحافظات والمدن العراقية، وأنها تقوم بإدراج أعمال الحركة ضمن الأسباب التي قد تدفع الولايات المتحدة إلى فرض العقوبات، وأن ذلك يمكن أن يشمل تقييما سلبيا لملف الخزعلي الشخصي.

يجب على واشنطن أيضا أن تعلن بهدوء أنها ستراقب مبادرات الخزعلي فيما يتعلق بالشراكة العسكرية الأميركية ـ العراقية التي تهدف إلى هزيمة تنظيم "الدولة الإسلامية". وقد ألمح زعيم "عصائب أهل الحق" إلى أن وجود المستشارين والمدربين الأميركيين قد يكون مقبولا، واصفا الموضوع بأنه "مسألة عسكرية تقنية"، وليس مسألة سياسية. ولكن، إذا تم طرد القوات الأميركية من العراق نتيجة التحريضات التي يقوم بها رجال الميليشيات مثل الخزعلي، فإن واشنطن لن تخسر إلاّ القليل من خلال فرض كامل وطأة العقوبات عليه وعلى حركته.

مايكل نايتس هو زميل أقدم في معهد واشنطن، وقد عمل في جميع المحافظات العراقية ومعظم أقضيتها التي يزيد عددها على مئة قضاء منذ عام 2003.

فرزند شيركو هو باحث استراتيجي ومحلل سياسي مقره في العراق ومتخصص في شؤون الاستخبارات والأمن لـ "إقليم كردستان العراق"، العراق الكبير، والشرق الأوسط الأوسع.

المصدر: منتدى فكرة

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.
الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.

على مدى ربع قرن، كان لي شرف الكتابة في جريدة "الحياة"، يوم كانت واجهة الصحافة العربية المطبوعة العابرة للدول والقارات. سواء جاءت نهايتها لأفول الجريدة الورقية كوسيلة توزيع للمعلومة والفكر، أو لأخطاء على درب إدارتها، فإن "الحياة" قد أسلمت الروح، ومعها النمط الذي اعتاد عليه جيلها في قراءة الخبر والتحليل والرأي.

بدا يومها أن الزمن الذي كانت كانت فيه نشرات الأخبار، الإذاعية والمرئية، تمهيداً لقراءة المادة المكتوبة الموسعة في جريدة الصباح قد ولّى، وأصبح بالإمكان، عبر الشاشات والشبكات المعلوماتية، الاستفاضة بالحصول على المضمون الموسّع والمعمّق دون تأخير.

ومع المزيد من التطور في التقنيات، أضحى جليًا بأن طلب المضمون وتلقيه ينتقل ليس من الطباعة إلى الشاشة وحسب، بل، في انقلاب في أدوار الخادم والمخدوم، من الكلمة المكتوبة إلى أشكال جديدة للكلمة المسموعة والمرئية، تأتي بدورها في ارتباط وثيق بالصورة البيانية أو التعبيرية، وتتولى مهمة التعليق عليها.

فيما يقترب من الإجماع، القناعة اليوم هي أن المضمون المصور، ولا سيما بالصيغة النشطة التي تحاكي مخيلة الاستيعاب، هو السبيل الأكثر فعالية للتواصل مع المتلقي. والانتقال المتحقق إليه ليس الأول على مدى التاريخ الإنساني. سبق هذا الانتقال حالات عديدة، منها ما أسفر عن تحولات كمّية كبيرة في انتشار المضمون، مثل الانتقال من المخطوط إلى المطبوع، ثم أن التراكم الكمي استحال بدوره تحولات نوعية عميقة. ومنها، قبلها، ما هو أساس الحضارة، أي الانتقال من الشفهي إلى المكتوب.

الانتقال الأخير جاء قابلاً للتحقق نتيجة التطور الكبير في تقنيات المعلومات طبعاً، وأثره البالغ على الإنتاج والتوزيع والاستهلاك في المجال المعرفي كما في سائر المجالات. المقارنة هنا غالباً ما تكون مع الثورة الصناعية. ربما هي كذلك في أكثر من مجتمع وسياق، غير أن الواقع الجديد في المحيط العربي يقترب ببعض أوجهه من أن يكون أشبه بأحوال ما بعد الكارثة الطبيعية منه بنتائج الثورة الصناعية.

البنى التي انهارت لم تكن الصحافة المطبوعة وحدها. فالمتضرر الأول كان الكتاب. نعم، ثمة تعارض في تحقق الفائدة والضرر بين دور النشر ومعها المؤلفين من جهة، والقارئ من جهة أخرى، إذ توفرّت له بين ما يشبه الليلة وضحاها مكتبات بكاملها، بصيغة رقمية أعيد إدخالها، أي عرضة لكمّ كبير من الأخطاء في مرحلة أولى، ثم بصيغة مصوّرة تحاكي الكتاب المطبوع بإخلاص، وصولاً إلى إقدام المكتبات الجامعية بنفسها على وضع مقتنياتها على الشبكة، ليصبح القارئ قادراً على الاطمئنان إلى الكتاب في سنده ومتنه ومصدره.

