صورة جوية للدمار الناتج عن هجوم النظام السوري على مدينة درعا عام 2017
صورة جوية للدمار الناتج عن هجوم النظام السوري على مدينة درعا عام 2017

عمران سلمان/

يقول المتصوفة بأن عدد الطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق. ويمكن القول نفسه إن عدد الروايات بشأن الأحداث الجارية في أي منطقة من العالم هو بعدد المهتمين بها.

حدث واحد وروايات متعددة

يفاجئني كثيرا أن الواحد منا، ولا أستثني نفسي من ذلك، يتصور دائما بأن فهمه لأي حدث هو الحقيقة الوحيدة الممكنة.

ويفاجئني أكثر حين أكتشف أن مجرد دردشة بسيطة مع أحد الأصدقاء أو الزملاء أن لدى كل واحد منهم فهمه الخاص والمختلف بهذه الدرجة أو تلك لنفس الحدث. فأتساءل إذا كان الحدث هو نفسه والتفاصيل التي وثقتها وسائل الإعلام وعدسات المصورين هي نفسها، فلماذا لكل شخص روايته المختلفة لهذه الأحداث؟

كل جدل بشأن صحة الأحداث هو عبث لا طائل من وراءه

​​يصدق ذلك بالنسبة للأحداث الحالية كما يصدق على الأحداث البعيدة في الزمن.

لكن الملفت هنا هو أنه إذا كان الناس يختلفون في رواياتهم للأحداث الراهنة إلى هذا الحد، وهم من معاصريها فكيف يمكن الوثوق في الروايات التي تركها لنا الزمن عن أحداث تعود إلى مئات وربما آلاف السنين؟

اقرأ للكاتب أيضا:  قطر لا تزال تشجع التطرف والإرهاب

بل الأكثر من ذلك لماذا يستثمر الإنسان في روايات تاريخية، تسلمها من دون أن يكون له أي قدرة فعلية أو موضوعية على التحقق منها.

ليس المقصود من هذه الأسئلة هو تقديم إجابات، ولكنه دعوة للتأمل والتفكر. والأهم عدم أخذ كل ما يقال على محمل الجد.

الاستثمار في التاريخ

طبعا مثل هذه الدعوة من الصعب أن تجد العديد من الآذان الصاغية. فنحن في منطقة يقوم معظم البناء السياسي والاجتماعي والمعرفي فيها على أساس التاريخ والروايات التاريخية. الناس يتصارعون على إثبات صحة أو دحض أحداث وقعت منذ مئات السنين. ويعرّفون أنفسهم ويبنون مواقفهم على ما سمعوه أو قرأوه في كتب التأريخ. إنهم يستثمرون بكثافة في الأحداث التاريخية ويتركونها تصنع وتشكل حاضرهم.

في العديد من دول العالم تترك مهمة كتابة التاريخ لمجموعة من المؤرخين والمحللين (رغم اختلافهم) والناس تتعامل مع ما ينتجونه وينتهي الأمر. لا أحد من المعاصرين في هذه الدول يشغل نفسه بإثبات أو دحض ما حدث عبر التاريخ. بل من النادر أن يكون ذلك موضوعا عاما للنقاش، إلا حينما تظهر وثيقة جديدة أو يتم العثور على مخطوط قديم، يعيد صياغة الرواية أو يدخل عليها بعض التعديلات. وحتى هذا الأمر يبقي في الغالب محصورا في دوائر معينة مهتمة به، لكنه قلما يصبح موضوعا عاما أو يؤثر على مسار الأحداث.

بينما في مجتمعاتنا فإن كل شخص هو مؤرخ قائم بذاته. يسعى ويجاهد من أجل إثبات صحة روايته للأحداث وخطأ روايات الآخرين. وتصل الأمور في بعض المجتمعات إلى حد الصراع والاقتتال لمجرد أن شخصا قام بالطعن في صحة هذه الرواية أو تلك.

