متظاهرون في الجزائر ضد ترشيح الرئيس الجزائري نفسه لولاية خامسة
متظاهرون في الجزائر ضد ترشيح الرئيس الجزائري نفسه لولاية خامسة

رستم محمود/

في مثل هذا العام، قبل قرن بالضبط، كانت أغلب بلدان منطقتنا تشهد نوعا خاصا من الثورات المحلية. تشترك جميعها بطيف من الخصائص والميزات الداخلية، بالرغم من الانقطاع التام فيما بينها، لكن ذلك التشارك كان دلالة على الفضاء السياسي والاجتماعي والثقافي الذي كانت تمر به جغرافيات ما بعد الإمبراطوريات في منطقة الشرق الأوسط، عقب نهاية الحرب العالمية الأولى، والتي عاشت مرحلة مضطربة في كشف وتعريف الذات بالهويات المحلية، بعد الاستقلال عن تلك الإمبراطوريات، التي عاشت في ظلالها لقرون طويلة.

في دمشق عُقد المؤتمر السوري العام الأول في أواخر شهر حزيران من العام 1919، حيث اجتماع ذلك الخليط من الأعيان والسادة والبيروقراطيين والأثرياء والإقطاعيين المحليين العثمانيين الذين كانوا، ملتفين حول نزعة محلية تسعى لتحديد الفضاء السياسي السوري، الذي يُحدد دمشق مركزا له، لكنه بالأساس مضاد لنزعتين استحواذيتين جامحتين، كانتا تسعيان لتجاوز تلك المحلية وخصائصها: واحدة عربية بالمعنى العرقي/الإسلامي، ساعية لأن تضم هذه المحلية السورية وتُتبعها لما كان وقتها إمارة الحجاز وعالم الجزيرة العربية. ونزعة أخرى أوروبية استعمارية، تسعى لأن تحول التحالف العربي/الأوربي، الذي كان في الحرب العالمية الأولى، تحوله إلى احتلال وتقاسم عسكري للفضاء السوري.

كانت ثورة الحفيد بهذا المعنى نزعة للرفض الثنائي لكل من حكم العثمانيين التقليدي والاحتلال البريطاني/العراقي الحديث

كانت هذه الهبة محملة بأشكال من وعي واستيعاب تنوع الذات السورية، مذهبيا وطائفيا ومناطقيا، ومدركة لخصوصية كل منطقة من هذا "الفضاء السوري"، بالذات لبنان. كذلك فإنها كانت مصرة على مفاهيم الملكية الدستورية والتمثيل البرلمانية ومحدودية مسؤولية السُلطة وتقيديها بالمحاسبة من قِبل غيرها من السُلطات. فأية قراءة معرفية لـ"بيان استقلال سوريا"، الذي صدر عن هذا المؤتمر بعد شهور قليلة، تبرهن على تلك المعاني السياسية والنظرية والأيديولوجية، الدالة على عمق محليته وواقعيته وحداثته السياسية.

في مثل تلك الشهور من العام نفسه، كانت الاحتجاجات تعم كافة المدن الرئيسية في مصر أيضا، التي عُرفت فيما بعد بـ"ثورة 19"، التي أتت كرد شعبي محلي على سياسة بريطانيا المصرية، التي حينما اعتقلت سعد زغلول ورفاقه الساعين للذهاب إلى مؤتمر باريس للصلح لاستحصال الحقوق المصرية من صفقة المنتصرين في الحرب العالمية الثانية، إنما مالت لنكران وعودها السابقة بمنح المصريين الاستقلال عن بريطانيا بعد نهاية تلك الحرب.

اقرأ للكاتب أيضا: 'الكاولية' ونخبة الحكم العراقية

كانت ثورة الـ 19 في مصر مطابقة في مضامينها لما كان قد خطه المؤتمر السوري العام. فهي في الوقت الذي كانت تعبيرا عن تعمق القومية المحلية في الذات الجمعية المصرية، المناهضة للاحتلال البريطاني من طرف، وهيمنة النُخب الخديوية العثمانية من طرف آخر، فإنها في نفس الوقت كانت تميل لمفاهيم تعميق الدستورية وسيادة البرلمان وحقوق النساء والمواطنة المتساوية للأقباط والمسلمين في الفضاء والقوانين العامة المصرية.

إذ لم يكن من خارج المنطق أن الحزب الذي تشكل فيما بعد من شخصيات ذلك الوفد الذي حضر مؤتمر باريس للصلح، حزب الوفد، كان مُنذ قرن، وما يزال إلى حد بعيد، الحزب المصري الوحيد الذي يحمل لواء الجمع بين الواقعية السياسية المحلية مع تبني قيم الحداثة السياسية والليبرالية الاجتماعية والعلمانية الدستورية والعلاقة الإيجابية مع العالم من موقع الندية.

