مصلون
مصلون

داود كتّاب/

منذ سنوات ووضع المقدسيين في تدهور. تصاعد هذا التدهور في السنوات الأخيرة بسبب اتفاق أوسلو الذي استثنى القدس الشرقية وسكانها وفصلها جغرافيا وسياسيا عن باقي المناطق الفلسطينية. ورغم التعهدات الأميركية والإسرائيلية بعدم المساس بمؤسسات القدس، إلا أن إسرائيل نفذت سياسة واضحة أدت إلى تدمير مختلف أشكال العمل المؤسساتي في القدس.

فقد تم إغلاق بيت الشرق والغرفة التجارية والعديد من المؤسسات المقدسية باستخدام قانون الطوارئ البريطاني سيء السمعة، والذي تم إقراره عام 1945 بهدف قمع الأعمال الإرهابية.

وتمارس إسرائيل سياسة ممنهجة لقمع أي محاولة ارتباط أو تعاون مع القيادة والحكومة الفلسطينية في رام الله. وتبدو هذه المحاولات سخيفة، لكنها مدروسة. فقد أغلقت إسرائيل ـ على سبيل المثال لا الحصر ـ المسرح الوطني الفلسطينية مرات عدة بأوامر طوارئ تحت حجة نشاطات للسلطة الفلسطينية كان أحدها مهرجان دمى أطفال مدعوم من النروج من خلال وزارة الثقافة الفلسطينية.

المجلس الجديد أعاد الثقة للمقدسيين لجهة تشكيل مرجع وطني لسكان القدس

​​المؤسسة الوحيدة التي لم يشملها القمع الإسرائيلي بصورة مباشرة هي مؤسسة الأوقاف الأردنية. قد يكون ذلك كونها مؤسسة إسلامية ترعى المقدسات وأملاك المسلمين أو كونها مؤسسة أردنية، ولكن في المقابلة اختار القائمون على هيئة الأوقاف الإسلامية في القدس الابتعاد عن الأمور السياسية والتركيز على أضيق الأمور المتعلقة بدورهم الديني والإداري البحت.

اقرأ للكاتب أيضا: لا تحبسوا أصحاب الشيكات المتعثرة

أدت السياسة الإسرائيلية الممنهجة في قمع أي محاولات قيادية من أفراد أو مؤسسات للعمل، لأن يصبح المقدسيون "أيتاما سياسيين" لا قيادة لهم ولا مؤسسات يلجؤون لها.

ولكن الأمر تغيير خلال السنتين الماضيتين. فكان أول مفترق طرق هام هو الوقفة التي قام بها المقدسيون بشكل عفوي ضد محاولات إدخال بوابات إلكترونية على مداخل المسجد الأقصى. فقد رفض المقدسيون ولمدة 11 يوم في شهر تموز/يوليو 2017 الدخول للمسجد الأقصى وقرروا الصلاة الجماعية خارج الأبواب الإلكترونية. وقد أدى هذا الاحتجاج إلى سحب إسرائيل للأبواب الإلكترونية.

ما استجد مؤخرا، هو قيام الحكومة الأردنية وبتوجيهات من الديوان الملكي بتوسيع وتغيير مجلس الأوقاف الإسلامي في القدس. فقد تم توسيع العضوية من 11 إلى 18 عضوا كما وتم إدخال شخصيات دينية ووطنية لها باع طويل في النضال وكان العديد منهم ضمن الشخصيات المحلية التي قادت بشكل عشوائي عملية الاحتجاج السلمي. كما تم تطعيم المجلس الجديد بشخصيات فكرية وتعليمية وإعلامية معروفة ومقبولة من الجمهور الفلسطيني المقدسي العريض. وكان ملفتا وضع وزير القدس الحالي ووزير القدس السابق ضمن التشكيلة الجديدة في لفتة مهمة تجاه القيادة الفلسطينية.

تحمّس المقدسيون ولأول مرة للمجلس الجديد ورد أعضاء المجلس ذلك الدعم بأن زاروا في أول جلساتهم (يوم الخميس 14 شباط/فبراير) تفقدية واحتجاجية لمصلى باب الرحمة، الذي تمنع إسرائيل المسلمين من استخدامه منذ عام 2003 رغم المطالبة المستمرة برفع ذلك المنع غير المبرر لجزء من الـ 144 دونم التي تشكل الحرم القدسي الشريف، الذي يشمل المسجد الأقصى وقبة الصخرة والمتحف الإسلامي وغيرها من ممتلكات المسلمين عبر القرون.

إن توجيهات الديوان الملكي، التي ترجمتها الحكومة الأردنية، شكلت علامة واضحة سيكون لها متابعات كثيرة أهمها وضع استراتيجية محكمة لكيفية الدفاع عن المقدسات والتصدي للهجمات عليها، والتي تزداد يوما بعد يوم وخاصة في البازار السياسي الذي يتبناه القادة السياسيون بالمنافسة فيما بينهم لمن هو أكثر قمعا للفلسطينيين ولمن هو قادر أكثر على تقليص نفوذ الفلسطينيين في القدس وخاصة فيما يتعلق بالمسجد الأقصى.

