متظاهرون في بلدة كفرنبل السورية يرفعون كاريكاتورا للأسد خلال تظاهرة عام 2012
متظاهرون في بلدة كفرنبل السورية يرفعون كاريكاتورا للأسد خلال تظاهرة عام 2012

فارس خشّان/

ـ 1 ـ

يعلن بشّار الأسد، رئيس النظام السوري، ومن دون أن يرف له جفن، أنه يخوض حربا ضد مواقع التواصل الاجتماعي.

عندما علمتُ بأمر كلامه هذا، حسبت أن في الأمر سوء فهم لموقفه، فانتظرتُ أن يُنشر كلامه، بالصوت والصورة، حتى تأكدت أنه حقا فعلها.

كنت أنتظر أن يُعلن إجراءات تحول دون استمرار حرمان المواطنين الذين يتحكّم بهم من حليب الأطفال والغاز والوقود والمواد الأولية وغيرها، فإذا به يحدّد قائمة بأعدائه الجدد، تتقدّمهم مواقع التواصل الاجتماعي.

هذا يعني، وفق ما يريدك أن تفهم، أن سوريا ستكون اليوم حرة، سيّدة، مستقلّة، وشعبها يعيش رخاء عظيما وبحبوحة منقطعة النظير، لو أن صحف "الوطن" و"تشرين" و"الثورة"، وشقيقاتها الإذاعية والتلفزيونية، هي التي تحتكر الرأي وتوجّه الخبر.

ولكنّ هذه النعمة الكبيرة مفقودة اليوم لأن هناك "فيسبوك" و"تويتر" و"سناب شات" و"إنستغرام" ولينكد إن" و"تلغرام" و"واتس آب" و"فايبر".

المشكلة هي أن هؤلاء عندما يُعلنون عداءهم لحملة القلم، يتقصّدون أن يلوّحوا لهم بـ...البندقية

​​في مواقع التواصل الاجتماعي هذه، تكمن "المؤامرة الكونية"، إذ إن بشار الأسد وأمثاله من "عظماء الحكّام"، تصيب أوطانهم النوائب الجسام، إن سمع الناس رأيا يناقض رأيهم وإن شاهدوا صورا لم يجيزوا نشرها، وأخبارا لا تتحكم بها أجهزة استخباراتهم ووزارات إعلامهم.

معه حق بشّار الأسد، فمواقع التواصل الاجتماعي شريرة جدا، فهي تتطلب منه تأليف جيوش إلكترونية ليرد على الرأي بشتيمة وعلى الفكرة بالتهديد وعلى الخبر بالتعذيب، بدل أن يكون أفراد هذه الجيوش إما يحرسون المعتقلين ويذلونهم ويعذّبونهم، أو يزرعون جدران المنازل عيونا وآذانا.

اقرأ للكاتب أيضا: اغتيال الحريري والزمن 'الدوّار'

وعليه، فإن من يريد إنقاذ سوريا مما تُعاني منه عليه أن يُعين بشّار الأسد في مقاصده، فيُعيد الزمن إلى ما قبل الثورة الرقمية، ومن الأجدى إلى العصور الظلامية، حيث كان الحاكم المتوحّش يقتل بلا رحمة، ويستبد من دون أن يسمع صرخة، ويحرم الناس حتى من حق الاستغاثة، ويُلقي، وهو الممسك بمفاتيح السماء، بأرواحهم في الجحيم.

ـ 2 ـ

السفيرة الأميركية في بيروت إليزابيت ريتشارد نغصت على اللبنانيين احتفالاتهم بولادة الحكومة الجديدة، وذلك بُعيد نيلها ثقة نيابية كبيرة.

فهي بما أعلنته عن آثار تنامي دور "حزب الله" في الحكومة ذهبت باتجاه من سمّاهم رئيس "حزب القوات اللبنانية" سمير جعجع بـ"عطلجية 14 آذار"، أي هؤلاء الذين كانوا في صلب تأسيس الحركة الاستقلالية وأبعدهم تحالف الأحزاب، عن العمل في المجلس النيابي وفي الحكومة.

ما قالته هذه السفيرة أزعج السلطة، بكبارها وصغارها، فهم باسم الاستقرار ابتكروا معادلة سياسية أفهمتنا أنهم نجحوا في مزج الماء بالزيت، والثلج بالنار، والحقيقة بالخيال، و...الجلّاد بالضحية.

