مقاتلان في غروزني، بعد أيام على بدء الحرب الروسية ضد الشيشان عام 1994
مقاتلان في غروزني، بعد أيام على بدء الحرب الروسية ضد الشيشان عام 1994

مالك العثامنة/

عن أمي نقلا عن والدتها (جدتي) كانت تقول لي مثلا شيشانيا قديما ترجمته تقول: انثر ما لديك من بذور تحت كل شمس.

هذا القول ترسخ في ذهني وعقلي الباطن منذ طفولتي، وربما كان له أكبر التأثير في مجمل حياتي، لكن بعد أن بلغت من العمر ما بلغته اليوم، وبهواية غريبة عندي على التفكيك والبحث في الدلالات والتفاصيل، أجد أن هذا المثل الشيشاني يعكس عقلية جمعية لشعب عاشق للحياة، وتعرض ربما لأكثر ظلم من بين الشعوب الأكثر تعرضا للقمع والتنكيل لا بإنسانه وحسب، بل في هويته وثقافته التي لا تزال تقاوم كل هذا التشويه الممنهج والمتعمد.

"وايناخ" بمعنى " ناسنا أو جماعتنا" هو الاسم الرسمي الحقيقي لتلك الشعوب التي تم تسميتها بالشيشان​

في ذاكرتي لا يزال حاضرا جدي لأمي، أحياد، المعمر الذي جاوز المئة حين وفاته، والمهاجر من أقصى شمال جبال القوقاز، يحمل في قلبه عشقا مستحيلا لفتاة في قريته، وفي جيب صغير بجانب قلبه حمل طوال عمره منديلا طوى عليه دموعها ليلة رحيله من بلاده نحو بلاد "شام شريف" مطلع القرن العشرين.

كانت نشأتي المبكرة، شيشانية ـ قوقازية، ولا أزال أحمل اللغة كآخر ما تبقى لي من هوية شعب جبلي صغير تعرض لواحدة من أكبر حملات الإبادة في التاريخ وعلى مراحل مختلفة.

اقرأ للكاتب: أيضا: مما قلته أمام الملك

كل شيشاني على وجه الأرض، حين يخاطبني يناديني "يا ابن خالتي"، وفي مهجري بلجيكا، أتلمس اللغة العصية على الاندثار في القطار والمقهى والشارع، فأقترب من المتحدثين الغرباء ملقيا التحية بلغة أمي، وأسألهم إن كانوا "ويناخ؟" فيتلاشى الاغتراب وننتهي باحتضان دافئ يحاول أن يسترجع وطنا، لا يزال ينثر بذوره تحت كل شمس على هذا الكوكب!

♦♦♦

الثالث والعشرون من فبراير/ شباط كل عام، يتم إحياء ذكرى واحدة من أبشع حملات الإبادة الممنهجة في التاريخ؛ ومثل إبادة الأتراك للشعب الأرمني، تعرض الشيشان والأنغوش (شعوب الوايناخ) لحملة نفي وتهجير شاملة إلى سهول سيبيريا الباردة، بقرار سوفييتي أصدره طاغية العصر ستالين متهما هذا الشعب بتهم الخيانة والتعامل مع الجيش النازي! ليتحرك الجيش الأحمر في ذلك التاريخ عام 1944 منفذا أمر التهجير القسري لشعب بأكمله، من كل مدنه وقراه في أرضه، وبحيلة ماكرة تحت ادعاء حضور عروض عسكرية للجيش الأحمر، تم تجميع الشعب الجبلي وتجييشه في قوافل بائسة ليتم نقله إلى كازاخستان وقرغيزيا الباردة، فمات من مات وقتل من قتل، وتشرد من تشرد، بلا استثناء من أطفال وشيوخ ونساء.

(... تلك حملة تهجير بنكهة الإبادة سبقتها بسنوات حملة تهجير قسري مشابهة تواطأ فيها العثمانيون مع الروس مطلع القرن العشرين وكان من ضمن قوافلها جدي الذي نجا بأعجوبة من الموت في رحلات الموت تلك).

فرقة رقص شيشانية تقليدية تدعى "مارشو"، تقدم عرضا في براغ عام 2006

​تلك الإبادة الجماعية الشاملة عام 1944 والتي اعترف بحصولها البرلمان الأوروبي عام 2004، لا يزال أثرها الموجع والمحفور في الوجدان الجمعي الشيشاني ماثلا حتى اليوم.

