ما يعترض نهوض الصين، والذي من شأنه أن يجعل العالم يرتعد، هو الاعتلال الذاتي وليس الكبح الخارجي
ما يعترض نهوض الصين، والذي من شأنه أن يجعل العالم يرتعد، هو الاعتلال الذاتي وليس الكبح الخارجي

حسن منيمنة/

"يوم تستيقظ الصين، سوف يرتعد العالم". مضى على هذا القول الشهير للقائد التاريخي الفرنسي نابوليون بونابارت أكثر من قرنين، ولا يزال مضمونه ساري المفعول.

ثمة ترقب، من باب التأمل أحيانا والتوجس حينا، بأن الصين، والتي للتوّ تنافس الولايات المتحدة، حسب جدولة المعايير، على منصب القوة الاقتصادية الأولى في العالم، مُقْدِمة على أن تتبوأ موقعها كالقوة العظمى المستقبلية.

ولا شك أن الصين بالفعل قد شهدت نهوضا اقتصاديا غير مسبوق في العقود القليلة الماضية، واستجمعت ثروات هائلة تسعى إلى توظيفها في استثمارات خارجية من شأنها بسط نفوذها في مختلف الأصقاع، وكذلك إلى تخصيص أجزاء لا تستهان منها لتعزيز قدراتها العسكرية بما يحصّن مكاسبها ويسمح لها بفرض إرادتها.

ورغم أن ريادة الفضاء تبقى اليوم، كما كانت في أوجّ الاهتمام بها في الستينيات ذات طابع رمزي بالدرجة الأولى، فإن إنجازات الصين في هذا المضمار، بما في ذلك إرسال مسبار هبط على سطح الجانب المخفي من القمر، تعزّز صورتها كالدولة المرجع على أكثر من صعيد.

فيما الصين تستعرض إمكانيات بسط نفوذها في الخارج، فإن داخلها ليس مطمئنا

​​والخطوة التي أقدمت عليها السعودية بالمباشرة بتدريس اللغة الصينية تشكل بالتالي تفاعلا مع توقع مستقبلي يبدّل التوازنات القائمة حاليا بل قد ينهي، وفق رأي البعض، دورا استمر ستمئة عام من الهيمنة الغربية على الحضارة العالمية المتداخلة، ليعيد إلى الصين موقعها، والظاهر في التسمية الذاتية "المملكة الوسطى"، كصلب العالم ونقطة ارتكازه.

على أن هذه القراءة الإيجابية المتفائلة تعترضها جملة من الاعتبارات التي تحدّ من زخمها، بل تسقطها، على رأي البعض الآخر، في خانة الترويج الدعائي أو السجال السياسي.

اقرأ للكاتب أيضا: بين الثابت والمتحول: الدين الحيّ تواصل جدلي

إذ ثمة قراءة سلبية متشائمة مقابلة يتمسك بها وسط فاعل في العاصمة الأميركية واشنطن، ليس من باب التقييم الموضوعي وحسب، بل كأساس لرسم التوجهات في التعاطي مع الصين كظاهرة. فالصين هنا لا تُتابع كقوة عظمى ندّية، بل كحالة طفيلية عدائية.

والمرتكز الأول لهذه القراءة السلبية هو اعتبار أن الارتقاء الصيني لم يكن في جوهره بفعل عوامل ذاتية داخلية، بل جاء أولا كنتيجة عرضية لحاجة الشركات العالمية المتعددة الجنسية، وجلّها أميركي المنشأ، إلى تحسين مردودتيها من خلال نقل المصانع والإنتاج إلى الصين.

