تظاهرة في لبنان تطالب بإقرار الزواج المدني (أرشيف)
تظاهرة في لبنان تطالب بإقرار الزواج المدني (أرشيف)

منى فياض/

"إن لم تكن العبودية خطأ؛ فما من خطأ"
أبراهام لينكولن

في الحقيقة أصبح طرح موضوع إقرار "قانون الزواج المدني الاختياري" مبتذلا في لبنان. جميعنا نشعر أن النقاش يتكرر!

يطرح الموضوع دوريا، وفي كل مرة يحتدم النقاش وتهبط الملائكة والشياطين إلى الأرض، ويصبح الموضوع سجالا بين "مؤمن" يكفر ويعطي شهادات بالإيمان، وكافر مثواه النار ويتحمل مسؤولية جميع الموبقات التي تعم جمهورية التفاهة.

يبدو أن حرية الأفراد تشكل تهديدا لمصالح ذوي النفوذ الديني والمتحالفين معهم.

حين تنتهك حقوق الأفراد، كأفراد وليس كجماعات، ولا تضمنها لهم الدولة؛ تسود العبودية

​​أجابت وزيرة الداخلية ريا الحسن على سؤال حول الزواج المدني فارتأت بحكمة "أنها تحبذ شخصيا، أن يكون هناك إطار للزواج المدني"، وأنها ستسعى "لفتح الباب لحوار جدي وعميق حول هذه المسألة مع كل المرجعيات الدينية وغيرها". فهناك كتلة وازنة في لبنان تطالب بذلك.

فاستنفرت المراجع الدينية على اختلافها متحدة متضامنة، واشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي واستعيد ما كان قد ذهب إليه مفتي الجمهورية (السابق) عام 2013 (الشيخ محمد رشيد قباني) من إصدار فتوى بـ "أن كل من يوافق من المسؤولين المسلمين في السلطة التشريعية والتنفيذية على تشريع وتقنين الزواج المدني ولو اختياريا هو مرتد وخارج عن دين الإسلام ولا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين".

اقرأ للكاتب أيضا: 'مساعدات' ظريف للبنان والدور التخريبي

وصدر مجددا عن المكتب الإعلامي في دار الفتوى برئاسة المفتي الحالي الشيخ عبد اللطيف دريان بيان أعلن "الرفض المطلق لمشروع الزواج المدني في لبنان ومعارضته، لأنه يُخالف أحكام الشريعة الإسلامية السمحاء جملة وتفصيلا من ألفه إلى يائه، ويُخالف أيضا أحكام الدستور اللبناني في ما يتعلق بوجوب احترام الأحوال الشخصية المعمول به في المحاكم الدينية العائدة للبنانيين في المادة التاسعة منه، وبالتالي لا يمكن إقراره في المجلس النيابي من دون أخذ رأي وموقف دار الفتوى وسائر المرجعيات الدينية في لبنان".

ودعا البيان إلى منع مجرد التداول بالموضوع: "عدم الخوض والقيل والقال في موضوع الزواج المدني الذي هو من اختصاص دار الفتوى في الجمهورية اللبنانية المؤتمنة على دين الإسلام ومصلحة المسلمين".

وكأن قمع حرية التعبير ومنع الخوض في أي موضوع كان، لا يخالف مقدمة الدستور وخصوصا ما جاء في الفقرة ج: "لبنان جمهورية ديمقراطية برلمانية، تقوم على احترام الحريات العامة، وفي طليعتها حرية المعتقد، وعلى العدالة والمساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين دون تمايز أو تفضيل". هل إن الزواج غير مشمول بتلك الحريات؟

بنظر رافضي الزواج المدني، فإن تعدد الزوجات وتزويج القاصرات وحرمان الأم من حضانة أطفالها يحفظ الاسرة ويحافظ على كرامة المرأة! من دون نذكر أشكال الزواج الأخرى المشرعة دينيا، مثل زواج المتعة وزواج المسيار وغيرها؛ فهذه تبجيل للمرأة!

