سعوديات تتابعن الكسوف الخزئي للشمس في مدينة جدة
سعوديات تتابعن الكسوف الخزئي للشمس في مدينة جدة

محمد المحمود/

تحظى الظاهرة العلمية اليوم بشواهد تعزز حضورها في أي مجتمع؛ مهما كان مجافيا ـ في بنيته الذهنية العامة ـ للعلم؛ إذ لتمظهرات العلم في هذا العصر الذي تعولمت حضارته/ حضارة العلم قدرة هائلة على اجتياح الفضاءات المجتمعية كافة، بما في ذلك المجتمعات التي تنحاز ثقافتها السائدة للرؤى التقليدية الموروثة عن الأسلاف، الرؤى المصادمة لبديهيات التصورات العلمية الثابتة بدرجة اليقين.

لكن، يبقى أن وجود مثل هذه الشواهد وتنوعها ليس هو الذي يفصل في حال المجتمع: هل هو مجتمع منحاز ـ بنسقه الثقافي السائد ـ للعلم وشروطه، أم هو مجتمع على الضد من ذلك؛ منحاز ـ بنسقه الثقافي السائد ـ لموروثه المكتنز بالتصورات اللاعلمية؛ إلى درجة أن قبوله لمقولات العلم لا يَتَأتى إلا اضطرارا، وعلى قنطرة "الشفاعة اللاعلمية للعلم"، أي ذلك القبول الذي يتم بعقد نوع من التوافق ـ ولو بالتلفيق الصريح ـ بين مقولات العلم ومقولات التراث للخروج من المأزق؛ مأزق التراث أو مأزق العلم!

العلم الحديث في اللاّوعي العربي/ الإسلامي محكوم بنفور خفي

​​سواء في أوروبا؛ قبل تحقيق العلم لانتصاراته الكبرى ابتداء من الثورة الكوبرنيكية، أو في العالم العربي/ العالم الإسلامي الذي تتمدد عصوره الوسطى في حاضره، فالعلم لم يحظ بالتقدير الذي يضعه في موضع المرجعية النهائية (على الأقل في سياقاته الجزئية/ التفصيلية) بمجرد أن أعلن عن نفسه وقدم براهينه. فالممانعة التقليدية التي أشعلت نياران صدامات دامية في أوروبا، وانتهت بانتصار العلم على الرؤى التقليدية الموروثة/ اللاعلمية، وإعلان هيمنته الكاملة، هي ذات الممانعة التي يُجَابَه بها العلم اليوم في عالمنا العربي الذي لا تزال الرؤى التقليدية فيه تتسيد أنساق البنى الذهنية الكُليّة؛ على الرغم من أن الواقع العيني/ الوقائع الاستهلاكية يبدو مشدودا إلى مخرجات العلم، بل ومرتهنا بها، حتى وإن كان ذلك لا يتجاوز نطاق واقعة الاستهلاك.

لقد أدرك رواد النهضة العربية الحديثة على امتداد القرنين السابقين أن التمكين للعلم لن يكون سهلا في مجتمعات عربية محكومة بتصورات ذهنية تقليدية منقوعة بماء القداسة. لقد توقعوا الممانعة، واستعدوا للنضال من أجل الإقناع، غير أنهم لم يكونوا مستعدين لخوض معركة صدامية شاملة وفاصلة لصالح العلم، معركة لا بد أن تبدأ من عمق التراث؛ لتصل إلى نقطة الافتراق في اللحظة الراهنة. لهذا بقيت الأطروحة النهضوية الممثلة لخطاب العلم متوارية لا تستطيع الإعلان عن نفسها صراحة إلا فيما ندر، بقيت متلفعة برداء الخفر؛ تبحث لنفسها عن مقعد متواضع في مسرح الحدث الثقافي/ الاجتماعي الذي يتمفصل على إيقاعه مستقبل المجتمعات؛ دون أن ترتفع بها هِمّتُها لتكون صانعة الحدث الثقافي، ومن ورائه تصنع بقية الأحداث.

