إذا كنا نريد لصغارنا حياة طبيعية صحية نفسيا وعقليا وجسديا، فإن إنهاء التمييز يجب أن يتم من حيث تبدأ حياتهم
إذا كنا نريد لصغارنا حياة طبيعية صحية نفسيا وعقليا وجسديا، فإن إنهاء التمييز يجب أن يتم من حيث تبدأ حياتهم

ابتهال الخطيب/

يقول نوبوأكي نوتوهارا في كتابه "العرب وجهة نظر يابانية" إنه "عندنا في اليابان أوقفنا تدريس مادة الديانة كدين فقط في كل مراحل التعليم وندرس بدلا منها مادة الأخلاق ولكن هذا حدث بعد الحرب العالمية الثانية. نحن نعتقد الدين شكلا من أشكال المدارس الفكرية وليس الانتماء المذهبي عندنا مصدر لأي نوع من أنواع الصراع أو العدوانية. طبعا الدين موجود في اليابان وأحيانا يكون قويا في مجال الطقوس ولكنه لا يتدخل في الملابس على الإطلاق، أعني لا يحدد للناس نوع اللباس ولا شكله ولا طوله وفي هذا تقدم كبير خارج القمع وباتجاه الحرية" (48). 

كنت قد طرحت سابقا من خلال عدد من المقابلات والمقالات فكرة الضرورة الحتمية لإلغاء تدريس مقررات العقيدة الدينية في مدارسنا العربية واستبدالها بمقررات الأخلاق وحقوق الإنسان أو مقررات تواريخ الأديان، وهي الفكرة التي لاقت صدودا قاسية وصل حد التهديد برفع قضايا ازدراء أديان (والتي لم يتم رفعها في الواقع) لمجرد طرحها والتحاور حولها.

يتحول النفاق إلى أسلوب حياة، ويصبح الإخفاء وسيلة دفاعية تتم في الظلام، وفي الظلام لا ينمو سوى العفن

​​والحقيقة أن موضوع تدريس العقيدة الدينية له أكثر من منحى استشكالي في عالم اليوم. في ظل الدول المدنية، التي تود أن تسوق لنفسها على أنها دول متحضرة تعامل مواطنيها على قدم المساواة، إن فكرة تدريس عقيدة معينة (وما تتطلبه الفكرة من اختيار مذهب معين ومن ثم مدرسة محددة) تتضارب حقيقة مع مفهوم المساواة ومع فكرة القيمة المواطنية للفرد في الدولة.

المواطن الذي تدرس عقيدته في المدارس ويعتمد توجهه الديني في الإعلام وتُتداول أفكاره ورؤاه الغيبية على الملأ على أنها حقائق لا تقبل النقاش سيستشعر، ولا بد، علو مركزه المواطني عمن عداه، وترسخ أيديولوجيته فوق كل ما يختلف عنها من أيديولوجيات متنوعة لمواطنين آخرين، مما يجعله مواطن رقم واحد، نخب أول، يقف على قمة الهرم الطبقي الأيديولوجي في بلده ويدلدل رجليه فوق وجوه وأجساد من يتراكمون أسفله.

اقرأ للكاتبة أيضا: لنستمتع بالحزن!

ما زلت أتذكر حين كنت في المرحلة المتوسطة من الدراسة، في أوائل الثمانينيات، وفي خضم قيام الثورة الإيرانية، طعم ذاك الاضطهاد الواضح والخفي الذي بدأت أعانيه وزميلاتي المنتميات للأقلية الطائفية في المدرسة كرد فعل واضح على تدريس عقيدة ثابتة في صفوفها في مقابل ارتفاع حس ثورة دينية في دولة مجاورة.

تعالى الحس الطائفي إلى قمته في وقتها، حتى أنني أتذكر إشارة مدرسات التربية الإسلامية في الصف المدرسي إلى كفر الطوائف الأخرى، تحديدا الطائفة الشيعية، وخرافية ممارساتها. ما زال وقع خطوات زميلاتي وأصواتهن الرفيعة يتردد في أذني وهن يمشين خلفي في ردهات المدرسة مرددات "شوشو" إشارة إلى شيعية مذهب عائلتي.