"وايناخ" بمعنى " ناسنا أو جماعتنا" (واي: نحن، ناخ: ناس) هو الاسم الرسمي الحقيقي لتلك الشعوب التي تم تسميتها بالشيشان، والشيشان تسمية روسية تعود إلى قرية صغيرة اسمها تشيتشن تقع إلى الجنوب الشرقي من العاصمة الشيشانية (غروزني) وهي بدورها مدينة بناها الروس في الاحتلال القيصري لشعوب الوايناخ.

و"تشيتشين" هذه هي القرية التي وقع فيها أول صدام مسلح بين القوات الروسية القيصرية وأهل البلاد المحليين عام 1708 في حروب إبادة دموية كان أحد سفاحيها المجرمين الجنرال يرمولوف، قاسي القلب والذي أباد قرى بأكملها وساكنيها.

لا تزال قصة هذا الشعب، قصة غير مروية بالكامل

​التسمية العالمية المشتقة من التسمية الروسية هي أول مساعي الإبادة الثقافية لهذا الشعب الجبلي الحر، والذي لم تبدأ حروبه مع الروس كما يعتقد البعض بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، بل هو تحت الاحتلال الروسي منذ أيام القياصرة، في صفحات مطوية في التاريخ.

كل العالم يشير لهم بهذه التسمية، إلا هم أنفسهم فلا يستعملونها في حديثهم ومخاطباتهم بالمطلق.

♦♦♦

في تواطؤ عالمي مع ماكينة الإعلام الروسية التي لم تتوقف يوما عن محاولات طمس هذا الشعب الجبلي وثقافته وحضارته المستقلة والفريدة، وبعد حربين كانت الأولى منهما أول تسعينيات القرن الماضي حرب استقلال وطنية والثانية كانت حربا تشبه "الحرب السورية الأخيرة" في التداخلات والتعقيدات والتشابكات التي شوهها الإرهاب ومفردات الإسلام السياسي القادم من الوهابية الصحراوية ومخلفات أفغانستان، لا يزال العالم يربط بين الشيشان والعنف المسلح والإرهاب الدموي، فاختفت ملامح شعب من أكثر الشعوب نبلا ورومانسية في ثقافته الحقيقية تحت وطأة ثقيلة من تراكمات الخبر اليومي الملفق والمضلل.

وحتى اليوم..

لا تزال قصة هذا الشعب، قصة غير مروية بالكامل، ولا يزال هذا الشعب الجبلي المتخم بالحرية يتوزع في أركان الأرض منفيا أو مهاجرا أو لاجئا، يقبض على جمر ثقافته ولغته وعاداته بإصرار شديد. ولا أزال أذكر وصية متواترة جيلا بعد جيل تلقيتها منذ طفولتي أن أعلم أولادي بعد أن أتزوج، اللغة الشيشانية والرقص الشيشاني.

 اقرأ للكاتب أيضا: ما لم أقله أمام الملك

ومنذ جاءت ابنتي بترا إلى هذا العالم.. وأنا أحاول أن أنفذ الوصية ما استطعت إليها سبيلا، مخزنا كل الحكايا التي ورثتها حكاية بعد حكاية، لأنقلها لها فترويها هي لأجيال قادمة.

ولا أزال يا جدتي... أنثر البذور تحت كل شمس.

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

 

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"
يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"

كأنّ هناك عقلًا واحدًا يتحكّم بصانعي الفوضى في العالم، اذ إنّ هؤلاء لا يجدون سوى وصفة واحدة لإحلال السلام: الاستسلام لهم!

ومن يدقق بالعبارات التي يستعملها صانعو الفوضى في العالم، يتفاجأ بأدبيّات موحّدة، فالقيادة الروسية بزعامة فلاديمير بوتين تحمّل الغرب مسؤوليّة دخول حربها على أوكرانيا عامها الثاني، لأنّ هذا الغرب يزوّد أوكرانيا بمقوّمات الصمود العسكري والإنساني، مما يحول دون استسلامها.

بالنسبة للقيادة الروسيّة: السلام مستحيل، والتصعيد ضرورة، والدمار واجب، والقتل حتمي، طالما أنها عاجزة عن تحقيق أهدافها المعلنة في أوكرانيا، فالطريق إلى السلام قصير جدًا، إذا سارت كييف بشروط موسكو.

