"رقصة ما ريني" في عرض مسرحي جديد (تصوير مايكل بروسيلو)
"رقصة ما ريني" في عرض مسرحي جديد (تصوير مايكل بروسيلو) | Source: Courtesy Image

رياض عصمت/

في سبعينيات القرن العشرين، اشتهر في البلدان العربية مسلسل تلفزيوني أميركي بعنوان "الجذور"، اقتبس عن رواية ملحمية ضخمة من تأليف أليكس هيلي عن اختطاف يافعين من أفريقيا، نقلهم إلى أميركا وبيعهم لسادة إقطاعيين يستغلونهم ويذلونهم بالعمل المضني في المزارع. 

يروي المسلسل كفاح بطل العمل، كونتا كونتي، من أجل نيل الحرية واكتشاف هويته. منذ ذلك الحين، اشتهر كونتا كونتي، الشخصية المحورية في ذلك المسلسل، وتعاطف السوريون مع مأساة ذلك الفتى المختطف قبل زمن طويل من معاناة ملايين الشباب السوريين من اختطاف البلاد من قبل قوى متعددة، واضطرار الملايين منهم لركوب قوارب الموت سعيا إلى ملاذ آمن.

يعتبر أوغست ويلسون مسرحيته تراجيديا، لكن الجمهور الأميركي كثيرا ما قهقه ضاحكا لعديد من المواقف والحوارات

​​بالتأكيد، لا يغفل حفل للأوسكار إنجازات الفنون الأفرو ـ أميركية، بل يترك لها حيزا للتكريم ببعض الجوائز، خاصة مع الشهرة التي حظي بها مؤخرا فيلم "كتاب أخضر" وبطله ماهرشالا علي. اكتسبت الثقافة السوداء قوة وتأثيرا متزايدين في أرجاء الولايات المتحدة، وامتد سحرها إلى العالم أجمع كرمز لانتصار الحرية، مخلفة أثرا عميقا لدى الشعوب العربية في الشرق الأوسط، تلك المنطقة من العالم التي لطالما تطلعت بأمل إلى الحرية وناضلت ضد الظلم والعنصرية والاستعباد.

نال الأفارقة ـ الأميركيون حقوقهم بموجب الدستور عقب الحرب الأهلية الأميركية (1861 ـ 1865) بعد أن خلفت تلك الحرب ما يتراوح بين 620.000 و750.000 ضحية من الجانبين المتحاربين. انتصر الشمال تحت رئاسة الرئيس إبراهام لينكولن على النزعة الانفصالية المكرسة للرق في عدد من ولايات الجنوب، لكن التاريخ الأميركي يذكر بعد ذلك الجهود السياسية اللاحقة للزعيم مارتن لوثر كينغ، وكذلك لمالكولم إكس وإيلاجيا محمد، والتي نادت بالمساواة بين البيض والسود في حقوق وواجبات المواطنة بموجب دستور البلاد. جرت آخر مواجهة للعنصرية في زمن الرئيس الراحل جون كينيدي، وانتهت بمنح المواطنين الأفرو ـ أميركيين مزيدا من الحقوق وتخليصهم من الاضطهاد العرقي.

اقرأ للكاتب أيضا: الكذب.. ملح السياسة

تعتبر موسيقى "البلوز" من أبرز معالم الثقافة الموسيقية السوداء، وهي تقارن بموسيقى "الجاز" بالرغم من وجود بعض الفوارق بينهما. كتب المؤلف المسرحي أوغست ويلسون عدة مسرحيات ذات علاقة قوية بالموسيقى، منها مسرحيته التي أعيد إنتاجها مؤخرا من قبل "مسرح الكتاب" والمسماة "رقصة ما ريني".

شاعت هذه الرقصة مع طراز "البلوز" في الغناء في نيويورك وشيكاغو ونيو أورليانز في عشرينيات القرن الماضي. المغنية ما ريني شخصية حقيقية ذاع صيتها في ذلك الزمان، وكانت حريصة على أن يصحب غناءها استعراض تضمن ذلك الطراز من الرقص الذي يعتمد على هز الأرداف. أدارت ما ريني فرقتها بصرامة حرفية عالية بحيث أطلق عليها بجدارة لقب "ملكة البلوز".