كنت أسبح في بحر من ألم مستجد، كان ظاهرا على استحياء في السابق، ليعلو ويستبد بلا حياء في وقتها، ليفصلني ويعزلني عن زميلاتي في المدرسة. كنت مضطرة أن أتجاوب وطائفية مدرساتي، وأن أحفظ وأردد وأكتب في الامتحانات تفاصيل مذهبية غير تلك التي لعائلتي، وأن أضحك في وجه الصغيرات اللواتي يسخرن مني كوسيلة دفاع عن نفسي، كل ذلك لأقطع دربي في المدرسة وأجتاز مقرراتها.

يخلق تدريس عقيدة موحدة لكافة الأطياف العقائدية والمذهبية في المجتمع طبقة منافقة من الناس، تظهر غير ما تبطن، تكتب على الورق غير ما تعتقد.

مع الوقت، يتحول النفاق هذا إلى أسلوب حياة، ويصبح الإخفاء وسيلة دفاعية تتم في الظلام، وفي الظلام لا ينمو سوى العفن.

هكذا تتحول مجتمعاتنا بأكملها إلى مجتمعات تعاني من اضطراب "تعدد الشخصيات" حيث لكل منا ألف وجه وألف مبدأ وألف فكرة تظهر حسب الموقف والحاجة.

إلا أن هذا الاضطراب التعليمي لا يتوقف عند حد خلق شخصيات عدة متوارية في ذات الإنسان، هو كذلك يخلق اضطراب في طريقة التفكير بحد ذاتها، وستكون هذه النقطة هي موضوع المقال القادم.

يخلق تدريس عقيدة موحدة لكافة الأطياف العقائدية والمذهبية في المجتمع طبقة منافقة من الناس

​​في بلدي الكويت، الوضع الشيعي ـ السني هو الأكثر اتزانا وعدالة في المجتمع الخليجي ككل، ولكن المقارنة هنا تتم بالأوضاع الأكثر سوءا في حين أن الطموح يستوجب أن تتم المقارنة مع الأوضاع الأفضل والأكثر عدلا. 

ورغم ذلك، وعلى أنني كبرت في مجتمع أهون بكثير ممن حوله من حيث التمييز الطائفي، إلا أن طعم التمييز لا يزال مختلطا مع طعم الحلوى في ذاكرتي الطفولية، ما زلت أتذكر اللحظات التي كبرت فيها سنوات عدة في أيام قليلة، حين انتبه عقلي إلى وضعي الاجتماعي الأيديولوجي الذي يفصلني عن الأغلبية ويميزني "سلبا" عن زميلاتي، لأخطو سريعا بعيدا عن الطفولة وأدخل حيز التمييز الاجتماعي والديني لعالم الكبار، هذا الحيز الذي حرمني براءة أيامي ونعيم الجهل بما يخبئه عالم الكبار من شرور وكراهيات.

اقرأ للكاتبة أيضا: رمادي

إذا كنا نريد لصغارنا حياة طبيعية صحية نفسيا وعقليا وجسديا، فإن إنهاء التمييز يجب أن يتم من حيث تبدأ حياتهم، من حيث تتشكل عقولهم وأرواحهم، من حيث صفوف المدرسة وردهاتها، حتى لا يستشعر صغير آخر في يوم أنه وحيد معزول وسط سرب مندمج، وحتى لا تسمع صغيرة أخرى ذات يوم نداء "شوشو" يتردد خلفها ويسرع بها نحو عالم الكبار القاتم الشرير.

مقررات الأخلاق وحقوق الإنسان ستوصل كل الأفكار النبيلة المتفق عليها وبصورة محايدة تتحقق من خلالها حتى الممارسات الدينية الفاضلة المطلوب ترسيخها، وستترك الصغار صغارا، حيث يجب أن يكونوا.