ومن أغرب الذرائع المقدمة ادعاء أن الزواج المدني يلغي "شرط الدين عبر إباحة الزواج من ‏المحارم، كأن يتزوج الشخص من أخته بالرضاعة وغيرها من الأمور الخطيرة"! ففي جمهورية لبنان الفاضلة، لا شيء يسيء إلى المرأة أو يهدد الكيان والأخلاق واستقرار الأسرة سوى عقد الزواج المدني، مع أن هناك مرجعيات وازنة كالعلامة الشيخ عبد الله العلايلي لها رأي مختلف: "فالعقد الزواجي، في الإسلام، عقد مدني بكل معناه، إلَّا في بعض نَوَاشئ، أكثرها ماليٌّ، لا يُعتدُّ بها اعتدادا يُخرِجُ العقد عن هذا النعت". الشيخ عبد الله العلايلي، في كتابه: "أين الخطأ"، دار الجديد، بيروت، 1992.

المشكلة أن غالبية الطبقة السياسية لا تجرؤ على مخالفة رجال الدين. إذ سبق لمجلس الوزراء أن أقرّ في عام 1998 مشروع قانون للزواج المدني، وبأغلبية ثلثي أعضاء الحكومة. لكنه وضع في الأدراج.

إن عدم مواجهة رجال الدين، هي على الأرجح لحفظ خط الرجعة لدى البعض لحاجتهم تغطية فضائح الفساد التي قد تطفو، إذ يهب رجال الدين حينها ويجعلون منها "اعتداء على الطائفة بأكملها"، فيغلق الملف.

هي شبكة مصالح. نحن نعلم أن بعض رجال السياسة يلجؤون إلى تغيير مذاهبهم، بموافقة وغض نظر من رجال الدين، فيغير أهل السنة مذهبهم لتوريث بناتهم. ويسهل الطلاق للموارنة من الطبقة الحاكمة.

سبق للرئيس سعد الحريري أن أشار بنفسه، بمناسبة الجدل الذي حصل في العام 2013، إلى أن إندونيسيا وماليزيا وتركيا، وهي دول مسلمة، تقرّ الزواج المدني فهل يكفرهم سماحة المفتي؟ كأننا نقول إن (الرئيس التركي رجب طيب) أردوغان مرتد. ولفت إلى وجود كازينو في لبنان، وحياة ليل صاخبة... وهذا بالمفهوم الديني غير شرعي والذين شرعوه رؤساء وزراء سنة، فهل نكفرهم؟

إن أغرب ما نسمعه من ذرائع حول طرح موضوع الزواج المدني الآن، (وفي كل آن!) "مش وقتها" وأن هناك كثير من الأولويات التي يفترض بنا الالتفات إليها قبل الشروع في التفكير فيه.

إن أهم مبدأ للديمقراطية ألا يتعرض أي فرد فيها لانتهاك حقوقه من قبل فرد آخر أو طرف آخر

​​وهذه ذريعة الأنظمة العربية المستبدة التي صادرت خلال عقود الحقوق وهدرت الكرامات وعمقت الفقر والأمّية وقمعت الحريات وأفقرت الشعوب تحت شعار "مش وقتها". إنه وقت "القضايا الكبرى" فقط، التي قادت الأمة من احتلال إلى احتلال.

وفي لبنان نفتقد أبسط الحقوق المؤمنة في أفقر دولة في العالم: نفتقد الماء والكهرباء والبنى التحتية، ونخضع كالعبيد للفساد العلني الذي يعم البلاد.

يزعمون أنهم يحمون "مصالح الشعب"؟ لكن من هو هذا الشعب؟ كتلة وهمية غائمة أم مجموعة أفراد؟ وإذا اتفقنا على أن الشعب يعني أعدادا غفيرة من الأفراد المجتمعين في بلد وفي طوائف، فهذا يعني أن كل مشكلة فردية هي جزء من القضايا الكبرى نفسها. وهل تأمين الخبز مختلف عن تأمين الحق بالزواج بمن يرغب ومتى يرغب وبالطريقة والشروط التي يرغب؟

اقرأ للكاتب أيضا: سيكولوجيا المشاعر والانفعالات في زمن التنويم المغناطيسي

هذا مع العلم أن معظم من يقفون بشراسة ضد إقرار الزواج المدني يزعمون أنهم مع إرساء "دولة مدنية"؟ فهل يعرفون معنى "دولة مدنية"؟ إنها الدولة الحيادية تجاه معتقدات وأيديولوجيات وقناعات المواطن؛ وتحفظ التنوع والتعدد في جميع أشكاله.