وها هي السفيرة الأميركية، بعدما أنجز الزعماء اللبنانيون معجزتهم التي على أساسها وضعوا خطط النهوض والإنقاذ و"العملقة"، تطل عليهم من مقر رئاسة الحكومة لتقول إن "الدور المتنامي في الحكومة لمنظمة لا تزال تحتفظ بميليشيا لا تخضع لسيطرة الحكومة وتستمر في خرق سياسة النأي بالنفس(...) لا يساعد على الاستقرار بل يشكل زعزعة له بشكل أساسي".

رئيس الجمهورية ميشال عون استبق "حزب الله" في التصدي لريتشارد. وبطبيعة الحال، يشهد اللبنانيون، وبوافر من الأدلة، أنّ عون محق وريتشارد مخطئة، فـ"حزب الله" لا يشارك في حروب تجري في ثلاث دول، بما يتناقض مع تعهدات لبنان للمجتمع الدولي بالنأي بالنفس، وهو لا يحتفظ بميليشيا تستقل بقراراتها الداخلية والخارجية وتستنبط لنفسها طرق التمويل والإنفاق...

وهذا يعني أن الاستقرار، وخلافا لما قالته ريتشارد، مستقر ويتعزّز، فلا إسرائيل تهدد لبنان بحرب مدمّرة، ولا لبنان مسحوب على الرغم منه إلى محور إقليمي وعالمي ضد محور آخر، ولا شعبه منقسم، من جرّاء ذلك، عموديا وأفقيا.

السفيرة الأميركية في بيروت نغّصت الفرحة، فهي بالنسبة للمسؤولين اللبنانيين، مثلها مثل مواقع التواصل الاجتماعي، بالنسبة لبشّار الأسد.

ـ 3 ـ

مرشد الجمهورية الإسلامية في إيران علي خامنئي، مرجعية دينية عالمية، كما البابا بالنسبة للكاثوليك!

هذا القرار اتخذ في لبنان، كتبرير لمقص الرقابة الذي نزع من مجلة "كورييه أنترناسيونال"، رسما كاريكاتوريا لخامنئي، وكموجب لملاحقة قضائية حرّكها محامون ضد عدد من الإعلاميين والصحافيين لأنهم، وفي تحدّ لمنهجية الرقابة، نشروا على صفحاتهم في مواقع التواصل الاجتماعي الكاريكاتور "المغضوب عليه".

والمحامون الذين تقدموا بهذه الدعوى، إنّما فعلوا ذلك، بوكالتهم عن شخص لا صفة له، لا في السياسة ولا في المؤسسات ولا في البنية الطائفية اللبنانية ولا حتى في الأحزاب.

الديكتاتور ـ وبشّار الأسد نموذج ـ لا يحب من أدوات التعبير إلا البندقية والمشنقة

​​لكن "الوكالة الوطنية للإعلام"، وهي تابعة لوزارة الإعلام اللبنانية، أفتتها، فبعدما عجزت عن تصنيف المتقدّم بالدعوى، سارعت إلى إكسابه صفة "ناشط"، ولو أنها لم تتفضّل وتُحدد معنى هذه الكلمة ولا مصدرها ولا جذرها، ولا العلوم التي على الفرد أن يدرسها أو المؤسسات التي عليه أن ينخرط بها ليصبح "ناشطا".

لكن، في لبنان، يبدو أنه يكفي الفرد أن يكون طائفيا حتى يكتسب الصفة المعنوية، ممّا يتيح له أن يطارد من لا تعجبه أفكاره وأخباره على مواقع التواصل الاجتماعية، عدوّة بشار الأسد وتاليا أمة الممانعة.

وبناء عليه، على اللبنانيين أن يتعاطوا مع السيد خاتمي كما يتعاطون مع البابا فرنسيس، ومع إيران كما مع الفاتيكان.

اقرأ للكاتب أيضا: وثيقة البابا والشيخ وغلبة الوقائع

لا يهتم هؤلاء بالفارق الكبير بين المرجعيتين حاليا، فهم يتناغمون مع أنفسهم، ويريدون فعلا، على منهج "طاغية الشام"، إعادة عقارب الزمن إلى العصور الظلامية حيث كان البابا حاكما دنيويا يستقوي بالدين، فيأمر بالحروب والحملات ويكفّر هذا ويسفك دم ذاك، وتحتل جيوشه ممالك وتسقط دولا، وليس كما باباوات هذا الزمن، الذين تراهم، فترة بعد فترة، يفتحون تحقيقات في سلوك الكهنة والمطارنة والكرادلة، فيدينوهم ويقدمون اعتذارات عمّا اقترفه هؤلاء من موبقات بحق المؤمنين.