إن معظم الشتائم والسباب والتخوين الذي نصادفه في الإعلام العربي يأتي في الغالب ردا على محاولات الطعن في بعض الروايات "الرسمية" أو "المعارضة" للأحداث وليس بسبب أفعال حقيقية اتخذت للإضرار بهذه الأطراف نفسها.

الأزمة السورية مثالا

غير أن الأمر الملفت هنا هو أن الأمر لا يتعلق بالتاريخ فحسب، ولكنه يمس الحاضر والذي يفترض أن الناس جميعا يتابعون ما يجري فيه ولديهم إمكانيات لا بأس بها في التحقق منه.

على سبيل المثال لو سألت مجموعة من الأشخاص عن ما يجري في سوريا مثلا، حيث أنها الأزمة الأبرز اليوم والتي يدور معظم الحديث فيها وعنها، لسمعت روايات في جميع الاتجاهات.

فمؤيدو النظام لهم رواياتهم والمعارضون لهم رواياتهم والجماعات الإرهابية لها رواياتها وكل شخص في الشارع العربي له روايته هو الآخر عما يجري في سوريا.

في مجتمعاتنا فإن كل شخص هو مؤرخ قائم بذاته

​​بعض الروايات تتقاطع مع بعضها وبعضها يقترب أو يبتعد (كثيرا أو قليلا) من بعضها الآخر، لكنها في الأخير روايات لأشخاص أو جهات لا تتواني، إذا تطلب الأمر، عن الحلف بأغلط الإيمان، بأن ما تقوله هو الصحيح وسوف تسرد عشرات "الأدلة" و"البراهين" وتشير إلى "تجارب شخصية" كي تدعم وجهة نظرها وتثبت صحة روايتها للأحداث.

الملفت أن الأفراد أو الجهات التي تستميت في إثبات صحة هذه الرواية أو تلك، لا تعير، رغم ذلك، أي انتباه إلى الطرف الآخر.

برمجة سابقة على الأحداث

خلاصة القول إنه من المستحيل تقريبا الحصول على إجماع الناس على رواية واحدة لأي حدث، سواء وقع قبل يوم أو قبل ألف عام. حتى لو جمعت الناس كلهم في دار عرض سينمائي وعرضت عليهم أزمة من الأزمات كما حدثت بالفعل، فلن تحصل على رواية واحدة أو تأريخ واحد لها. والسبب أن المشكلة ليست في الأحداث أو طريقة عرضها ولكنها في الإنسان نفسه. فالإنسان لديه ذاكرة سابقة وهو في الأغلب مبرمج (بحكم النشأة والانتماء والمصالح) على قبول رواية معينة ورفض أخرى.

اقرأ للكاتب أيضا: الهويات والعصبيات المؤذية

لذلك، فإن كل جدل بشأن صحة الأحداث هو عبث لا طائل من وراءه. قد يصلح لإنجاح برنامج تلفزيوني، لكنه لا يغير من قناعات أحد، وهو لا يمكن أن يثبت أو يدحض هذه الرواية أو تلك.

على العكس هو في الغالب يزيد من تمسك الناس برواياتهم ويمدهم بحجج إضافية للدفاع عنها.

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

Anti-government protesters chant slogans as they march during a demonstration in the central Iraqi holy shrine city of Karbala…

في 20 شباط الماضي نشرت مجلة فورن بوليسي مقالا لجون حنا نائب مستشار الأمن القومي في عهد الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الابن، وكان عنوانه "العراق يحتاج لتغيير النظام مجددا". تزامن نشر هذا المقال مع فترة التظاهرات وحراك السيد محمّد توفيق علاوي لتشكيل حكومة جديدة بدلا عن حكومة عادل عبد المهدي، والتي فشل علاوي في نيل الثقة لتلك الحكومة من البرلمان.

ركز المقال على نقطة مهمة جدا، وهي أساس الأزمة التي يعاني منها النظام السياسي في العراق، والتي وصفها كاتب المقال بـ "انهيار شرعية الطبقة السياسية التي حكمت العراق بعد عام 2003".