حين تنتهك حقوق الأفراد، كأفراد وليس كجماعات، ولا تضمنها لهم الدولة؛ تسود العبودية.

إن أهم مبدأ للديمقراطية ألا يتعرض أي فرد فيها لانتهاك حقوقه من قبل فرد آخر أو طرف آخر.

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.
الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.

على مدى ربع قرن، كان لي شرف الكتابة في جريدة "الحياة"، يوم كانت واجهة الصحافة العربية المطبوعة العابرة للدول والقارات. سواء جاءت نهايتها لأفول الجريدة الورقية كوسيلة توزيع للمعلومة والفكر، أو لأخطاء على درب إدارتها، فإن "الحياة" قد أسلمت الروح، ومعها النمط الذي اعتاد عليه جيلها في قراءة الخبر والتحليل والرأي.

بدا يومها أن الزمن الذي كانت كانت فيه نشرات الأخبار، الإذاعية والمرئية، تمهيداً لقراءة المادة المكتوبة الموسعة في جريدة الصباح قد ولّى، وأصبح بالإمكان، عبر الشاشات والشبكات المعلوماتية، الاستفاضة بالحصول على المضمون الموسّع والمعمّق دون تأخير.

ومع المزيد من التطور في التقنيات، أضحى جليًا بأن طلب المضمون وتلقيه ينتقل ليس من الطباعة إلى الشاشة وحسب، بل، في انقلاب في أدوار الخادم والمخدوم، من الكلمة المكتوبة إلى أشكال جديدة للكلمة المسموعة والمرئية، تأتي بدورها في ارتباط وثيق بالصورة البيانية أو التعبيرية، وتتولى مهمة التعليق عليها.

فيما يقترب من الإجماع، القناعة اليوم هي أن المضمون المصور، ولا سيما بالصيغة النشطة التي تحاكي مخيلة الاستيعاب، هو السبيل الأكثر فعالية للتواصل مع المتلقي. والانتقال المتحقق إليه ليس الأول على مدى التاريخ الإنساني. سبق هذا الانتقال حالات عديدة، منها ما أسفر عن تحولات كمّية كبيرة في انتشار المضمون، مثل الانتقال من المخطوط إلى المطبوع، ثم أن التراكم الكمي استحال بدوره تحولات نوعية عميقة. ومنها، قبلها، ما هو أساس الحضارة، أي الانتقال من الشفهي إلى المكتوب.

الانتقال الأخير جاء قابلاً للتحقق نتيجة التطور الكبير في تقنيات المعلومات طبعاً، وأثره البالغ على الإنتاج والتوزيع والاستهلاك في المجال المعرفي كما في سائر المجالات. المقارنة هنا غالباً ما تكون مع الثورة الصناعية. ربما هي كذلك في أكثر من مجتمع وسياق، غير أن الواقع الجديد في المحيط العربي يقترب ببعض أوجهه من أن يكون أشبه بأحوال ما بعد الكارثة الطبيعية منه بنتائج الثورة الصناعية.

البنى التي انهارت لم تكن الصحافة المطبوعة وحدها. فالمتضرر الأول كان الكتاب. نعم، ثمة تعارض في تحقق الفائدة والضرر بين دور النشر ومعها المؤلفين من جهة، والقارئ من جهة أخرى، إذ توفرّت له بين ما يشبه الليلة وضحاها مكتبات بكاملها، بصيغة رقمية أعيد إدخالها، أي عرضة لكمّ كبير من الأخطاء في مرحلة أولى، ثم بصيغة مصوّرة تحاكي الكتاب المطبوع بإخلاص، وصولاً إلى إقدام المكتبات الجامعية بنفسها على وضع مقتنياتها على الشبكة، ليصبح القارئ قادراً على الاطمئنان إلى الكتاب في سنده ومتنه ومصدره.