في نفس ذلك العام أيضا، كان الزعيم المحلي الكُردي الشيخ محمود الحفيد يقود هبة/ثورة كردية من مدينة السليمانية، في مواجهة الاحتلال البريطاني والهيمنة العراقية/العربية في الآن ذاته.

كان الحفيد آخر الحاكم المحليين الأكراد لمدينة السليمانية، التي كانت قبل قرابة نصف قرن من ذلك الوقت عاصمة لإمارة بابان الكردية، الإمارة التي كانت مثل غيرها من الإمارات الكُردية/العثمانية تتمتع بسلطة حكم فيدرالية في ظلال الإمبراطورية العثمانية لقرون، قبل أن يُقضى عليها جميعا في أواسط القرن التاسع عشر.

كانت هبة الحفيد شكلا من أشكال الحنين إلى تلك الحقبة العامرة من حكم الكُرد لأنفسهم. فالحفيد، ومثله الأغلبية المطلقة من الأعيان الكُرد، لم يحصلوا حتى على الاعتراف بشخصيتهم وهويتهم الكردية من الدولة العثمانية، بالرغم من وقوفهم معها طوال الحرب العالمية الأولى.

كانت ثورة الـ 19 في مصر مطابقة في مضامينها لما كان قد خطه المؤتمر السوري العام​

في نفس الوقت لم يستطع أن ينال شيئا من سلطة الاحتلال البريطانية، بعدما بدل ولاءه من الخندق العثماني إلى نظيره البريطاني مع انتهاء الحرب، وتسلميه للفوج العثماني الذي كان بأمرته للطرف البريطاني. فهؤلاء أيضا لم يعترفوا ويقروا بأحقية الكرد بالاستقلال، مثل غيرهم من أبناء قوميات المنطقة. كذلك لم يقبل البريطانيون بمنح الحكم الذاتي للكرد في الألوية الأربعة من ولاية الموصل، بل اكتفوا بقبول الحفيد كمتصرف في شؤون لواء السلمانية فحسب، مع تعيين مستشارين إنكليزيين له.

كانت ثورة الحفيد بهذا المعنى نزعة للرفض الثنائي لكل من حكم العثمانيين التقليدي والاحتلال البريطاني/العراقي الحديث. لكنها أيضا كانت تعبيرا عن تنامي دور الطبقات المحلية المدينية الكردية، التي صارت تتبنى شخصية قومية محلية واعية لذاتها وحقوقها، مختلفة عن التكوين العشائري الكُردي التقليدي. تلك الشخصية التي كانت نتيجة طبيعة لنمو التعليم وتبدل أنماط الاقتصاد والاحتكاك مع القوى العالمية أثناء سنوات الحرب العالمية الأولى، بعد قرون العزلة الكردية الطويلة.

اقرأ للكاتب أيضا: لماذا تناهض تركيا الأكراد بكل هذا القدر!

كانت مختلف حواضر منطقتنا الأخرى تشهد أشياء من مثل تلك، حركات ونزعات وهبات وثورات، ساعية لتحويل الحساسيات والهويات الأهلية والفضاءات المحلية إلى ذوات سياسية، عبر مناهضة مختلف أشكال الهيمنة الخارجية من طرف، وفي سياق تبني القيم السياسية والمجتمعية والثقافية القادرة على منح تلك الذوات المحلية صبغة سياسية.

كان ذلك نتيجة طبيعة وسياقا موضوعيا لانهيار العالم القديم الذي مثلته السلطنة العثمانية. لكنها أيضا كانت لحظة استثنائية في تاريخ منطقتنا، التي ما لبثت أن أصيبت بداء الأيديولوجيات المتضخمة، القومية الكبرى والإسلامية الهوياتية واليسارية الإطلاقية، ليعود ناس المنطقة بعد قرن ويبدأوا من جديد بشعار محلي بسيط: خبز وحرية، وعدالة اجتماعية.

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"
يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"

كأنّ هناك عقلًا واحدًا يتحكّم بصانعي الفوضى في العالم، اذ إنّ هؤلاء لا يجدون سوى وصفة واحدة لإحلال السلام: الاستسلام لهم!

ومن يدقق بالعبارات التي يستعملها صانعو الفوضى في العالم، يتفاجأ بأدبيّات موحّدة، فالقيادة الروسية بزعامة فلاديمير بوتين تحمّل الغرب مسؤوليّة دخول حربها على أوكرانيا عامها الثاني، لأنّ هذا الغرب يزوّد أوكرانيا بمقوّمات الصمود العسكري والإنساني، مما يحول دون استسلامها.