هذا التردد في خوض المعركة الحاسمة: معركة العلم مع الموروث اللاعلمي المهيمن، لا يعود فقط لكونها ستصبح بالضرورة حربا ضروسا واسعة النطاق، وطويلة الأمد، وبالتالي، مكلفة على أكثر من صعيد، وإنما ـ أيضا ـ لأن الرواد النهضويين الأوائل لم يكونوا كأسلافهم الأوروبيين متشبعين بالتصورات العلمية في عمقها الفلسفي من ناحية، وفي مسارها التاريخي ـ السابق واللاحق ـ من ناحية أخرى.

هذا أمر، وثمة آخر، يتعلق بالمُضْمَرات اللاواعية التي حكمت آلية تلقي الظاهرة العلمية، إذ العلم في أوروبا ـ حتى بالنسبة لمعارضيه/ محاربيه زمن النهضة ـ هو ابن بيئته/ بيئتهم، إن انتصروا عليه؛ فهذا ما يأملون، وإن انتصر عليهم جزئيا أو كليا؛ فهو ابن بيئتهم، وربيب أحضانهم، وثمرة أشجارهم، وبمجده ـ إن تحقق ـ سيفتخرون.

بينما هو/ العلم الحديث في اللاّوعي العربي/ الإسلامي التقليدي محكوم بنفور خفي، إذ هو يُمثّل "الآخر" الغازي في مقابل "الأنا" المحتمية بموروثاتها، إنه غريب؛ حتى وإن بدا جميلا ومحبوبا، إنه الابن الشرعي للآخرين، إنه سليل الأعداء، إنه مجد الخصوم الألداء، إنه مانح القوة للغزاة المعتدين!

وفي ظل عجز الأنـا/ العرب عن الدخول في مضمار العلم بسياقاته الراهنة، فإن غربة العلم تبقى على مستوى المضمر الثقافي الذي ينبعث بين الحين والآخر لهذه المناسبة أو تلك المناسبة. ثمة شعور كامن يتمثّل العلم بوصفه تحديّا للأنـا، لا من حيث هو يتحدى مصداقية موروثها فحسب، وإنما من حيث هو يعكس حضور مجد الآخر في فضاءات الأنا الخاصة أيضا. وبهذا يبدو الاعتراف بالعلم ومنجزاته وترفيعه إلى درجة المرجعية العليا/ المرجعية الحاكمة، وكأنه استسلام للآخر (المُتَمَثَّل بوصفه: المصدر الشرعي لهذا العلم) وانقياد له، واعتراف طوعي بانتصاراته، بل واستعداد ذاتي للسماح له بجني ثمرات هذه الانتصارات، بحيث تكون الأنـا تابعة/ منقادة، والآخر في حكم القائد المتبوع. في حين أن التمرد على العلم، والمشاغبة عليه، والتنكّر لمنجزاته، يبدو ـ على نحو غير واعٍ ـ وكأنه نضال ضد الآخر، وكأنه صمود ومقاومة وممانعة ضد إعلان الاستسلام!

الإصرار على رفض حقائق العلم نابع من موقف سلبي من العلم، أكثر مما هو موقف منحاز للموروث

​​على أي حال، لا أحد يعلن صراحة أنه ضد العلم من حيث هو علم؛ لأن من يفعل ذلك يخسر في كل الأحوال. الحرب على العلم قد تجري بالانحياز صراحة إلى الخرافة، وقد تجري بلسان العلم، وقد يتمترس أعداء العلم خلف المقدس الذي تحتفظ له الذهنية الجماهيرية بحصانة من نوع ما، فهي إن لم تَرفض به/ بالمقدس حقائق العلم، فعلى الأقل، تحاول تحويرها وتأطيرها ظرفيا، أو حتى تأويلها بما يؤكد مصداقية الأثر المقدس، وليس تأويل المقدس بما يؤكدها.