لكن في مقابل سعادة القارئ، تعرقلت نظم الموازنة بين الانتاج الفكري والتعويضات المالية للمؤلف والناشر. ومع غياب إمكانية الحصر والضبط وضمان حقوق النشر، خسر الكتاب صدارته كالوسيلة الأولى لصياغة الفكر. بالأمس كان جديد الكتب موضع اهتمام "خاصّة" فكرية وحدها لها إطار التداول. مع الواقع الجديد، مواد التداول وأطره أصبحت لا تحصى، وما كان للخاصة الفكرية لم يعد حصراً عليها. لمن هو منها أن يعترض في مفاضلة مستمرة بين الرفيع والوضيع، الراقي والمتردي، وهو قد فعل ولا يزال، ولكن اعتراضه ضائع في ضوضاء حقيقة غلبة "العامة" وتفضيلاتها وخياراتها، وإن استحالت ساحات متباعدة وفرق متناحرة، على "خاصّة" لم تعد كذلك، بل أمست واحدة من عدة. وفي هذه الفوضى، لم يجد الفكر العربي معادلة الاستقرار بعد، وإن كانت تشكيلات عدّة تتنافس للمنصب.

ربما أن "من زاوية أخرى" كانت محاولة صمود من جانب الكلمة المكتوبة. في هيئتها المقاوِمة هذه، الكلمة المكتوبة ليست مطبوعة على ورق، بل مقروءة على الشاشة، ويصاحبها ويعززها التفاعل، في موقع النشر نفسه ثم عبر منصات التواصل الاجتماعي، ولمقالات مختارة من خلال إبرازها ومناقشتها إذاعياً، أي بتحويلها إلى مادة مسموعة، ومن بعد كل هذا من خلال التقاطها وإعادة نشرها في مواقع أخرى.

ولكن، هل كان الأمر وحسب صمود يائس في وجه المحتَّم؟ الجواب يبدو بالإيجاب إذا كان الحكم على هذه المحاولة مبنياً على المعايير الكمية السائدة في التواصل الاجتماعي. أعداد المشاهدات منخفضة، لا ترتفع إلا في بعض المواضيع ذات الطبيعة الآنية أو السجالية. تعليقات يغلب عليها الحكم المتسرع أو الرأي المعلّب، وصولاً إلى الشتائم والابتذال. بل يكتفي العديد من "المعلّقين" بالاطلاع على الاقتباس الهادف إلى دعوتهم إلى قراءة المقال، دون قراءته، قبل التكرّم بالآراء القطعية الصارمة. ما فائدة هذا المجهود إذا كان لا يتعدى في نتيجته تكرار ما يحدث في طرف نائٍ من أطراف عالم التواصل الاجتماعي؟

غير أن هذه المعايير قد لا تكون هي الصالحة لاعتبار التجربة. بعض ما استوعبته هذه التجربة يندرج بالفعل في إطار السجال ومجاراة الأخبار، وبعضها الآخر ربما يحظى بطابع أقل ارتباطاً بالآني. ولكن المجموع، على اختلاف مكوناته، شكّل نقطة مرجعية لعدد غير قليل من المسؤولين عن صياغة القرار والرأي في مواقع متقدمة. قد يصعب إثبات هذا الزعم بالأرقام، ولكنه كان حقيقة ملموسة لي شخصياً ولغيري من الزملاء، بما ساهم بتحمل الضجيج في التعليقات.

غروب "من زاوية أخرى" هو بالتالي خسارة، وإن اقتضه حسابات المؤسسة، وإشعار إضافي بما تواجهه الكلمة المكتوبة الرصينة من تحديات. كل الشكر والاحترام للإداريين والمحررين المتعاقبين على المسؤولية عن صفحة "من زاوية أخرى" على مدى أعوامها، وكل المودة والتقدير لكافة الزملاء، إذ حافظوا على أهمية الرأي الملتزم باحترام كلام الآخر وعقل القارئ، في واقع فكري معاصر يطفح بالأهوائيات والعصبيات والاستعلائيات، ولا سيما منهم من قرأ مادة نقدية وجهتُها إليه وأجاب بما أثرى النقاش، وأخيراً لا آخراً بالتأكيد، فائق الامتنان والإجلال لكل قارئ قرأ، سواء اتفق مع الرأي المطروح أو اختلف معه.

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.