عرفات وباراك في منتجع كامب دايفيد عام 2000
عرفات وباراك في منتجع كامب دايفيد عام 2000

حسين عبدالحسين/

نشر الزملاء في "اندبندنت عربية" مقابلة مطولة وشيّقة مع رئيس استخبارات السعودية وسفيرها السابق في واشنطن الأمير بندر بن سلطان. وكان يمكن للزملاء الكرام تحويل الحلقات الخمسة إلى سلسلة وثائقية ممتازة، لو هم قاموا ببعض التحريات، وقارنوا ذكريات السفير السعودي السابق بمصادر أخرى.

والمثير للاهتمام هو أنه يندر أن يتحدث المسؤولون السعوديون عن تجاربهم الماضية وذكرياتهم في الحكم والدولة، وفي حالة الأمير بندر، ربما هي المرة الاولى التي يتحدث فيها مسؤول سعودي رفيع عن رأي المملكة الصريح في شؤون القضية الفلسطينية والعلاقة مع ياسر عرفات.

على العرب الندم لأنهم لم يدونوا مذكراتهم حتى يتعلم منها الجيل القادم للتوصل إلى السلام المنشود

​​إذ صحيح أن الرياض هي صاحبة "المبادرة العربية للسلام" مع إسرائيل، والتي تبنتها الجامعة العربية في قمة بيروت في العام 2002، إلا أنه يندر أن يبدي المسؤولون السعوديون رأيهم في قضايا فلسطين وشؤونها، غير تقديم الدعم المتواصل للفلسطينيين.

في "اندبندنت عربية"، قدم بندر بن سلطان وجهة نظر لمواضيع فلسطينية عديدة سبق أن سمعناها من مصادر أميركية أو إسرائيلية حصرا. قد يبدو بن سلطان وكأنه يلمّع صورة الرياض في الموضوع، بإصراره أن حكام السعودية المتعاقبين جعلوا من القضية الفلسطينية همهم الأول، لكن أقوال السفير السعودي السابق صادقة إلى حد بعيد، ويمكن التأكد من صحتها لتطابقها مع مصادر أخرى.

اقرأ للكاتب أيضا: الخريف العربي: السيسي رئيسا للأبد

يتحدث بندر بن سلطان عمّا تسميه أوساط واشنطن "عرض (رئيس حكومة اسرائيل السابق إيهود) باراك" إلى عرفات، في العام 2000، والذي كان يقضي بتسليم إسرائيل للفلسطينيين قطاع غزة وكل الضفة الغربية، باستثناء الكتل الاستيطانية الكبيرة المجاورة لإسرائيل في الضفة، والتي تعوّض إسرائيل الفلسطينيين عنها بمساحة من الأراضي مشابهة، إما شمال الضفة أو جنوبها. وفي "عرض باراك"، تقاسم للقدس كعاصمة لكل من الدولتين، وعودة كل اللاجئين الفلسطينيين إلى الدولة الفلسطينية، وعودة 50 ألف فلسطيني إلى دولة إسرائيل كل سنة، على مدى عشرين سنة.

بالتفاصيل، يروي الأمير بندر ألاعيب عرفات، وقيامه بالكذب على بندر نفسه بالقول إنه في الفندق ينتظر التوقيع على السلام الإسرائيلي المقترح، فيما كان عرفات سبق أن رفض التوقيع. وكان سبق لعرفات أن تلاعب بالسعوديين في مبادرات سابقة بتأكيده لهم قبول عرض السلام، ثم تراجعه عنه بدون إبلاغهم.

ويبرر بن سلطان تصرفات عرفات بالقول إنه ربما اعتقد "ابو عمّار" أن بإمكانه الحصول على عرض أفضل من "عرض باراك"، فهو كان يفاوض سرّا زعيم المعارضة أرييل شارون، عن طريق ابن شارون، الذي يبدو أنه وعد عرفات بعرض أفضل في حال وصل شارون لرئاسة حكومة إسرائيل.