قبل شهر تقريبا، تجرأت باحثة تعمل في أحد أهم مراكز البحوث العلمية وأنكرت أن يكون لـ"ماء زمزم" دور إيجابي في علاج حالات السرطان. ومع أنها تحدثت بلسان العلم، وبمنطق البحوث العلمية المعتبرة عالميا، إلا أن الذهنية السائدة رأت في هذا التصريح اعتداء صريحا على الموروث؛ فهاجمت الباحثة، بل ودعا بعض المتطرفين إلى عقابها.

ومن قبل ذلك، ثار التقليديون الأثريون على من أنكر أن تكون "أبوال الإبل" علاجا للأمراض الكثيرة التي يذكرونها في تطببهم التراثي، وقرّر بعض المتحمسين للمرويات بهذا الشأن أن من ينكر فوائد "أبوال الإبل" فهو على خطر الكفر بالخروج كُليّة من ملة الإسلام.

هكذا يبدو أن الأزمة تتضاعف، فليست المشكلة هنا فقط في الاستسلام للموروث الأثري دون تمحيص وتدقيق، ولا هي في التوقف عند حقيقة أن مثل هذه المرويات الظنية لا تجد ما يعززها في القرآن (فلا وجود لأي ذكر لماء زمزم في القرآن مثلا)، وإنما المشكلة ترقى إلى ما هو أخطر، إلى القراءة الآلية السلبية للنص في حال ثبوتها قطعا.

فمثلا، القرآن كمصدر نصي قطعي الثبوت عندنا نحن المسلمين، يشير إلى "عسل النحل" بوصفه "شفاء". واليوم يقطع العلم بحقيقة الفوائد الكثيرة لعسل النحل. غير أن العسل ذاته قد يصبح ـ في بعض الحالات المرضية ـ مضرا، بل وقد يصبح خطرا.

وكذلك الأمر في بعض الأدوية المعتمدة من منظمة الصحة العالمية، فقد تكون مضرة في بعض الحالات، بل وقد تكون قاتلة أحيانا. ولهذا، فالعلم هو المرجع هنا؛ لأنه هو الذي يمتلك التفاصيل وطرائق تنزيلها على الحالات، بينما النص التراثي ـ إن ثبت ـ هو حكم بالمجمل العام، فضلا عن كونه يتحدث في سياق/ ظرف تاريخي له شروطه الخاصة التي يُصرّ التقليديون على تجاهلها تماما.

ومع هذا يبقى السؤال: إذا كان الأمر كذلك، فلماذا تصر الجماهير في المجتمعات التقليدية على رفض حقائق العلم؛ مهما كانت ثابتة وقطعية ويقينية، وفي الوقت نفسه القبول بالمروي التراثي؛ مهما كان ظنيا في ثبوته أو دلالته أو فيهما كليهما؟

لا شك أن هذا الإصرار نابع من موقف مسبق/ موقف سلبي من العلم، أكثر مما هو موقف منحاز للموروث. فإذا كان اللاوعي يتمثل انتصارات العلم/ معجزات العلم بوصفها انتصارا للآخر على الأنا، فليس أمام الأنا إلا الانكفاء على خصوصياتها والاحتماء بها من غزو العلم/ غزو الآخر.

ولا شك أن هذا هو ما قاد إلى التعصب الأعمى للتراث؛ لأن أكثر خصوصيات الذات خصوصية هي مروياتها التراثية التي لا تحفظ لها سلامة البناء القدسي بأكمله فحسب، وإنما تمنحها الشعور الوهمي ـ ولكنه الجميل! ـ بالتفوق على الآخر ولو في جزئيات ضئيلة ومحدودة، حيث تبدو بإزائه وكأنها تحتفظ بـ"سر ما وراء علمي" يعجز العلم الحديث/ العالم الآخر عن إدراكه رغم كل إمكانياته التي يتبجح بها، بينما هي تعرفه حق المعرفة منذ أربعة عشر قرنا.