استحضر هذا المقال، بعد مرور سبعة عشر عاما على تغيير النظام الدكتاتوري في العراق، لكنه يعود إلى نقطة البداية، فهو اليوم على مفترق طريق بين الإبقاء على واقع اللادولة وديمومة الفوضى والتفكير بحلول تواجه أزمة الشرعية المتصاعدة رغم وجود انتخابات وعناوين لمؤسسات سياسية.

ما يعانيه العراق اليوم هو البقاء ضمن دائرة الأزمات التي تنتجها متلازمة التغيير والاضمحلال السياسي والتي شخصها صامويل هنتنغتون في الأنظمة التي شهدت تحولا سياسيا، وقتئِذ يصل اليأس من النظام السياسي إلى حالة التمزق، ولا تتمتع المؤسسات السياسية فيه سوى بقدر قليل من السلطة، وبقدر أقل من السيادة، وبانعدام المرونة. 

يبدو أن اليأس الذي كان يُخيّم على مشاعر العراقيين بتغيير نظام صدام الديكتاتوري من الداخل، نفسه يعود مرّة أخرى 

ونتيجة هذه الأزمات يصل النظام إلى أزمة "الانحلال السياسي". ويشخص هنتنغتون المشكلة الرئيسة التي تواجه الأنظمة السياسية التي تعاني من مشكلة عدم الاستقرار على أنها الهبوط في النظام السياسي، والتقويض التدريجي لسلطة الحكومة وفاعليتها وشرعيتها، وهو نتاج إلى حد كبير للتغيّر الاجتماعي السريع لفئات جديدة في مجال السياسة، يقابله تطور بطيء في المؤسسات السياسية.

ويبدو أن عجلة النظام السياسي في العراق متوقفة عند عتبة هذه الأزمات، إذ تتفق الطبقة السياسية جميعها على أن العراق يعيش فعليا أزمات الانسداد السياسي، بيد أنها تبدو عاجزة تماما عن طرح حلول لتجاوز ذلك. 

فالقوى السياسية تريد الإبقاء على منظومة سياسية تدار بمنطق التخادم المصلحي الذي لا يمكنه إلا أن يعيد تدوير ثنائية الفشل والفساد. ومن جانب آخر، لا تفكر بحلول عَمَليّة قادرة على تجاوز حالة الانسداد، وبدلا من ذلك تُسخّر كل ماكيناتها الإعلامية للترويج لنظرية المؤامرة الخارجية التي تسعى للانقلاب على هذا النظام، وبالتأكيد هم يتحدثون هنا عن نظامهم الذي أسسوه، وليس النظام السياسي المُرتبط بإدارة مصالح المجتمع.

والمفارقة، أن هذه الطبقة السياسية تريد من الجمهور أن يرفض أيَّ محاولة لتغيير النظام، وتتجاهل تماما، أن العراقيين باتوا لا يستحضرون أيَّ أمل بالتغيير إلا بالتدخل الخارجي! إذ يبدو أن اليأس الذي كان يُخيّم على مشاعر العراقيين بتغيير نظام صدام الديكتاتوري من الداخل، نفسه يعود مرّة أخرى عند التفكير بتغيير الطبقة السياسية التي تتقاسم الحكم وتصادر الدولة. ومن ثم تكون جميع الاحتمالات للتغيير مُرحَّبٌ بها.

لا يمكن إنهاء هذه الفجوة السياسية إلا بتغيير شكل نظام الحكم من البرلماني إلى شبه الرئاسي كما في النموذج الفرنسي

الطبقة السياسية الآن تفتقد تماما إلى شرعية المنجَز، وتمثيلها للمجتمعِ ينحسر يوما بعد آخر، حتى يصل إلى مستوى مجموعة من الناخبين يرتبطون بمصالح مع شخوص تلك الطبقة، ويتم تحشيدهم في مواسم الانتخابات. وبالنتيجة، تتآكل الشَّرعية السياسية والدستورية وتنعكس على الأداء السياسي ووظائف الدولة.

