لا يزال العالم الإسلامي في معظمه يعيش ـ وفق نمط تفكيره السائد/ الأعم ـ مرحلة ما قبل نزع السحر عن العالم
لا يزال العالم الإسلامي في معظمه يعيش ـ وفق نمط تفكيره السائد/ الأعم ـ مرحلة ما قبل نزع السحر عن العالم

محمد المحمود/

لا يزال العالم الإسلامي، وتحديدا: العالم الإسلامي الذي تهيمن عليه الرؤى التقليدية؛ من دينية، وموروثات مجتمعية ذات منحى أسطوري، يخضع لنمط التفكير السحري العجائبي/ الغرائبي الذي ساد العالم إلى ما قبل خمسة قرون تقريبا.

لا يزال العالم الإسلامي في معظمه يعيش ـ وفق نمط تفكيره السائد/ الأعم ـ مرحلة ما قبل نزع السحر عن العالم، أي يعيش المرحلة السابقة لانتصار الرؤى العقلانية وسيادة المنهج العلمي. فهو "زمنيا" في الربع الأول من القرن الحادي والعشرين، بينما هو "وَعْيا"، في حدود بدايات القرن السادس عشر تقريبا.

على أي حال، لا يعيب العالم الإسلامي أنه مَرّ ويمُرّ بمرحلة التفكير الأسطوري/ الخرافي، فهي مرحلة عاشتها المجتمعات الإنسانية كافة، على تنوع صور التجربة، وعلى اختلاف مدة الاستقالة العقلية.

نقد الخرافة في تجلياتها الصريحة لا يزال غائما في سياق الفكر العربي/ الإسلامي المعاصر​

ما يعيب حقا، هو استمرار وانتشار وهيمنة هذه "المرحلة الخرافية" على مسافة زمنية طويلة، وعلى مساحة جغرافية واسعة، بحيث ظهر وكأن مخاصمة العقل، وتسفيه المنطق العلمي، والتنكر لمخرجات العلم، هو قدر هذه الأمة التي تطرح نفسها منذ تشكّلت وإلى اليوم بوصفها: خير أمة أخرجت للناس!

خلال القرنين الأخيرين، وبفعل الاندفاعة الحضارية للغرب، بدأ العالم من أقصاه إلى أقصاه يُعيد مُسَاءلة نفسه/ تراثه على ضوء التطورات العقلية والعلمية التي ازدهرت في الغرب. وكان حظ كل مجتمع إنساني من الازدهار والانعتاق من عصور الجهل والتخلف والفقر والقهر؛ بمقدار حظه من الاشتباك/ التفاعل الإيجابي مع التراث العقلاني/ العلمي الذي تَشكّل ـ ولا يزال يَتشكّل ـ في أحضان الحضارة الغربية الاستثنائية التي لم تُعِدْ تَشكيل عوالم الإنسان طورا بعد طور فحسب، وإنما أعادت تشكيل الإنسان ذاته على نحو مختلف، فبدا وكأنه يُخْلقُ من جديد على صورة لا سابق لها، بل ولم تخطر أشباحها في أحلام الغابرين.

اقرأ للكاتب أيضا: بين الانغلاق المعرفي والانغلاق الوجداني

اليوم، ينقسم العالم إلى عالمين متضادين، وإن كانا غير متمايزين على نحو واضح؛ لا من حيث الحدود الفاصلة؛ ولا من حيث مستوى الاختلاف/ التضاد. هذان العالَمَان المتقابلان/ المتضادان هما: عالم العقل، العلم، الإنسان الحر، مقابل عالم الخرافة، الجهل، الإنسان الأسير.

وطبعا، ثمة مَد هنا وجَزْر هناك؛ لهذا العالم أو لذاك العالم؛ وثمة خُلْجَان داخل هذه القارة أو جُزُر في عُباب ذاك المحيط، ولكن الحدود الفاصلة المتضمنة حتى في مسارات التواصل والتداخل والاختراقات التي تحدث بين هذين العالمين، ليست خافية على عين الفاحص المدقق الذي يرصد تمدّدات العالم الخرافي/ البدائي، بل وآليات هذا التمدد، بقدر ما يرصد تمدّدات العالم العقلاني/ العلمي/ التقدمي الذي يبدو وكأنه هو قدر العالم كله على مستوى المجموع النهائي للحراك الإنساني في هذا العالم.