الحرب على العلم قد تجري بالانحياز صراحة إلى الخرافة، وقد تجري بلسان العلم

​​إن الذهنية التقليدية التي تعادي العلم صراحة أو ضمنا، لا تبحث عن القيمة الإيجابية في الأثر الذي تحارب به العلم، بقدر ما تبحث لها عن موطئ قدم للصمود أمام الغزو المتخيل/ اقتحام الآخر لعوالم الذات. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فهي رهينة الوعي العجائبي/ وعي المعجزة/ وعي الخوارق. فالعلم من حيث هو متتاليات مُسَبّبة، وبالتالي، واضحة، ومفهومة، ومتوقعة على نحو قطعي، لا يرضي أشواقها التواقة للغرائبي والمدهش، الذي يتضمن منطقه وعدا ـ ولو احتماليا ـ بإمكانية أن تنتقل من حالها/ أسفل درجات التخلف، إلى حال آخر/ أعلى درجات التفوق (وبالذات، التفوق على خصمها التاريخي)؛ في طرفة عين، ودونما أي جهد ذاتي، إلا جهد التلقي السلبي للمعجزة التي تتحقق لها بفضل الاصطفاء الأزلي.

بناء على هذا، يتضح أن تحرير العلم من موضعه: كمتهم/ كعدو مضمر، كتحد يتطلب جهدا فوق الطاقة، كمؤشر لانتصارات الآخر على الأنا، كمهدد، يجب أن يبدأ من نقد "المعجزة" المتضمنة في المرويات التي يراد لها أن تتحدى العلم بالخروج على منطقه. ويتأكد هذا النقد، ويكون مجال تحققه/ نجاحه أوسع؛ عندما ندرك أن الطريق إليه في الإسلام مفتوح بحكم الإسلام المتعالي على التاريخ، أي بحكم أن النص المؤسس/ القرآن يخلو من أية معجزة حسية منسوبة لنبي الإسلام، بل إن القرآن ينص على نفيها، كما في الآية 59 من سورة الإسراء: {وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآَيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ}، ومع هذا تزخر كتب التراث على اختلاف ميادينها بالمعجزات التي أسست للعقل المستقيل.

اقرأ للكاتب أيضا: التفكير الخرافي في العالم الإسلامي

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

المفتي الجعفري الممتاز، الشيخ أحمد قبلان
المفتي الجعفري الممتاز الشيخ أحمد قبلان (المصدر: صفحته على موقع فيسبوك) | Source: Facebook

الزمن اللبناني اليوم هو زمن سعي لتأمين لقمة العيش، ولضمان أن الدخل، المتضائل مع انهيار العملة وتفشي البطالة، سوف يبقى كافيا لسد الحاجات. بل هو زمن الوقاية من وباء لا يبدو أنه قال كلمته الأخيرة، وزمن العودة إلى لحظة ثورة طالبت بمحاسبة طبقة حاكمة أوغلت بالنهب إلى حد الفجور. قد لا يبدو أن ثمة مكان وسط هذه الانشغالات لأن يستدعى الاختلاف العقائدي ولكي يبرز القلق حول الهوية. بل قد يصدق من يرتاب بأن هذا الاستدعاء هو وسيلة لحرف الموضوع والعودة إلى مواجهات قائمة على الاصطفاف العمودي، الطائفي، على حساب التواصلات الأفقية المصلحية التي أثبتت الثورة أهميتها.

غير أن جراح لبنان التي لم تندمل عديدة، ومن شأن هذه الاستدعاءات نكؤها. ولا يجوز بالتالي إهمالها، سواء كانت متعمدة أو جاءت عن غير قصد.

"ونؤكد أن أصل نشأة لبنان تم على أساس طائفي واستبدادي، بوظيفة خدمة المشروع الاستعماري والاحتكاري، وهذه الصيغة قد انتهت، وما قام به بشارة الخوري ورياض الصلح لم يعد يصلح لدولة إنسان ومواطن، بل أيضا مرحلة وانتهت. وعليه، نصر وبكل صرخة مدوية، أننا ولحماية البلد وكسر الوثنية السياسية، ولإنقاذ لبنان، وتأكيد العيش المشترك، والسلم الأهلي فيه، مطالبون بإسقاط الصيغة الطائفية لصالح دولة مواطن، دولة لا طائفية، دولة إنسان، دولة بقانون يلحظ المواطن بما هو مواطن، إلا ما خص شؤونه الشخصية، فكفانا ترقيعا بهذا البلد، لأن البلد سقط، سقط لأن دستوره فاسد، وآلية الحكم فيه فاسدة، وطائفيته فاسدة، ومشروعه السياسي فاسد، وتسوياته المختلفة فاسدة".