إذا، ما هو الحل؟

شخصيا، لا أرى في الانقلاب العسكري حلا للأزمة، بل هو تفكير ماضوي سخيف يريد العودة مرة ثانية إلى حكم العسكر بعد أن غادرته أكثر الدول تخلفا. كذلك الانقلاب الذي يتم بإرادة حزبية أو ميليشياوية وبدعم خارجي سيواجه الأزمة عينها التي تواجهها الانقلابات العسكرية بوجود نخب خاسرة تسعى لاستعادة موقعها في النظام السياسي، ونخب صاعدة تحاول أن تمركز بقاءها بالسلطة، والنتيجة عدم الاستقرار السياسي، ويكون السِلم الأهلي مهددا باللجوء إلى العنف.

هناك مسألتان يجب استحضارها عند مناقشة حلّ أزمة النظام السياسي وشرعية الطبقة السياسية؛ الأولى هي حركة الاحتجاجات التي ساهمت بإعادة الاعتبار للجمهور مرة أخرى، بعد أن كان مجرّد أرقام في حسابات الطبقة السياسية في فترة الانتخابات. والثانية، التفكير بالحلول يجب أن يبقى في حدود الممارسات الديمقراطية والسعي لترسيخها، وليس بالانقلاب عليها بدعوى وجود خلل في تطبيقها.

تبدأ أولى خطوات الحل بتغيير شكل نظام الحكم، فالجميع يعترف بأن النظام البرلماني في العراق لا يمكنه إنتاج طبقة سياسية تفكر خارج إطار العُرف السياسي القائم على أساس المحاصصة والتطبيق المشوَّه لنموذج الديمقراطية التوافقية. وبسبب السلوك السياسي للطبقة السياسية سوف تبقى مؤشرات انعدام الثقة بين المجتمع والنظام السياسي، ولا يمكن إنهاء هذه الفجوة السياسية إلا بتغيير شكل نظام الحكم من البرلماني إلى شبه الرئاسي كما في النموذج الفرنسي.

لا يوجد أمام الطبقة السياسية التي فشلت في توثيق علاقتها مع الجمهور، غير إعادة التفكير جديا بشكل نظام الحكم

أهم إشكاليات النظام البرلماني هي مصادر قرار البرلمان كمؤسسة تُعبّر عن إرادة ممثلي الشعب، من قبل الزعامات السياسية التي لا تزال تتمتع بنفوذها السياسي من خلال مظاهر الشرعية التقليدية كالزعامات الدينية أو الكاريزمات التي صنعها عنوان المنصب السياسي. وبذلك تتم مصادرة القرار السياسي للبرلمان وللنواب ممثلين الشعب، وتكون النتيجة تمركز السلطة بيد الزعامات وليس المؤسسات الشرعية.

يخطأ كثيرون عندما يعتقدون أن النظام شبه الرئاسي يعني غياب البرلمان، بل على العكس هو قد يمثّل حلا لإعادة الاعتبار في الفصل بين السلطات، بعد أن أثبتت تجربة الأعوام السبعة عشرة من انحراف النموذج العراقي عن تطبيقات النظم البرلمانية، فالجميع بالسلطة والجميع في المعارضة. 

ومن ثم، التوجه نحو تطبيق النظام شبه الرئاسي سيهم بإعادة التوازن المفقود بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، وكونهما يعيدان الاعتبار للإرادة الشعبية في التمثيل السياسي.

لا يوجد أمام الطبقة السياسية التي فشلت في توثيق علاقتها مع الجمهور، غير إعادة التفكير جديا بشكل نظام الحكم، فهو قد يشكل الفرصة الأخيرة لكسب الوقت، وقد يكون مدخلا لبناء ركائز تبنى عليها الثقة بين الشعب والنظام السياسي. وربما قد يكون مجرّد التفكير بأن التغيير سيتم على يد الطبقة السياسية الحاكمة هو أيضا نوع من الوهم.