الرئيس الأميركي الأميركي السابق جورج بوش وبند بن سلطان، السفير السعودي إلى واشنطن سابقا في صورة تعود إلى العام 2002

​​ذكريات الأمير بندر حول عرفات تشي كلها بأن "أبو عمّار" كان يراوغ في كل ما يقوله، وهو ما يتطابق ومعظم إفادات من عاصروا الرئيس الفلسطيني الراحل، من المسؤولين اللبنانيين، والعرب، إلى الأميركيين من أمثال مبعوث السلام دينيس روس، الذي أشار الى الاعيب عرفات المتكررة في كتابه "السلام المفقود"، فعرفات كان يتراجع صباحا عمّا وافق عليه مساء، وأحيانا كان يتراجع قبل صعوده مسرح إعلان الاتفاق.

ألاعيب عرفات ربما وصلت خاتمتها بعدما خسر مصداقيته أمام الجميع، عربا وإسرائيليين وأميركيين، فحاصره شارون، وفتح الباب أمام استبداله بمحمود عبّاس.

على الرغم من مراوغة عرفات، واصلت السعودية ضغطها على واشنطن لتحسين وضع الفلسطينيين وإقامة دولة لهم. يقول الأمير بندر إنه في أول زيارة لولي العهد السعودي في حينه، الملك الراحل عبدالله، إلى مزرعة الرئيس السابق جورج بوش في كروفرد، تكساس، قدم عبدالله لبوش صورة امرأة فلسطينية على الأرض ورجل جندي إسرائيلي فوق رقبتها.

رد بوش بالقول إن الصورة قد لا تروي كل القصة، وإنه ربما كانت تحمل سلاحا أو سكينا، فغضب ولي العهد وأمر وفده بالاستعداد للرحيل، ولم تنجح محاولات وزير الخارجية السابق كولين باول في تهدئة الوضع، ولا تدخل بوش شخصيا. ويمكن التحقق من صحة رواية بن سلطان في مذكرات بوش، التي أشار فيها الرئيس الأميركي السابق إلى غضب ولي العهد السعودي، من دون أن يشير إلى السبب.

لم تكن عملية السلام وهما دائما، بل هي قاربت تحقيق اختراق في أوقات عديدة

​​لم يتوسع الأمير بندر في الحديث عن فرص السلام التي أضاعها الفلسطينيون مع الإسرائيليين، لكن بوش يشير إلى إصرار شارون على انسحاب إسرائيلي وقيام دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل، وهو ما بدأه شارون بانسحابه من غزة، لكن الغيبوبة التي دخل بها أخرجته من الحكم، بدون أن تقضي على خطته للسلام، التي قدمها خلفه إيهود أولمرت إلى الرئيس الفلسطيني محمود عبّاس، وهي تشبه "عرض باراك"، مع إقامة نفق بين الضفة وغزة.

نجح بوش في حمل أولمرت وعبّاس على البدء بتنفيذ الخطة، لكن أولمرت خرج من الحكم بتهم فساد، وانتهى حكم بوش، وانتهى معه الاهتمام الأميركي بدفع الفلسطينيين والإسرائيليين إلى السلام.

اقرأ للكاتب أيضا: العرب في عصورهم الظلامية

لم تكن عملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين وهما دائما، بل هي قاربت تحقيق اختراق في أوقات عديدة، تارة قضت عليها ألاعيب عرفات، أو حسابات فلسطينية خاطئة، وطورا دمرها إرهاب إسرائيلي قتل رئيس الحكومة السابق اسحق رابين، أو شعبوية مسؤول إسرائيلي هنا أو هناك يعارض السلام وحل الدولتين.

في ذكريات الأمير بندر بن سلطان فرص ضائعة كثيرة، وعلى العرب الندم، لا لأنهم لم يتلقفوا فرص السلام فحسب، بل لأنهم ـ حتى اليوم ـ لم يدونوا مذكراتهم وتجاربهم حتى يتعلم منها الجيل القادم، ويبني عليها، للتوصل إلى السلام المنشود.

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