كلام صادر عن المفتي الجعفري الممتاز، الشيخ أحمد قبلان، صبيحة عيد الفطر.

تفاوتت التعليقات. البعض وصف الكلام بالجريء والضروري، ورأى فيه تعبيرا عن دعوة صريحة إلى قيام دولة المواطنة. البعض الآخر سعى إلى استبيان ما يبطنه الخطاب من رسائل يبعث بها "حزب الله" عبر المفتي إلى جهات سياسية فاعلة، منها الخصم ومنها الحليف.

لم يعد جائزا إخلاء الساحة للطرح الطاعن بنشأة لبنان، على مسافة أشهر قليلة من مئوية إعلان قيامه

بل كلمة المفتي، إذا أخذت على ظاهرها، يمكن أن يُستشفّ فيها دعوة إلى كسر القيد المفروض على اللبنانيين كافة، الشيعة كما غيرهم، والذي يحصر تمثيلهم بطبقة سياسية متماهية مع مصالح نخبة اقتصادية، في خضمّ الأزمات الكوارثية التي تعصف بلبنان، نقدية مالية اقتصادية، وصحية، وسياسية.

مهما كان الدافع، من شأن موقف المفتي قبلان أن يدرج في إطار التجاذب الحاصل نتيجة لعمق الورطة التي يعيشها لبنان، وانزلاقه دون ضوابط نحو الهاوية. ربما انضوى كلام المفتي على بعض الإنفعال، ولكنه لا يبلغ قدر الألم. وفيه دعوة لمراجعات، يريدها المفتي في العمق، ويؤيده فيها جمهور واسع، كما يتبين من وفرة التعليقات على مواقع التواصل.

سيّان. ثمة جانبان يستحقان التوقف عندهما.

الأول هو أنه حتى إذا جرى تجاوز الشكل هنا، في أن يكون صاحب هذه الدعوة إلى إسقاط الطائفية رجل دين لا يرى حرجا بأن طائفته قد أمسك زمامها بنيان طائفي مسلح خاضع لقرار خارجي، فإن الاستثناء الذي يدخله المفتي في صلب دعوته إلى دولة المواطن ـ في قوله "إلا ما خصّ شؤونه الشخصية" ـ من شأنه أن يمسي مسمار جحا الذي قد يفسد الدعوة، بل قد يبطلها.

(يروى أن جحا باع منزله بسعر بخيس، مشترطا على المشتري أنه يحتفظ بملكية مسمار في أحد جدرانه. رضي الرجل، ليفاجأ في الأيام التالية بأن جحا يواظب القدوم إلى المنزل ليتفقد المسمار وليمضي ساعات الليل الطويلة بجواره).

ليس من التجاوز أن يُفهم أن المقصود بـ "الشؤون الشخصية" هو أن المفتي، ومعه جميع المرجعيات الدينية في لبنان، يرفض التنازل عن حصرية الإمساك بشؤون الزواج والطلاق والوصاية والإرث والأوقاف وغيرها لمن يجري تصنيفه ضمن طائفته من المواطنين. "دولة مواطن وإنسان"، كي تكون فاعلة وصادقة، تقتضي لكافة المواطنين، رجالا نساءً، وبغضّ النظر عن أديانهم وقناعاتهم وأصولهم الطائفية، المساواة في إمكانية الاستعانة بالمرجعيات الدينية لأحوالهم الشخصية، إذا شاؤوا ذلك، أو في الركون إلى إطار تشريعي وطني جامع. ما لا يستقيم هو الاعتراض على "فدرالية الطوائف" مع الاصرار على فرض نظم قسرية مختلفة على أصناف المواطنين على أساس طائفي.