لا يزال أوغست ويلسون (1945 ـ 2005) يعتبر أحد ألمع المؤلفين المسرحيين الأفرو ـ أميركيين حتى يومنا الحاضر بالرغم من رحيله عن الحياة في عام 2005 عن عمر يناهز ستين عاما. ألَّف خلال حياته 17 مسرحية، وعددا من القصائد، وبعض القصص القصيرة والمقالات، لكن شهرته ترتكز إلى إبداعه كمؤلف مسرحي.

تألق الممثل كيلفن روستن في دور العازف الشاب عبر حضور قوي ولافت (تصوير مايكل بروسيلو)

​​منذ لورين هانزبري ومسرحيتها الشهيرة "زبيبة تحت الشمس"، لم يلمع مؤلف كما لمع أوغست ويلسون على مسارح برودواي وعواصم أوروبا، بحيث تفوقت مسرحياته حتى على مسرحيات المؤلف أميري بركة التي بدأ أوغست حياته المهنية بإخراج بعضها. 

أشاد المؤلف الكبير جيمس بولدوين بمسرحيات ويلسون التي تمجد ثراء التراث الأفريقي في أميركا، خاصة تلك المسرحيات العشرة التي كرس كل واحدة منها لعقد زمني مختلف يتناول حياة السود في مدينة بيتسبرغ في ولاية بنسلفانيا ـ باستثناء مسرحية Ma Rainey’s Black Bottom (1982) "رقصة ما ريني" التي تجري أحداثها في شيكاغو عام 1927، وهي المسرحية الثانية من حيث الترتيب بين المسرحيات العشرة، أي أنها ولدت قبل مسرحياته الأخرى الشهيرة في بيئة بيتسبرغ: "درس البيانو"، "سبعة غيتارات" و"حواجز"، (التي حولت إلى فيلم سينمائي ناجح أخرجه ولعب بطولته النجم دنزل واشنطن، وفازت فيولا ديفيز على دورها فيه بجائزة أوسكار).

كثير من هذه المسرحيات مقرر في مناهج المدارس والجامعات، وما زالت تحظى باهتمام عالمي واسع، حيث قدمت فرقة المسرح القومي البريطاني قبل بضعة أعوام مسرحية "رقصة ما ريني" في عرض أشاد به النقاد ونال إعجاب الجمهور اللندني. 

حاز أوغست ويلسون خلال حياته جائزة "بوليتزر" الأدبية لفن الدراما مرتين عن مسرحيتيه "درس البيانو" و"حواجز"، كما حصد عديدا من الجوائز الرفيعة الأخرى.

انحدر أوغست من مهاجر أبيض جاء من ألمانيا، بينما انتمت والدته إلى أصول أفريقية ـ أميركية. اضطر أوغست لترك المدرسة بسبب ما واجهه من مضايقة زملائه البيض لكونه مختلط العرق، والتحق بمدرسة محلية ما لبث أن تركها بعد عام واحد لخيبة أمله من منهاجها التعليمي. 

عقب طلاق أمه من والده بفترة، قرر أوغست أن يتخذ كنية أمه لقبا له بدلا من لقب والده، فانتمى بإرادته إلى مجتمع السود، مكرسا أعماله للتذكير بعراقة تراثهم. اضطر أوغست في بداية حياته لكسب عيشه من العمل في عدة مهن هامشية، ثم بدأ حياته الأدبية كشاعر، وانتقل بعدها ليعمل مخرجا مسرحيا.

الطريف أنه عندما شرع بالإخراج ثم بتأليف مسرحياته لم يكن قد قرأ من أعمال شكسبير سوى "تاجر البندقية" التي كانت ضمن المنهاج الدراسي، ولم يكن قد اطلع على مسرحيات تنيسي وليامز أو آرثر ميلر، اللذين سرعان ما ضارعهما في حصد الجوائز. صحيح أن مؤلفات روائيات من أصول أفريقية ـ أميركية ـ مثل توني موريسون وأليس وولكر ـ كتبن روايات عن النساء السود بوفرة وحساسية، وبالأخص الثانية التي أخرج ستيفن سبيلبرغ فيلما رائعا عن روايتها "اللون الأرجواني" (1985)، لكن أوغست ويلسون صور المرأة السوداء في المسرح بصورة مرهفة، وبطولية ونبيلة.