ـ 4 ـ

المشكلة في هذه المشاهد الثلاثة لا تكمن في وجهة النظر السلبية من وسائل النشر الحديثة، ولا في محاولة توسيع البعض لمساحة حريته ليضع حدودا لحرية من يناوئه فكريا.

المشكلة لا تكمن هنا، إنّما في أن هؤلاء عندما يُعلنون عداءهم لحملة القلم، يتقصّدون أن يلوّحوا لهم بـ...البندقية!

والديكتاتور ـ وبشّار الأسد نموذجا ـ لا يحب من أدوات التعبير إلا البندقية والمشنقة.

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.
الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.

على مدى ربع قرن، كان لي شرف الكتابة في جريدة "الحياة"، يوم كانت واجهة الصحافة العربية المطبوعة العابرة للدول والقارات. سواء جاءت نهايتها لأفول الجريدة الورقية كوسيلة توزيع للمعلومة والفكر، أو لأخطاء على درب إدارتها، فإن "الحياة" قد أسلمت الروح، ومعها النمط الذي اعتاد عليه جيلها في قراءة الخبر والتحليل والرأي.

بدا يومها أن الزمن الذي كانت كانت فيه نشرات الأخبار، الإذاعية والمرئية، تمهيداً لقراءة المادة المكتوبة الموسعة في جريدة الصباح قد ولّى، وأصبح بالإمكان، عبر الشاشات والشبكات المعلوماتية، الاستفاضة بالحصول على المضمون الموسّع والمعمّق دون تأخير.

ومع المزيد من التطور في التقنيات، أضحى جليًا بأن طلب المضمون وتلقيه ينتقل ليس من الطباعة إلى الشاشة وحسب، بل، في انقلاب في أدوار الخادم والمخدوم، من الكلمة المكتوبة إلى أشكال جديدة للكلمة المسموعة والمرئية، تأتي بدورها في ارتباط وثيق بالصورة البيانية أو التعبيرية، وتتولى مهمة التعليق عليها.

فيما يقترب من الإجماع، القناعة اليوم هي أن المضمون المصور، ولا سيما بالصيغة النشطة التي تحاكي مخيلة الاستيعاب، هو السبيل الأكثر فعالية للتواصل مع المتلقي. والانتقال المتحقق إليه ليس الأول على مدى التاريخ الإنساني. سبق هذا الانتقال حالات عديدة، منها ما أسفر عن تحولات كمّية كبيرة في انتشار المضمون، مثل الانتقال من المخطوط إلى المطبوع، ثم أن التراكم الكمي استحال بدوره تحولات نوعية عميقة. ومنها، قبلها، ما هو أساس الحضارة، أي الانتقال من الشفهي إلى المكتوب.

الانتقال الأخير جاء قابلاً للتحقق نتيجة التطور الكبير في تقنيات المعلومات طبعاً، وأثره البالغ على الإنتاج والتوزيع والاستهلاك في المجال المعرفي كما في سائر المجالات. المقارنة هنا غالباً ما تكون مع الثورة الصناعية. ربما هي كذلك في أكثر من مجتمع وسياق، غير أن الواقع الجديد في المحيط العربي يقترب ببعض أوجهه من أن يكون أشبه بأحوال ما بعد الكارثة الطبيعية منه بنتائج الثورة الصناعية.

البنى التي انهارت لم تكن الصحافة المطبوعة وحدها. فالمتضرر الأول كان الكتاب. نعم، ثمة تعارض في تحقق الفائدة والضرر بين دور النشر ومعها المؤلفين من جهة، والقارئ من جهة أخرى، إذ توفرّت له بين ما يشبه الليلة وضحاها مكتبات بكاملها، بصيغة رقمية أعيد إدخالها، أي عرضة لكمّ كبير من الأخطاء في مرحلة أولى، ثم بصيغة مصوّرة تحاكي الكتاب المطبوع بإخلاص، وصولاً إلى إقدام المكتبات الجامعية بنفسها على وضع مقتنياتها على الشبكة، ليصبح القارئ قادراً على الاطمئنان إلى الكتاب في سنده ومتنه ومصدره.