المؤسسة الوحيدة التي لم يشملها القمع الإسرائيلي هي مؤسسة الأوقاف الأردنية

​​فقد يكون مجلس أوقاف معين من الحكومة الأردنية ومدعوم من الديوان الملكي المخرج للمعضلة التي تشكلت عبر السنوات الماضية والتي أدت لاعتبار المقدسيين أيتاما سياسيين. فإسرائيل ستفكر كثيرا قبل محاوله قمع مؤسسة دينية أردنية، للملك الهاشمي وصاية عبرها على الأماكن المسيحية والإسلامية في القدس.

إذا استمر المجلس الجديد بالعمل الجاد ووضع الخطط الاستراتيجية ومنها خطط إعلامية وسياحية ولحماية الأقصى والمقدسات الإسلامية والمسيحية والعمل على تعزيز الصمود المقدسي فعلا وليس عبر الكلام فقط، فمن الممكن أن نكون على عتبة مرحلة جديدة في القدس.

اقرأ للكاتب أيضا: هل سيشكل الإنجيليون العرب جسرا مع الغرب؟

فالمجلس الجديد أعاد الثقة للمقدسيين لجهة تشكيل مرجع وطني لسكان القدس ـ يتجاوز عددهم 330 ألفا ـ بعد أن مرت سنوات وهم منسيون ومنبوذون وبدون قيادة.

شئنا أم أبينا، باتت للقدس مرجعية، تدفعنا للمغامرة والقول إن المقدسيين لم يعودوا أيتاما سياسيين، وهو ما يوفر للمجلس الجديد الحاضنة الشعبية للعمل الوطني المباشر والحر لما فيه المصلحة الوطنية.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.
الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.

على مدى ربع قرن، كان لي شرف الكتابة في جريدة "الحياة"، يوم كانت واجهة الصحافة العربية المطبوعة العابرة للدول والقارات. سواء جاءت نهايتها لأفول الجريدة الورقية كوسيلة توزيع للمعلومة والفكر، أو لأخطاء على درب إدارتها، فإن "الحياة" قد أسلمت الروح، ومعها النمط الذي اعتاد عليه جيلها في قراءة الخبر والتحليل والرأي.

بدا يومها أن الزمن الذي كانت كانت فيه نشرات الأخبار، الإذاعية والمرئية، تمهيداً لقراءة المادة المكتوبة الموسعة في جريدة الصباح قد ولّى، وأصبح بالإمكان، عبر الشاشات والشبكات المعلوماتية، الاستفاضة بالحصول على المضمون الموسّع والمعمّق دون تأخير.

ومع المزيد من التطور في التقنيات، أضحى جليًا بأن طلب المضمون وتلقيه ينتقل ليس من الطباعة إلى الشاشة وحسب، بل، في انقلاب في أدوار الخادم والمخدوم، من الكلمة المكتوبة إلى أشكال جديدة للكلمة المسموعة والمرئية، تأتي بدورها في ارتباط وثيق بالصورة البيانية أو التعبيرية، وتتولى مهمة التعليق عليها.

فيما يقترب من الإجماع، القناعة اليوم هي أن المضمون المصور، ولا سيما بالصيغة النشطة التي تحاكي مخيلة الاستيعاب، هو السبيل الأكثر فعالية للتواصل مع المتلقي. والانتقال المتحقق إليه ليس الأول على مدى التاريخ الإنساني. سبق هذا الانتقال حالات عديدة، منها ما أسفر عن تحولات كمّية كبيرة في انتشار المضمون، مثل الانتقال من المخطوط إلى المطبوع، ثم أن التراكم الكمي استحال بدوره تحولات نوعية عميقة. ومنها، قبلها، ما هو أساس الحضارة، أي الانتقال من الشفهي إلى المكتوب.

الانتقال الأخير جاء قابلاً للتحقق نتيجة التطور الكبير في تقنيات المعلومات طبعاً، وأثره البالغ على الإنتاج والتوزيع والاستهلاك في المجال المعرفي كما في سائر المجالات. المقارنة هنا غالباً ما تكون مع الثورة الصناعية. ربما هي كذلك في أكثر من مجتمع وسياق، غير أن الواقع الجديد في المحيط العربي يقترب ببعض أوجهه من أن يكون أشبه بأحوال ما بعد الكارثة الطبيعية منه بنتائج الثورة الصناعية.