لكن في مقابل سعادة القارئ، تعرقلت نظم الموازنة بين الانتاج الفكري والتعويضات المالية للمؤلف والناشر. ومع غياب إمكانية الحصر والضبط وضمان حقوق النشر، خسر الكتاب صدارته كالوسيلة الأولى لصياغة الفكر. بالأمس كان جديد الكتب موضع اهتمام "خاصّة" فكرية وحدها لها إطار التداول. مع الواقع الجديد، مواد التداول وأطره أصبحت لا تحصى، وما كان للخاصة الفكرية لم يعد حصراً عليها. لمن هو منها أن يعترض في مفاضلة مستمرة بين الرفيع والوضيع، الراقي والمتردي، وهو قد فعل ولا يزال، ولكن اعتراضه ضائع في ضوضاء حقيقة غلبة "العامة" وتفضيلاتها وخياراتها، وإن استحالت ساحات متباعدة وفرق متناحرة، على "خاصّة" لم تعد كذلك، بل أمست واحدة من عدة. وفي هذه الفوضى، لم يجد الفكر العربي معادلة الاستقرار بعد، وإن كانت تشكيلات عدّة تتنافس للمنصب.

ربما أن "من زاوية أخرى" كانت محاولة صمود من جانب الكلمة المكتوبة. في هيئتها المقاوِمة هذه، الكلمة المكتوبة ليست مطبوعة على ورق، بل مقروءة على الشاشة، ويصاحبها ويعززها التفاعل، في موقع النشر نفسه ثم عبر منصات التواصل الاجتماعي، ولمقالات مختارة من خلال إبرازها ومناقشتها إذاعياً، أي بتحويلها إلى مادة مسموعة، ومن بعد كل هذا من خلال التقاطها وإعادة نشرها في مواقع أخرى.

ولكن، هل كان الأمر وحسب صمود يائس في وجه المحتَّم؟ الجواب يبدو بالإيجاب إذا كان الحكم على هذه المحاولة مبنياً على المعايير الكمية السائدة في التواصل الاجتماعي. أعداد المشاهدات منخفضة، لا ترتفع إلا في بعض المواضيع ذات الطبيعة الآنية أو السجالية. تعليقات يغلب عليها الحكم المتسرع أو الرأي المعلّب، وصولاً إلى الشتائم والابتذال. بل يكتفي العديد من "المعلّقين" بالاطلاع على الاقتباس الهادف إلى دعوتهم إلى قراءة المقال، دون قراءته، قبل التكرّم بالآراء القطعية الصارمة. ما فائدة هذا المجهود إذا كان لا يتعدى في نتيجته تكرار ما يحدث في طرف نائٍ من أطراف عالم التواصل الاجتماعي؟

غير أن هذه المعايير قد لا تكون هي الصالحة لاعتبار التجربة. بعض ما استوعبته هذه التجربة يندرج بالفعل في إطار السجال ومجاراة الأخبار، وبعضها الآخر ربما يحظى بطابع أقل ارتباطاً بالآني. ولكن المجموع، على اختلاف مكوناته، شكّل نقطة مرجعية لعدد غير قليل من المسؤولين عن صياغة القرار والرأي في مواقع متقدمة. قد يصعب إثبات هذا الزعم بالأرقام، ولكنه كان حقيقة ملموسة لي شخصياً ولغيري من الزملاء، بما ساهم بتحمل الضجيج في التعليقات.

غروب "من زاوية أخرى" هو بالتالي خسارة، وإن اقتضه حسابات المؤسسة، وإشعار إضافي بما تواجهه الكلمة المكتوبة الرصينة من تحديات. كل الشكر والاحترام للإداريين والمحررين المتعاقبين على المسؤولية عن صفحة "من زاوية أخرى" على مدى أعوامها، وكل المودة والتقدير لكافة الزملاء، إذ حافظوا على أهمية الرأي الملتزم باحترام كلام الآخر وعقل القارئ، في واقع فكري معاصر يطفح بالأهوائيات والعصبيات والاستعلائيات، ولا سيما منهم من قرأ مادة نقدية وجهتُها إليه وأجاب بما أثرى النقاش، وأخيراً لا آخراً بالتأكيد، فائق الامتنان والإجلال لكل قارئ قرأ، سواء اتفق مع الرأي المطروح أو اختلف معه.

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.