فالصين استغلت هذا الوضع للشروع بنهج استفادة أو استعارة أو حتى سرقة للتقنيات الواردة إليها. وهي إذ تمكنت من الاستحواذ على قدر، ومن ابتكار قدر آخر، وبوتيرة مرتفعة وظاهرة في الحالتين، فإنها تبقى على مسافة بعيدة جدا من بلوغ التكامل التقني المعرفي المتحقق في الولايات المتحدة بشكل خاص، وفي ألمانيا وبعض الدول الأوروبية الأخرى بقدر أقل، بل هي لا تزال بعيدة في هذا الصدد عن محاكاة ما بلغه اليابان، فيما كوريا الجنوبية، والتي لا تتجاوز في المساحة وعدد السكان ناحية من نواحيها، تنافسها في الإبداع والتقدم.

بل ترى هذه القراءة أن الخط البياني المذهل لارتقاء الصين، على مستويات التنمية والدخل وتطوير البنية التحتية قد بلغ حدوده القصوى، وهو مرشح لا أن يتسطّح وحسب، بل أن يباشر بالهبوط لنفود العوامل التي ساهمت بإبراز صعوده، كأن يأتي النمو بعد عقود من التدمير البنيوي العائد إلى سياسات مركزية خاطئة، أو كأن يعتمد على توجيه قسري للطاقة المجتمعية إليه، من خلال سياسة الطفل الواحد مثلا، والتي تشكل في نهاية المطاف دينا اجتماعيا على الأجيال التالية أن تسدّده، مع تثاقل الأعباء على جيل الأبناء الأقل عددا بعد انضمام جيل الآباء إلى جيل الجدود في التقاعد.

ثم أن الصين، كقوة عظمى صاعدة، سبق أن اختارت الخروج عن محيطها المباشر في العقد الماضي في مسعاها إلى بسط حضورها في أفريقيا على وجه الخصوص، وثمة من اعتبر أن ذاك الإقدام هو التحقيق الملموس لانتهاء حالة القطب الأوحد والعودة إلى ثنائية قطبية، أميركية ـ صينية، على أقل تقدير. وقد نجحت الصين فعلا بدخول الأسواق الأفريقية على مستوياتها المختلفة.

جفاف مجرى أحد روافد نهر يانغتسي الذي يعد أكبر أنهار الصين

​​ولكن بعد عقد ونيّف على هذا المجهود، لا يبدو الواقع مكافئا للوعد، بل إن صورة الصين في أكثر من حالة قد تعرّضت للتردي في أوجه عدة، منها مسايرتها للفساد دون وازع، واستقدام شركاتها للعدة والعتاد وأعداد العاملين من الصين نفسها، ما يقلل من إمكانية رشوح الفوائد الاقتصادية الجانبية إلى المجتمعات الحاضنة، وكذلك في حالات مشهودة لانخفاض جودة المشاريع البنيوية وعدم مناسبتها للمكان.

على أن خيبة الأمل لأصحاب القول بثنائية قطبية تجسدت بامتناع الصين، طوعا أو قسرا، وإلى الآن، عن ترجمة حضورها الاقتصادي في أفريقيا إلى نفوذ سياسي. بل تبقى القارة الأفريقية، فعليا، نطاقا واسعا تحت مظلة الولايات المتحدة السياسية والأمنية، تتصدى فيه للتحديات المحلية والمستوردة، مع قدر من الاعتماد على فرنسا في مستعمراتها السابقة.

وإذا كانت الصين غير راغبة أو غير قادرة على تحدي نفوذ الولايات المتحدة وشركائها في المناطق البعيدة، فإنها دون شك متحفزة لتأكيد سلطتها وهيبتها على ما تعتبره حقا لها، ابتداء بتايوان، المحافظة المنشقة، وانتهاء بالمجال البحري الواسع بجوارها.

غير أن اندفاعها هذا بعيد عن النجاح، بل قد أنتج وحسب استفزاز الدول المجاورة ودفعها إلى التمسك بعلاقاتها مع واشنطن تحديدا، ما ساهم بتعزيز الطوق المادي والسياسي الذي تقوده الولايات المتحدة لاعتراض المسعى الصيني إلى التوسع.