البنى التي انهارت لم تكن الصحافة المطبوعة وحدها. فالمتضرر الأول كان الكتاب. نعم، ثمة تعارض في تحقق الفائدة والضرر بين دور النشر ومعها المؤلفين من جهة، والقارئ من جهة أخرى، إذ توفرّت له بين ما يشبه الليلة وضحاها مكتبات بكاملها، بصيغة رقمية أعيد إدخالها، أي عرضة لكمّ كبير من الأخطاء في مرحلة أولى، ثم بصيغة مصوّرة تحاكي الكتاب المطبوع بإخلاص، وصولاً إلى إقدام المكتبات الجامعية بنفسها على وضع مقتنياتها على الشبكة، ليصبح القارئ قادراً على الاطمئنان إلى الكتاب في سنده ومتنه ومصدره.

لكن في مقابل سعادة القارئ، تعرقلت نظم الموازنة بين الانتاج الفكري والتعويضات المالية للمؤلف والناشر. ومع غياب إمكانية الحصر والضبط وضمان حقوق النشر، خسر الكتاب صدارته كالوسيلة الأولى لصياغة الفكر. بالأمس كان جديد الكتب موضع اهتمام "خاصّة" فكرية وحدها لها إطار التداول. مع الواقع الجديد، مواد التداول وأطره أصبحت لا تحصى، وما كان للخاصة الفكرية لم يعد حصراً عليها. لمن هو منها أن يعترض في مفاضلة مستمرة بين الرفيع والوضيع، الراقي والمتردي، وهو قد فعل ولا يزال، ولكن اعتراضه ضائع في ضوضاء حقيقة غلبة "العامة" وتفضيلاتها وخياراتها، وإن استحالت ساحات متباعدة وفرق متناحرة، على "خاصّة" لم تعد كذلك، بل أمست واحدة من عدة. وفي هذه الفوضى، لم يجد الفكر العربي معادلة الاستقرار بعد، وإن كانت تشكيلات عدّة تتنافس للمنصب.

ربما أن "من زاوية أخرى" كانت محاولة صمود من جانب الكلمة المكتوبة. في هيئتها المقاوِمة هذه، الكلمة المكتوبة ليست مطبوعة على ورق، بل مقروءة على الشاشة، ويصاحبها ويعززها التفاعل، في موقع النشر نفسه ثم عبر منصات التواصل الاجتماعي، ولمقالات مختارة من خلال إبرازها ومناقشتها إذاعياً، أي بتحويلها إلى مادة مسموعة، ومن بعد كل هذا من خلال التقاطها وإعادة نشرها في مواقع أخرى.

ولكن، هل كان الأمر وحسب صمود يائس في وجه المحتَّم؟ الجواب يبدو بالإيجاب إذا كان الحكم على هذه المحاولة مبنياً على المعايير الكمية السائدة في التواصل الاجتماعي. أعداد المشاهدات منخفضة، لا ترتفع إلا في بعض المواضيع ذات الطبيعة الآنية أو السجالية. تعليقات يغلب عليها الحكم المتسرع أو الرأي المعلّب، وصولاً إلى الشتائم والابتذال. بل يكتفي العديد من "المعلّقين" بالاطلاع على الاقتباس الهادف إلى دعوتهم إلى قراءة المقال، دون قراءته، قبل التكرّم بالآراء القطعية الصارمة. ما فائدة هذا المجهود إذا كان لا يتعدى في نتيجته تكرار ما يحدث في طرف نائٍ من أطراف عالم التواصل الاجتماعي؟

غير أن هذه المعايير قد لا تكون هي الصالحة لاعتبار التجربة. بعض ما استوعبته هذه التجربة يندرج بالفعل في إطار السجال ومجاراة الأخبار، وبعضها الآخر ربما يحظى بطابع أقل ارتباطاً بالآني. ولكن المجموع، على اختلاف مكوناته، شكّل نقطة مرجعية لعدد غير قليل من المسؤولين عن صياغة القرار والرأي في مواقع متقدمة. قد يصعب إثبات هذا الزعم بالأرقام، ولكنه كان حقيقة ملموسة لي شخصياً ولغيري من الزملاء، بما ساهم بتحمل الضجيج في التعليقات.

غروب "من زاوية أخرى" هو بالتالي خسارة، وإن اقتضه حسابات المؤسسة، وإشعار إضافي بما تواجهه الكلمة المكتوبة الرصينة من تحديات. كل الشكر والاحترام للإداريين والمحررين المتعاقبين على المسؤولية عن صفحة "من زاوية أخرى" على مدى أعوامها، وكل المودة والتقدير لكافة الزملاء، إذ حافظوا على أهمية الرأي الملتزم باحترام كلام الآخر وعقل القارئ، في واقع فكري معاصر يطفح بالأهوائيات والعصبيات والاستعلائيات، ولا سيما منهم من قرأ مادة نقدية وجهتُها إليه وأجاب بما أثرى النقاش، وأخيراً لا آخراً بالتأكيد، فائق الامتنان والإجلال لكل قارئ قرأ، سواء اتفق مع الرأي المطروح أو اختلف معه.

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.