أخرج عرض "رقصة ما ريني" لصالح مسرح الكتاب مخرج مخضرم، هو رون أوجيه بارسون، معتمدا على طاقم تمثيل متمكن من الأداء الواقعي والعزف الحي على خشبة المسرح، إضافة إلى قيام الممثلة فيليسيا بي. فيلدز بالغناء الحي أيضا.

تدور أحداث المسرحية في ستوديو للتسجيل في شيكاغو، يديره رجل أبيض، ويتعهد أعمال المغنية ما ريني لصالحه رجل أبيض. يصل العازفون السود، وبينهم عازف بوق شاب يطمح لأن يسجل لحنا من تأليفه. تصل ما ريني وصحبها متأخرين ومعهما رجل بوليس أبيض يرشوه مدير أعمالها ليغض النظر عن مخالفة.

حاز أوغست ويلسون خلال حياته جائزة "بوليتزر" الأدبية لفن الدراما مرتين

​​يحتدم خلاف بسبب إصرار ما ريني على أن يقدمها في التسجيل قريب يتأتئ بشدة، بينما تغوي رفيقته العازف الشاب جنسيا وتؤدي الرقصة الشعبية الشهيرة. بعد جهد جهيد وتكرار للتسجيل، تنهي مغنية البلوز ما ريني وفرقة العازفين تسجيل الأغنية بنجاح.

قبيل انصرافهم، يبلغ مدير الاستوديو العازف الشاب رفضه تسجيل اللحن الذي ألفه. يصاب الشاب بإحباط شديد، فيصب جام غضبه على زميله العجوز في الفرقة لمجرد أنه داس على حذائه اللامع الجديد، ويطعنه بالموسى طعنة قاتلة في ظهره.

يعتبر أوغست ويلسون مسرحيته تراجيديا، لكن الجمهور الأميركي كثيرا ما قهقه ضاحكا لعديد من المواقف والحوارات، ولست ألومه على ذلك خصوصا في مشهد التأتأة التي تعيق التسجيل وتؤدي إلى تكراره مرارا.

اقرأ للكاتب أيضا: عندما يبكي المضحكون

يزداد التوتر تصاعدا في الحبكة حتى يصل إلى ذروته في الختام، حيث يؤدي إحباط الشاب وتبدد حلمه إلى ارتكابه جريمة قتل يروح ضحيتها زميله العجوز عبثا دون مبرر.

تألق الممثل كيلفن روستن في دور العازف الشاب عبر حضور قوي ولافت، رغم أن باقي الممثلين السود والبيض لم يفتقدوا أيضا قوة الأداء الواقعي المقنع، مما جعل الجمهور يهب واقفا في نهاية العرض مصفقا لهم طويلا.

إحياء مسرحيات أوغست ويلسون مهم للغاية، لأنه يعيد التذكير بتاريخ الثقافة الأفرو ـ أميركية، ليس بما يخص غناء "البلوز" فحسب، وإنما بما يشمل كفاحهم خلال عقود مختلفة من القرن العشرين، الأمر الذي يلهم الشعوب المناضلة الأخرى في العالم الصبر والأمل.

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"
يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"

كأنّ هناك عقلًا واحدًا يتحكّم بصانعي الفوضى في العالم، اذ إنّ هؤلاء لا يجدون سوى وصفة واحدة لإحلال السلام: الاستسلام لهم!

ومن يدقق بالعبارات التي يستعملها صانعو الفوضى في العالم، يتفاجأ بأدبيّات موحّدة، فالقيادة الروسية بزعامة فلاديمير بوتين تحمّل الغرب مسؤوليّة دخول حربها على أوكرانيا عامها الثاني، لأنّ هذا الغرب يزوّد أوكرانيا بمقوّمات الصمود العسكري والإنساني، مما يحول دون استسلامها.

بالنسبة للقيادة الروسيّة: السلام مستحيل، والتصعيد ضرورة، والدمار واجب، والقتل حتمي، طالما أنها عاجزة عن تحقيق أهدافها المعلنة في أوكرانيا، فالطريق إلى السلام قصير جدًا، إذا سارت كييف بشروط موسكو.