من هنا، لا يعني وصف العالم الإسلامي بكونه العالم الذي تسوده أنماط التفكير الخرافي أنه كذلك على كل صعيد، وفي كل مسار، ومن كل أحد. كما لا يعني وصف العالم الغربي بأنه العالم الذي تسوده أنماط التفكير العقلاني/ العلمي أنه كذلك على كل صعيد، وفي كل مسار، ومن كل أحد. فثمة خرافيون بدائيون في أكثر المجتمعات الغربية تحضرا، كما أن هناك عقلانيين متحضرين حتى في أكثر المجتمعات الإسلامية تخلفا وبدائية.

وفي النهاية، العبرة بالقوة الروحية/ العقلية السائدة، أي بالوعي العام الذي يحكم المسار، العبرة بالتيار العام الذي يحكم نمط التفكير الكلي، وبالتالي، يحكم مسار الخيارات الكبرى التي تحدد هوية المستقبل الموعود.

إن أخطر ما في التفكير الخرافي في العالم الإسلامي أنه تفكير خرافي مُشَرْعَن، أي تفكير خرافي امتزج بالتفكير الديني/ بالتراث الديني حتى أصبح يستمد منه قوة الثبات/ الديمومة، وفي الوقت نفسه يستمد منه القدرة الفائقة على الانتشار على كل مساحات القناعة الدينية.

ولا يخفى أن بين "الثبات" و "الانتشار" علاقة تفاعلية تعاضدية؛ إذ كل منهما يعزز الآخر، ويمنحه مستوى أعلى من المشروعية التي تُحِيل على صريح الدين؛ حتى يصبح المعترض على الخرافة يبدو وكأنه يعترض على الدين ذاته، وفي المسار نفسه، يبدو وكأنه يَتعمّد ـ بهذا الاعتراض العقلاني/ العلمي ـ إهانة جميع المسلمين.

لا شك أن التحديات المعرفية/ الثقافية التي تطرحها العولمة تحديات جدية، ولكن ليست ـ بكل صورها وبكل مستوياتها ـ وليدة انفجار اللحظة العولمية أواخر القرن العشرين.

فمنذ قرنين تقريبا والحضارة الغربية تجتاح ـ بإرثها العقلاني/ العلمي ـ المجتمعات التقليدية، وتطرح تحديات جوهرية على أنماط التفكير السائدة في هذه المجتمعات الرتيبة حدّ السكون.

والنتيجة بعد كل هذا، أن الأغلبية الساحقة من المجتمعات التي دخلت مع الغرب في عملية مثاقفة مباشرة تغيرت أنماط التفكير لديها، وتآكلت مساحات الخرافة إلى درجة تكاد لا ترى معها، أو ـ على الأقل ـ تم تحديد وتقنين مجال عمل الخرافة، بحيث لم تعد تُشكّل خطرا على المسار العام للتفكير المشرعن بقوة القانون التعلمي/ العلمي ( الذي هو للأسف واقع الحال في معظم أرجاء العالم الإسلامي)، أي لم يُسْمح للخرافة بأن تختلط بالعلم على أي مستوى كان؛ فضلا عن أن تُقدّم نفسها بوصفها علما؛ ناهيك عن أن تُقدّم نفسها كمرجعية عليا حاكمة على العلم، أو تطرح يقينياتها الخاصة كأفق مرجعي، ثم تطلب من العلم أن يحاكم نفسه إليها؛ وإلا فهو "عِلْم كافر" يستحق النفي والإقصاء.