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.
الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.

على مدى ربع قرن، كان لي شرف الكتابة في جريدة "الحياة"، يوم كانت واجهة الصحافة العربية المطبوعة العابرة للدول والقارات. سواء جاءت نهايتها لأفول الجريدة الورقية كوسيلة توزيع للمعلومة والفكر، أو لأخطاء على درب إدارتها، فإن "الحياة" قد أسلمت الروح، ومعها النمط الذي اعتاد عليه جيلها في قراءة الخبر والتحليل والرأي.

بدا يومها أن الزمن الذي كانت كانت فيه نشرات الأخبار، الإذاعية والمرئية، تمهيداً لقراءة المادة المكتوبة الموسعة في جريدة الصباح قد ولّى، وأصبح بالإمكان، عبر الشاشات والشبكات المعلوماتية، الاستفاضة بالحصول على المضمون الموسّع والمعمّق دون تأخير.

ومع المزيد من التطور في التقنيات، أضحى جليًا بأن طلب المضمون وتلقيه ينتقل ليس من الطباعة إلى الشاشة وحسب، بل، في انقلاب في أدوار الخادم والمخدوم، من الكلمة المكتوبة إلى أشكال جديدة للكلمة المسموعة والمرئية، تأتي بدورها في ارتباط وثيق بالصورة البيانية أو التعبيرية، وتتولى مهمة التعليق عليها.

فيما يقترب من الإجماع، القناعة اليوم هي أن المضمون المصور، ولا سيما بالصيغة النشطة التي تحاكي مخيلة الاستيعاب، هو السبيل الأكثر فعالية للتواصل مع المتلقي. والانتقال المتحقق إليه ليس الأول على مدى التاريخ الإنساني. سبق هذا الانتقال حالات عديدة، منها ما أسفر عن تحولات كمّية كبيرة في انتشار المضمون، مثل الانتقال من المخطوط إلى المطبوع، ثم أن التراكم الكمي استحال بدوره تحولات نوعية عميقة. ومنها، قبلها، ما هو أساس الحضارة، أي الانتقال من الشفهي إلى المكتوب.

الانتقال الأخير جاء قابلاً للتحقق نتيجة التطور الكبير في تقنيات المعلومات طبعاً، وأثره البالغ على الإنتاج والتوزيع والاستهلاك في المجال المعرفي كما في سائر المجالات. المقارنة هنا غالباً ما تكون مع الثورة الصناعية. ربما هي كذلك في أكثر من مجتمع وسياق، غير أن الواقع الجديد في المحيط العربي يقترب ببعض أوجهه من أن يكون أشبه بأحوال ما بعد الكارثة الطبيعية منه بنتائج الثورة الصناعية.

البنى التي انهارت لم تكن الصحافة المطبوعة وحدها. فالمتضرر الأول كان الكتاب. نعم، ثمة تعارض في تحقق الفائدة والضرر بين دور النشر ومعها المؤلفين من جهة، والقارئ من جهة أخرى، إذ توفرّت له بين ما يشبه الليلة وضحاها مكتبات بكاملها، بصيغة رقمية أعيد إدخالها، أي عرضة لكمّ كبير من الأخطاء في مرحلة أولى، ثم بصيغة مصوّرة تحاكي الكتاب المطبوع بإخلاص، وصولاً إلى إقدام المكتبات الجامعية بنفسها على وضع مقتنياتها على الشبكة، ليصبح القارئ قادراً على الاطمئنان إلى الكتاب في سنده ومتنه ومصدره.