هذه العقلية الروسيّة لا تعير أيّ اهتمام للقانون الدولي وللسيادة الوطنية وللمصالح الإقليمية وللسلم الدولي ولموازين القوى، فهي إمّا تنتصر وإمّا تفني العالم، من خلال رفع مستوى التهديد باللجوء إلى احتياطاتها الخطرة من الرؤوس النووية.

وثمّة دول مستفيدة من هذا الانحراف الروسي، فالصين التي تنافس الولايات المتحدة الأميركية على زعامة العالم، تجد في القيادة الروسيّة ضالتها، إذ إنّ هوسها بالانتصار المستحيل سوف يوهن موسكو ويلحقها ببكين، وسوف يضعف الاتحاد الأوروبي ويبعده عن دائرة التأثير في صناعة موازين القوى الاستراتيجية في المستقبل.

ولكنّ دون هذا الهوس الروسي من جهة أولى وهذا الهدف الصيني، من جهة ثانية، يقف وعي غربي جماعي، إذ اكتشفت دوله أنّ تعاضدها ووقوفها في صف واحد مع الولايات المتحدة الأميركية، وحده كفيل بتوفير مستقبل سيادي لها ولشعوبها.

قبل الغزو الروسي لأوكرانيا، كان الغرب شبه مفتّت ووحدته شبه متفسّخة، إذ كانت المصالح الاقتصاديّة تتقدّم على كل المخاوف الاستراتيجية.

بعد الغزو الروسي، وفي ظل القراءة العميقة للأداء الروسي، اختلفت الأحوال، إذ إنّ الوقاية من مخاطر المستقبل تمرّ بتوفير الشروط اللازمة للحيلولة دون استسلام أوكرانيا، بصفتها بوابة أوروبا،  أمام "الدب الروسي" الذي سوف يسلّم نفسه والآخرين لمشيئة "التنّين الصيني".

ومن روسيا ننتقل مباشرة إلى لبنان، حيث منطق "حزب الله" لا يختلف بشيء عن منطق "حزب الكرملين".

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"، وفق "تكليف" صادر عن المرشد الاعلى علي خامنئي، وذلك خلافًا لإرادة سائر القوى السياسية التي تريد أن يعود لبنان عنصرًا فاعلًا في محيطه العربي وفي بعده الدولي.

ولهذا يسعى "حزب الله" إلى أن يفرض رئيس الجمهورية الذي يناسب مخططه، وهو من أجل تحقيق ذلك يترك البلاد لقمة سائغة في فمّ الفراغ المنتتج للفوضى وللفقر وللجوع.

وكالعادة  لا  يتحمّل "حزب الله" تبعة ما يقدم عليه، بل يلقيه على عاتق من يتصدّى لمخططاته، وهو، من أجل إعطاء صدقية لمقولات "الهروب إلى الأمام"، يقحم الولايات المتحدة الأميركية ويهددها بفوضى تشمل كل المنطقة.

ولسان "حزب الله" يقول: هاتوا الرئيس الذي نريد  ويحقق لنا ما نرغب به فنعفيكم من الفوضى والكوارث!

وترفض غالبية اللبنانيين الرئيس الذي يصرّ عليه "حزب الله"، وتطرح عليه حلولًا وسطًا، لكنّ الحزب يرفض ذلك، على قاعدة: استسلموا تسلموا!

صحيح أنّ القوى التي ترفض الرضوخ لـ"حزب الله" ليست أوكرانيا والقوى الخارجية المؤيّدة لها لا تفتح أمامها مخازن السلاح وخزائن المال، ولكنّ الصحيح أيضًا أنّ من بيدهم القدرة على انتشال لبنان من جحيمه يقولون للبنانيّين: إذا استسلمتم لإرادة "حزب الله" لا تهرعوا علينا، فنحن لن نساعد دولة تضع إمكاناتها في مساعدة أعدائنا.

وكما تعرض روسيا الاستسلام لتوقف حربها في أوكرانيا كذلك يعرض "حزب الله" الاستسلام على سائر اللبنانّيين حتى لا يوقعهم أكثر في الفوضى والجوع.

المشكلة مع هذا المحور الذي يعاني منه السوريون واليمنيون والعراقيون والإيرانيون أنّه يعرض عليك الحياة لينتزع منك…الحياة!