لكن في مقابل سعادة القارئ، تعرقلت نظم الموازنة بين الانتاج الفكري والتعويضات المالية للمؤلف والناشر. ومع غياب إمكانية الحصر والضبط وضمان حقوق النشر، خسر الكتاب صدارته كالوسيلة الأولى لصياغة الفكر. بالأمس كان جديد الكتب موضع اهتمام "خاصّة" فكرية وحدها لها إطار التداول. مع الواقع الجديد، مواد التداول وأطره أصبحت لا تحصى، وما كان للخاصة الفكرية لم يعد حصراً عليها. لمن هو منها أن يعترض في مفاضلة مستمرة بين الرفيع والوضيع، الراقي والمتردي، وهو قد فعل ولا يزال، ولكن اعتراضه ضائع في ضوضاء حقيقة غلبة "العامة" وتفضيلاتها وخياراتها، وإن استحالت ساحات متباعدة وفرق متناحرة، على "خاصّة" لم تعد كذلك، بل أمست واحدة من عدة. وفي هذه الفوضى، لم يجد الفكر العربي معادلة الاستقرار بعد، وإن كانت تشكيلات عدّة تتنافس للمنصب.

ربما أن "من زاوية أخرى" كانت محاولة صمود من جانب الكلمة المكتوبة. في هيئتها المقاوِمة هذه، الكلمة المكتوبة ليست مطبوعة على ورق، بل مقروءة على الشاشة، ويصاحبها ويعززها التفاعل، في موقع النشر نفسه ثم عبر منصات التواصل الاجتماعي، ولمقالات مختارة من خلال إبرازها ومناقشتها إذاعياً، أي بتحويلها إلى مادة مسموعة، ومن بعد كل هذا من خلال التقاطها وإعادة نشرها في مواقع أخرى.

ولكن، هل كان الأمر وحسب صمود يائس في وجه المحتَّم؟ الجواب يبدو بالإيجاب إذا كان الحكم على هذه المحاولة مبنياً على المعايير الكمية السائدة في التواصل الاجتماعي. أعداد المشاهدات منخفضة، لا ترتفع إلا في بعض المواضيع ذات الطبيعة الآنية أو السجالية. تعليقات يغلب عليها الحكم المتسرع أو الرأي المعلّب، وصولاً إلى الشتائم والابتذال. بل يكتفي العديد من "المعلّقين" بالاطلاع على الاقتباس الهادف إلى دعوتهم إلى قراءة المقال، دون قراءته، قبل التكرّم بالآراء القطعية الصارمة. ما فائدة هذا المجهود إذا كان لا يتعدى في نتيجته تكرار ما يحدث في طرف نائٍ من أطراف عالم التواصل الاجتماعي؟

غير أن هذه المعايير قد لا تكون هي الصالحة لاعتبار التجربة. بعض ما استوعبته هذه التجربة يندرج بالفعل في إطار السجال ومجاراة الأخبار، وبعضها الآخر ربما يحظى بطابع أقل ارتباطاً بالآني. ولكن المجموع، على اختلاف مكوناته، شكّل نقطة مرجعية لعدد غير قليل من المسؤولين عن صياغة القرار والرأي في مواقع متقدمة. قد يصعب إثبات هذا الزعم بالأرقام، ولكنه كان حقيقة ملموسة لي شخصياً ولغيري من الزملاء، بما ساهم بتحمل الضجيج في التعليقات.

غروب "من زاوية أخرى" هو بالتالي خسارة، وإن اقتضه حسابات المؤسسة، وإشعار إضافي بما تواجهه الكلمة المكتوبة الرصينة من تحديات. كل الشكر والاحترام للإداريين والمحررين المتعاقبين على المسؤولية عن صفحة "من زاوية أخرى" على مدى أعوامها، وكل المودة والتقدير لكافة الزملاء، إذ حافظوا على أهمية الرأي الملتزم باحترام كلام الآخر وعقل القارئ، في واقع فكري معاصر يطفح بالأهوائيات والعصبيات والاستعلائيات، ولا سيما منهم من قرأ مادة نقدية وجهتُها إليه وأجاب بما أثرى النقاش، وأخيراً لا آخراً بالتأكيد، فائق الامتنان والإجلال لكل قارئ قرأ، سواء اتفق مع الرأي المطروح أو اختلف معه.

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.