بالنسبة للقيادة الروسيّة: السلام مستحيل، والتصعيد ضرورة، والدمار واجب، والقتل حتمي، طالما أنها عاجزة عن تحقيق أهدافها المعلنة في أوكرانيا، فالطريق إلى السلام قصير جدًا، إذا سارت كييف بشروط موسكو.

هذه العقلية الروسيّة لا تعير أيّ اهتمام للقانون الدولي وللسيادة الوطنية وللمصالح الإقليمية وللسلم الدولي ولموازين القوى، فهي إمّا تنتصر وإمّا تفني العالم، من خلال رفع مستوى التهديد باللجوء إلى احتياطاتها الخطرة من الرؤوس النووية.

وثمّة دول مستفيدة من هذا الانحراف الروسي، فالصين التي تنافس الولايات المتحدة الأميركية على زعامة العالم، تجد في القيادة الروسيّة ضالتها، إذ إنّ هوسها بالانتصار المستحيل سوف يوهن موسكو ويلحقها ببكين، وسوف يضعف الاتحاد الأوروبي ويبعده عن دائرة التأثير في صناعة موازين القوى الاستراتيجية في المستقبل.

ولكنّ دون هذا الهوس الروسي من جهة أولى وهذا الهدف الصيني، من جهة ثانية، يقف وعي غربي جماعي، إذ اكتشفت دوله أنّ تعاضدها ووقوفها في صف واحد مع الولايات المتحدة الأميركية، وحده كفيل بتوفير مستقبل سيادي لها ولشعوبها.

قبل الغزو الروسي لأوكرانيا، كان الغرب شبه مفتّت ووحدته شبه متفسّخة، إذ كانت المصالح الاقتصاديّة تتقدّم على كل المخاوف الاستراتيجية.

بعد الغزو الروسي، وفي ظل القراءة العميقة للأداء الروسي، اختلفت الأحوال، إذ إنّ الوقاية من مخاطر المستقبل تمرّ بتوفير الشروط اللازمة للحيلولة دون استسلام أوكرانيا، بصفتها بوابة أوروبا،  أمام "الدب الروسي" الذي سوف يسلّم نفسه والآخرين لمشيئة "التنّين الصيني".

ومن روسيا ننتقل مباشرة إلى لبنان، حيث منطق "حزب الله" لا يختلف بشيء عن منطق "حزب الكرملين".

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"، وفق "تكليف" صادر عن المرشد الاعلى علي خامنئي، وذلك خلافًا لإرادة سائر القوى السياسية التي تريد أن يعود لبنان عنصرًا فاعلًا في محيطه العربي وفي بعده الدولي.

ولهذا يسعى "حزب الله" إلى أن يفرض رئيس الجمهورية الذي يناسب مخططه، وهو من أجل تحقيق ذلك يترك البلاد لقمة سائغة في فمّ الفراغ المنتتج للفوضى وللفقر وللجوع.

وكالعادة  لا  يتحمّل "حزب الله" تبعة ما يقدم عليه، بل يلقيه على عاتق من يتصدّى لمخططاته، وهو، من أجل إعطاء صدقية لمقولات "الهروب إلى الأمام"، يقحم الولايات المتحدة الأميركية ويهددها بفوضى تشمل كل المنطقة.

ولسان "حزب الله" يقول: هاتوا الرئيس الذي نريد  ويحقق لنا ما نرغب به فنعفيكم من الفوضى والكوارث!

وترفض غالبية اللبنانيين الرئيس الذي يصرّ عليه "حزب الله"، وتطرح عليه حلولًا وسطًا، لكنّ الحزب يرفض ذلك، على قاعدة: استسلموا تسلموا!

صحيح أنّ القوى التي ترفض الرضوخ لـ"حزب الله" ليست أوكرانيا والقوى الخارجية المؤيّدة لها لا تفتح أمامها مخازن السلاح وخزائن المال، ولكنّ الصحيح أيضًا أنّ من بيدهم القدرة على انتشال لبنان من جحيمه يقولون للبنانيّين: إذا استسلمتم لإرادة "حزب الله" لا تهرعوا علينا، فنحن لن نساعد دولة تضع إمكاناتها في مساعدة أعدائنا.

وكما تعرض روسيا الاستسلام لتوقف حربها في أوكرانيا كذلك يعرض "حزب الله" الاستسلام على سائر اللبنانّيين حتى لا يوقعهم أكثر في الفوضى والجوع.

المشكلة مع هذا المحور الذي يعاني منه السوريون واليمنيون والعراقيون والإيرانيون أنّه يعرض عليك الحياة لينتزع منك…الحياة!