إذن، تختلف المجتمعات في قدرتها على التنكر لخرافاتها وأساطيرها وأوهامها الذاتية في الوقت المناسب، ومن ثم دخولها إلى العصر الحديث، عصر العلم. فليست المجتمعات التي اشتبكت فيها الخرافة مع أعلى درجات القداسة، وشكلت فيها الخرافة إرثا كبيرا ضاغطا على كل مناحي الوعي، كالمجتمعات التي لا تحضر فيها الخرافة إلا بوصفها مجرد عادات وتقاليد وأعراف موروثة يجري تداولها على نحو فوضوي أو شبه فوضوي؛ بحيث لا تحدد القناعة بها أو عدم القناعة بها مصير الفرد ولا مصير الجماعة. فمثل هذه المجتمعات التي تنتسب فيها الخرافة إلى عالم الأساطير السابحة في فضاء الجهل، لا إلى المقدس المفترض علما، تستطيع تجاوز عوالمها الخرافية الموروثة أو تحييدها؛ بمجرد التواصل مع آفاق التفكير العقلاني/ العلمي؛ خاصة إذا ما بدأت تدرك عوائد هذا التفكير الإيجابية ـ في مستوى تمظهرها المحسوس ـ على واقعها المباشر/ العيني.

طبعا، لا يمكن التحوّل من نمط تفكير سائد/ موروث تطاولت عليه القرون إلى نمط تفكير آخر/ جديد، بمجرد لفت الانتباه إلى خطورة ذاك وجدوى هذا. المسألة ليست بهذه البساطة؛ فالخرافة التي تشرعنت بالمقدس الديني، ومن ثم شرعنت نمط التفكير الخرافي ذاته؛ يصعب نفيها خارجة دائرة الوعي بمجرد التأكيد على خرافيتها، إذ هي تحولت من "خرافة" إلى "حقيقة علمية أزلية" تعلو على كل حقائق العلم العابرة/ الظرفية، كما أن نمط التفكير الخرافي إذا ما كان يتمتع بسيادة عامة يستطيع تعطيل القدرة على رؤيتها الخرافة في صورتها الأولية، إذ لا يمتلك الآليات الضرورية لفحصها ابتداء.

لا يمكن إنجاز مثل هذه المهام العقلانية إلا في فضاء من الحرية الفكرية المضمونة بقوة القانون​

من هنا، وحتى يمكن للوعي الإسلامي العام أن ينتقل من نمط التفكير الخرافي إلى نمط التفكير العقلاني، لا بد من حركة نقدية/ تفكيكية تأتي ـ بالنظر إلى مكوناتها وآليات اشتغالها ـ من خارج المسار السائد المُتَطبّع بالخرافة بشكل أو بآخر، ثم لا بد أن تكون حركة جريئة وشاملة، قادرة على مساءلة أنماط التفكير الخرافي في التراث كله، فضلا عن مساءلة اللاإنساني والعنصري والاستبدادي والعنفي...إلخ معوقات تَشكّل حضارة الإنسان/ الفضاء الإنساني.

إن هذه الحركة النقدية/ التفكيكية أنجزت كثيرا من مهامها في الغرب، ثم في العالم المتماهي مع حضارة الغرب، لكنها لا تزال إلى اليوم غائبة أو ذات حضور خجول في العالم الإسلامي. حتى نقد الخرافة في تجلياتها الصريحة لا يزال غائما في سياق الفكر العربي/ الإسلامي المعاصر، لا يزال الحراك في هذا المضمار يفتقد إلى الجرأة الكافية لإنجاز بعض ما يجب إنجازه كضرورة للخطوات الأولى.

اقرأ للكاتب أيضا: نستولوجيا الكتاب الورقي

وإذا كان هناك بعض الأمثلة الرائدة ـ نسبيا ـ في هذا المجال، مثل كتاب "المعجزة أو سبات العقل في الإسلام" لجورج طرابيشي، أو كتاب "الأساطير والأحلام المُؤسّسة للعقل الإسلامي" لنبال خمّاش، وغيرها مما هو في سياقها، فإن حلحلة نمط التفكير الخرافي السائد يحتاج لفاعلية نقدية/ تفكيكية أكثر عمقا وكثافة من الذي تحقق فعلا في واقع ثقافة/ تراث العرب والمسلمين

أخيرا، من قبل هذا وبعده، لا يمكن إنجاز مثل هذه المهام العقلانية/ العلمية الطموحة، بل ولا حتى بعضها، إلا في فضاء من الحرية الفكرية المضمونة بقوة القانون؛ وإلا فإن أرقى العقول وأشجعها وأشدها حماسة وتفانيا ستتراجع أمام وقع سهام التضليل والتكفير...إلخ، التي هي سلاح سدنة الخرافة لمواجهة خصومهم الفكريين في كل العصور وفي كل المجتمعات، في صورة تتكرر باستمرار، سنة الله في الذين خلوا من قبل، ولن تجد لسنة الله تبديلا.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.
الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.