لكن في مقابل سعادة القارئ، تعرقلت نظم الموازنة بين الانتاج الفكري والتعويضات المالية للمؤلف والناشر. ومع غياب إمكانية الحصر والضبط وضمان حقوق النشر، خسر الكتاب صدارته كالوسيلة الأولى لصياغة الفكر. بالأمس كان جديد الكتب موضع اهتمام "خاصّة" فكرية وحدها لها إطار التداول. مع الواقع الجديد، مواد التداول وأطره أصبحت لا تحصى، وما كان للخاصة الفكرية لم يعد حصراً عليها. لمن هو منها أن يعترض في مفاضلة مستمرة بين الرفيع والوضيع، الراقي والمتردي، وهو قد فعل ولا يزال، ولكن اعتراضه ضائع في ضوضاء حقيقة غلبة "العامة" وتفضيلاتها وخياراتها، وإن استحالت ساحات متباعدة وفرق متناحرة، على "خاصّة" لم تعد كذلك، بل أمست واحدة من عدة. وفي هذه الفوضى، لم يجد الفكر العربي معادلة الاستقرار بعد، وإن كانت تشكيلات عدّة تتنافس للمنصب.

ربما أن "من زاوية أخرى" كانت محاولة صمود من جانب الكلمة المكتوبة. في هيئتها المقاوِمة هذه، الكلمة المكتوبة ليست مطبوعة على ورق، بل مقروءة على الشاشة، ويصاحبها ويعززها التفاعل، في موقع النشر نفسه ثم عبر منصات التواصل الاجتماعي، ولمقالات مختارة من خلال إبرازها ومناقشتها إذاعياً، أي بتحويلها إلى مادة مسموعة، ومن بعد كل هذا من خلال التقاطها وإعادة نشرها في مواقع أخرى.

ولكن، هل كان الأمر وحسب صمود يائس في وجه المحتَّم؟ الجواب يبدو بالإيجاب إذا كان الحكم على هذه المحاولة مبنياً على المعايير الكمية السائدة في التواصل الاجتماعي. أعداد المشاهدات منخفضة، لا ترتفع إلا في بعض المواضيع ذات الطبيعة الآنية أو السجالية. تعليقات يغلب عليها الحكم المتسرع أو الرأي المعلّب، وصولاً إلى الشتائم والابتذال. بل يكتفي العديد من "المعلّقين" بالاطلاع على الاقتباس الهادف إلى دعوتهم إلى قراءة المقال، دون قراءته، قبل التكرّم بالآراء القطعية الصارمة. ما فائدة هذا المجهود إذا كان لا يتعدى في نتيجته تكرار ما يحدث في طرف نائٍ من أطراف عالم التواصل الاجتماعي؟

غير أن هذه المعايير قد لا تكون هي الصالحة لاعتبار التجربة. بعض ما استوعبته هذه التجربة يندرج بالفعل في إطار السجال ومجاراة الأخبار، وبعضها الآخر ربما يحظى بطابع أقل ارتباطاً بالآني. ولكن المجموع، على اختلاف مكوناته، شكّل نقطة مرجعية لعدد غير قليل من المسؤولين عن صياغة القرار والرأي في مواقع متقدمة. قد يصعب إثبات هذا الزعم بالأرقام، ولكنه كان حقيقة ملموسة لي شخصياً ولغيري من الزملاء، بما ساهم بتحمل الضجيج في التعليقات.

غروب "من زاوية أخرى" هو بالتالي خسارة، وإن اقتضه حسابات المؤسسة، وإشعار إضافي بما تواجهه الكلمة المكتوبة الرصينة من تحديات. كل الشكر والاحترام للإداريين والمحررين المتعاقبين على المسؤولية عن صفحة "من زاوية أخرى" على مدى أعوامها، وكل المودة والتقدير لكافة الزملاء، إذ حافظوا على أهمية الرأي الملتزم باحترام كلام الآخر وعقل القارئ، في واقع فكري معاصر يطفح بالأهوائيات والعصبيات والاستعلائيات، ولا سيما منهم من قرأ مادة نقدية وجهتُها إليه وأجاب بما أثرى النقاش، وأخيراً لا آخراً بالتأكيد، فائق الامتنان والإجلال لكل قارئ قرأ، سواء اتفق مع الرأي المطروح أو اختلف معه.

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.