هذه العقلية الروسيّة لا تعير أيّ اهتمام للقانون الدولي وللسيادة الوطنية وللمصالح الإقليمية وللسلم الدولي ولموازين القوى، فهي إمّا تنتصر وإمّا تفني العالم، من خلال رفع مستوى التهديد باللجوء إلى احتياطاتها الخطرة من الرؤوس النووية.

وثمّة دول مستفيدة من هذا الانحراف الروسي، فالصين التي تنافس الولايات المتحدة الأميركية على زعامة العالم، تجد في القيادة الروسيّة ضالتها، إذ إنّ هوسها بالانتصار المستحيل سوف يوهن موسكو ويلحقها ببكين، وسوف يضعف الاتحاد الأوروبي ويبعده عن دائرة التأثير في صناعة موازين القوى الاستراتيجية في المستقبل.

ولكنّ دون هذا الهوس الروسي من جهة أولى وهذا الهدف الصيني، من جهة ثانية، يقف وعي غربي جماعي، إذ اكتشفت دوله أنّ تعاضدها ووقوفها في صف واحد مع الولايات المتحدة الأميركية، وحده كفيل بتوفير مستقبل سيادي لها ولشعوبها.

قبل الغزو الروسي لأوكرانيا، كان الغرب شبه مفتّت ووحدته شبه متفسّخة، إذ كانت المصالح الاقتصاديّة تتقدّم على كل المخاوف الاستراتيجية.

بعد الغزو الروسي، وفي ظل القراءة العميقة للأداء الروسي، اختلفت الأحوال، إذ إنّ الوقاية من مخاطر المستقبل تمرّ بتوفير الشروط اللازمة للحيلولة دون استسلام أوكرانيا، بصفتها بوابة أوروبا،  أمام "الدب الروسي" الذي سوف يسلّم نفسه والآخرين لمشيئة "التنّين الصيني".

ومن روسيا ننتقل مباشرة إلى لبنان، حيث منطق "حزب الله" لا يختلف بشيء عن منطق "حزب الكرملين".

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"، وفق "تكليف" صادر عن المرشد الاعلى علي خامنئي، وذلك خلافًا لإرادة سائر القوى السياسية التي تريد أن يعود لبنان عنصرًا فاعلًا في محيطه العربي وفي بعده الدولي.

ولهذا يسعى "حزب الله" إلى أن يفرض رئيس الجمهورية الذي يناسب مخططه، وهو من أجل تحقيق ذلك يترك البلاد لقمة سائغة في فمّ الفراغ المنتتج للفوضى وللفقر وللجوع.

وكالعادة  لا  يتحمّل "حزب الله" تبعة ما يقدم عليه، بل يلقيه على عاتق من يتصدّى لمخططاته، وهو، من أجل إعطاء صدقية لمقولات "الهروب إلى الأمام"، يقحم الولايات المتحدة الأميركية ويهددها بفوضى تشمل كل المنطقة.

ولسان "حزب الله" يقول: هاتوا الرئيس الذي نريد  ويحقق لنا ما نرغب به فنعفيكم من الفوضى والكوارث!

وترفض غالبية اللبنانيين الرئيس الذي يصرّ عليه "حزب الله"، وتطرح عليه حلولًا وسطًا، لكنّ الحزب يرفض ذلك، على قاعدة: استسلموا تسلموا!

صحيح أنّ القوى التي ترفض الرضوخ لـ"حزب الله" ليست أوكرانيا والقوى الخارجية المؤيّدة لها لا تفتح أمامها مخازن السلاح وخزائن المال، ولكنّ الصحيح أيضًا أنّ من بيدهم القدرة على انتشال لبنان من جحيمه يقولون للبنانيّين: إذا استسلمتم لإرادة "حزب الله" لا تهرعوا علينا، فنحن لن نساعد دولة تضع إمكاناتها في مساعدة أعدائنا.

وكما تعرض روسيا الاستسلام لتوقف حربها في أوكرانيا كذلك يعرض "حزب الله" الاستسلام على سائر اللبنانّيين حتى لا يوقعهم أكثر في الفوضى والجوع.

المشكلة مع هذا المحور الذي يعاني منه السوريون واليمنيون والعراقيون والإيرانيون أنّه يعرض عليك الحياة لينتزع منك…الحياة!