على مدى ربع قرن، كان لي شرف الكتابة في جريدة "الحياة"، يوم كانت واجهة الصحافة العربية المطبوعة العابرة للدول والقارات. سواء جاءت نهايتها لأفول الجريدة الورقية كوسيلة توزيع للمعلومة والفكر، أو لأخطاء على درب إدارتها، فإن "الحياة" قد أسلمت الروح، ومعها النمط الذي اعتاد عليه جيلها في قراءة الخبر والتحليل والرأي.

بدا يومها أن الزمن الذي كانت كانت فيه نشرات الأخبار، الإذاعية والمرئية، تمهيداً لقراءة المادة المكتوبة الموسعة في جريدة الصباح قد ولّى، وأصبح بالإمكان، عبر الشاشات والشبكات المعلوماتية، الاستفاضة بالحصول على المضمون الموسّع والمعمّق دون تأخير.

ومع المزيد من التطور في التقنيات، أضحى جليًا بأن طلب المضمون وتلقيه ينتقل ليس من الطباعة إلى الشاشة وحسب، بل، في انقلاب في أدوار الخادم والمخدوم، من الكلمة المكتوبة إلى أشكال جديدة للكلمة المسموعة والمرئية، تأتي بدورها في ارتباط وثيق بالصورة البيانية أو التعبيرية، وتتولى مهمة التعليق عليها.

فيما يقترب من الإجماع، القناعة اليوم هي أن المضمون المصور، ولا سيما بالصيغة النشطة التي تحاكي مخيلة الاستيعاب، هو السبيل الأكثر فعالية للتواصل مع المتلقي. والانتقال المتحقق إليه ليس الأول على مدى التاريخ الإنساني. سبق هذا الانتقال حالات عديدة، منها ما أسفر عن تحولات كمّية كبيرة في انتشار المضمون، مثل الانتقال من المخطوط إلى المطبوع، ثم أن التراكم الكمي استحال بدوره تحولات نوعية عميقة. ومنها، قبلها، ما هو أساس الحضارة، أي الانتقال من الشفهي إلى المكتوب.

الانتقال الأخير جاء قابلاً للتحقق نتيجة التطور الكبير في تقنيات المعلومات طبعاً، وأثره البالغ على الإنتاج والتوزيع والاستهلاك في المجال المعرفي كما في سائر المجالات. المقارنة هنا غالباً ما تكون مع الثورة الصناعية. ربما هي كذلك في أكثر من مجتمع وسياق، غير أن الواقع الجديد في المحيط العربي يقترب ببعض أوجهه من أن يكون أشبه بأحوال ما بعد الكارثة الطبيعية منه بنتائج الثورة الصناعية.

البنى التي انهارت لم تكن الصحافة المطبوعة وحدها. فالمتضرر الأول كان الكتاب. نعم، ثمة تعارض في تحقق الفائدة والضرر بين دور النشر ومعها المؤلفين من جهة، والقارئ من جهة أخرى، إذ توفرّت له بين ما يشبه الليلة وضحاها مكتبات بكاملها، بصيغة رقمية أعيد إدخالها، أي عرضة لكمّ كبير من الأخطاء في مرحلة أولى، ثم بصيغة مصوّرة تحاكي الكتاب المطبوع بإخلاص، وصولاً إلى إقدام المكتبات الجامعية بنفسها على وضع مقتنياتها على الشبكة، ليصبح القارئ قادراً على الاطمئنان إلى الكتاب في سنده ومتنه ومصدره.