فمن اليابان إلى مجموعة الآسيان لدول الجنوب الشرقي الآسيوي وصولا إلى الهند، نجحت واشنطن بصد تقدّم الصين جنوبا وشرقا ليقتصر على دول مأزومة، بورما وباكستان مثلا. وللصين أن تسعى إلى التواصل مع روسيا طبعا مع القناعة الأميركية بأن هذه وتلك على تناقض في المصالح وتنافس في الرؤى.

وإلى جانب التجربة الأفريقية، بما طالها من تنفيس، تقدم الصين على تجربة موازية في أوروبا، تحاكي مساعي الدول الخليجية، ذات الصناديق السيادية المماثلة بأرصدتها لما في متناول الصين بل المتجاوزة لها، في اقتناء الأملاك والمصالح والشركات والمرافق في مختلف الدول الأوروبية، بما يؤسس لحالة جديدة من التداخل الاقتصادي، حيث الصين هي المموّل والمنتج والمستثمر. على أن الضوابط في هذه الدول، كما الوعي السياسي الناتج عن المعارضة السابقة للعولمة، من شأنها كبح هذه العلاقة، والتي تبدو للوهلة الأولى مشابهة لما كانت قد أرسته الولايات المتحدة في أوروبا قبل عقود.

الصين بحاجة إلى تبدل في المنهج والرؤى، في الداخل والخارج، قبل أن يتحول الوعد بأن المستقبل صيني إلى واقع

​​أما في الساحة التي تسعى الولايات المتحدة إلى الخروج منها، منذ الإفراط بالتورط في العراق عام 2003، أي الشرق الأوسط، فلا تبدو الصين على استعداد لخوض غمارها. بل إن العلاقات الثنائية المتوازية والتي أقامتها الصين مع قوى متناقضة في هذه المنطقة، من إيران إلى إسرائيل مرورا ببعض الدول العربية، عرضة لأن تتضرر في حال الارتقاء إلى سياسة شاملة إزائها.

ولكن، فيما الصين تستعرض إمكانيات بسط نفوذها في الخارج، فإن داخلها ليس مطمئنا، إذ تحتدّ فيه التجاذبات الأفقية والعامودية على حد سواء، من التفاوت في الاستفادة من التحولات الاقتصادية وانتشار الفساد على مستويات عدة، إلى النزعات الانفصالية، في التيبت كما لدى الأويغور، مع اعتماد سياسات قمعية تزيد المسائل تعقيدا.

وفي حين أن السلطات المركزية تعمل على تعزيز الروح الوطنية، من خلال الافتراض المجانب للمعطيات الوقائعية حول أحادية قومية الهان المتجاوزة للمليار نسمة، فإن القمع بحق التوجهات الدينية المعادية للحكم أو المخالفة لتوجهاته، ولا سيما فالون دافا ذات الطابع الآخروي، تكشف عن خطوط انكسار محتملة.

اقرأ للكاتب أيضا: إلهان عمر بين معارضة السياسة الإسرائيلية والعداء لليهود

اعتمد الرئيس الأميركي دونالد ترامب التوجهات الصقورية، والتي كان أسلافه قد سعوا إلى إيجاد البدائل عنها، للتصدي لتجاوز الصين لاعتبارات الملكية الفكرية ولشروعها باستيلاء ممنهج على الخبرات الأميركية، ضمن باقة واسعة من التجاوزات.

التأزمات المتراكمة والتي تبدو الصين سائرة باتجاهها ليست ناتجة عن سياسات ترامب، وإن كان من المناسب تحميله المسؤولية، بما يناسب في واقع الأمر الحاجات الشعبوية للجميع. على أن الأقرب للواقع هو أن ما يعترض نهوض الصين، والذي من شأنه أن يجعل العالم يرتعد، هو الاعتلال الذاتي وليس الكبح الخارجي. قد لا يحتاج هذا النهوض قرنين إضافيين لكي يتحقق، على أنه يبدو جليا أن الصين بحاجة إلى تبدل في المنهج والرؤى، في الداخل والخارج، قبل أن يتحول الوعد بأن المستقبل صيني إلى واقع.

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

المغرب
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!