لكن في مقابل سعادة القارئ، تعرقلت نظم الموازنة بين الانتاج الفكري والتعويضات المالية للمؤلف والناشر. ومع غياب إمكانية الحصر والضبط وضمان حقوق النشر، خسر الكتاب صدارته كالوسيلة الأولى لصياغة الفكر. بالأمس كان جديد الكتب موضع اهتمام "خاصّة" فكرية وحدها لها إطار التداول. مع الواقع الجديد، مواد التداول وأطره أصبحت لا تحصى، وما كان للخاصة الفكرية لم يعد حصراً عليها. لمن هو منها أن يعترض في مفاضلة مستمرة بين الرفيع والوضيع، الراقي والمتردي، وهو قد فعل ولا يزال، ولكن اعتراضه ضائع في ضوضاء حقيقة غلبة "العامة" وتفضيلاتها وخياراتها، وإن استحالت ساحات متباعدة وفرق متناحرة، على "خاصّة" لم تعد كذلك، بل أمست واحدة من عدة. وفي هذه الفوضى، لم يجد الفكر العربي معادلة الاستقرار بعد، وإن كانت تشكيلات عدّة تتنافس للمنصب.

ربما أن "من زاوية أخرى" كانت محاولة صمود من جانب الكلمة المكتوبة. في هيئتها المقاوِمة هذه، الكلمة المكتوبة ليست مطبوعة على ورق، بل مقروءة على الشاشة، ويصاحبها ويعززها التفاعل، في موقع النشر نفسه ثم عبر منصات التواصل الاجتماعي، ولمقالات مختارة من خلال إبرازها ومناقشتها إذاعياً، أي بتحويلها إلى مادة مسموعة، ومن بعد كل هذا من خلال التقاطها وإعادة نشرها في مواقع أخرى.

ولكن، هل كان الأمر وحسب صمود يائس في وجه المحتَّم؟ الجواب يبدو بالإيجاب إذا كان الحكم على هذه المحاولة مبنياً على المعايير الكمية السائدة في التواصل الاجتماعي. أعداد المشاهدات منخفضة، لا ترتفع إلا في بعض المواضيع ذات الطبيعة الآنية أو السجالية. تعليقات يغلب عليها الحكم المتسرع أو الرأي المعلّب، وصولاً إلى الشتائم والابتذال. بل يكتفي العديد من "المعلّقين" بالاطلاع على الاقتباس الهادف إلى دعوتهم إلى قراءة المقال، دون قراءته، قبل التكرّم بالآراء القطعية الصارمة. ما فائدة هذا المجهود إذا كان لا يتعدى في نتيجته تكرار ما يحدث في طرف نائٍ من أطراف عالم التواصل الاجتماعي؟

غير أن هذه المعايير قد لا تكون هي الصالحة لاعتبار التجربة. بعض ما استوعبته هذه التجربة يندرج بالفعل في إطار السجال ومجاراة الأخبار، وبعضها الآخر ربما يحظى بطابع أقل ارتباطاً بالآني. ولكن المجموع، على اختلاف مكوناته، شكّل نقطة مرجعية لعدد غير قليل من المسؤولين عن صياغة القرار والرأي في مواقع متقدمة. قد يصعب إثبات هذا الزعم بالأرقام، ولكنه كان حقيقة ملموسة لي شخصياً ولغيري من الزملاء، بما ساهم بتحمل الضجيج في التعليقات.

غروب "من زاوية أخرى" هو بالتالي خسارة، وإن اقتضه حسابات المؤسسة، وإشعار إضافي بما تواجهه الكلمة المكتوبة الرصينة من تحديات. كل الشكر والاحترام للإداريين والمحررين المتعاقبين على المسؤولية عن صفحة "من زاوية أخرى" على مدى أعوامها، وكل المودة والتقدير لكافة الزملاء، إذ حافظوا على أهمية الرأي الملتزم باحترام كلام الآخر وعقل القارئ، في واقع فكري معاصر يطفح بالأهوائيات والعصبيات والاستعلائيات، ولا سيما منهم من قرأ مادة نقدية وجهتُها إليه وأجاب بما أثرى النقاش، وأخيراً لا آخراً بالتأكيد، فائق الامتنان والإجلال لكل قارئ قرأ، سواء اتفق مع الرأي المطروح أو اختلف معه.

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.