في زمن غابر، سبعينيات الحرب الأهلية، كانت دعوة "الحركة الوطنية"، رغم غلبة التوجهات اليسارية والتقدمية عليها، تنصّ على "إلغاء الطائفية السياسية". لمَ لم يكن المطلب إلغاء الطائفية إطلاقا أو الدعوة الصريحة إلى العلمانية، لا سيما وأن الحوار الفكري في لبنان منذ الخمسينيات كان ناشطا لإنشاء "طائفة حق عام" إضافية جامعة، لا تمنع استمرار تولي الهيئات الطائفية للأحوال الشخصية ولكنها تقدّم للمواطن خيارا غير طائفي؟ الجواب، دون تحفظ هو مراعاة لحساسية المؤسسات الدينية الإسلامية، وهي القادرة على تعبئة جمهورها واستنزاف تأييده للحركة الوطنية.

لجيل ثورة 17 تشرين، وبالتأكيد لما سوف يليه من أجيال، أن يضع الأسس الصادقة لدولة المواطنة

أي أن المطلوب، في ذاك الزمن، كما هو اليوم، هو إزالة ما لا يناسب هذه المؤسسات، أو من يدعمها، من قيود طائفية، وتحديدا المناصفة التي تخصّص المسيحيين بمواقع تنفيذية رئيسية، مع الاحتفاظ بغيرها من القيود، الأحوال الشخصية على وجه الخصوص، والتي تضمن سلامة المواقع الطائفية الإسلامية.

"الحركة الوطنية"، بشيوعييها واشتراكييها وقومييها، أوهمت نفسها في زمنها بأن مطلبها منطقي وتقدمي، فيما نتيجته التلقائية كانت لتكون الإخلال بتوازن طائفي لصالح طرف وعلى حساب طرف. ومثلها اليوم ربما المفتي قبلان وغيره من الداعين صراحة إلى الانتهاء من المناصفة، لصالح مثالثة أو غيرها، أو إلى الإطاحة بالطائفية مع بعض الاستثناء.

الحقيقة الجلية هي أن مطلب "إلغاء الطائفية السياسية"، أو أي مطلب إلغاء منقوص للطائفية، هو مطلب طائفي محض، وإن كان الداعي إليه غافلا عن طائفيته. فإما أن يكون تفكيك البنية الطائفية بالكامل، بالتوافق الوطني وبشكل تدرجي لتحقيق ما أصر عليه الراحل الكبير، بطريرك لبنان أجمع، مار نصر الله بطرس صفير، من "إزالة الطائفية من النفوس قبل إزالتها من النصوص"، أو أن تبقى الضمانات الطائفية على حالها صونا للسلم الأهلي.

لجيل ثورة 17 تشرين، وبالتأكيد لما سوف يليه من أجيال، أن يضع الأسس الصادقة لدولة المواطنة. ليت جيل "إلغاء الطائفية السياسية" يعمد وحسب إلى مراجعة ذاتية لإدراك مقدار الأذى الذي تسبب به حتى في السعي إلى الإصلاح، صادقا أو زاعما.

على أنه في كلام المفتي قبلان صدى آخر من أصداء زمن "الحركة الوطنية" أكثر إضرارا بلبنان كمجتمع متكامل، كهوية ممكنة، وكوطن ثابت.

هو هذا الهباء المتواتر حول نشأة لبنان "على أساس طائفي واستبدادي، بوظيفة خدمة المشروع الاستعماري والاحتكاري".

هل كان من الصعب على الحلفاء المنتصرين على الدولة العثمانية، وتحديدا فرنسا التي أظهرت بطشها قليلا في الشام وكثيرا في الجزائر، ترحيل المسلمين من جوار جبل لبنان واستبدالهم بتوطين المنهكين المشردين من المسيحيين الناجين من المقاتل والمجازر، لا سيما وأن بعض قادة هذه الدول دخلوا المشرق يستذكرون حروب أجدادهم الصليبية؟

ليت جيل "إلغاء الطائفية السياسية" يعمد وحسب إلى مراجعة ذاتية لإدراك مقدار الأذى الذي تسبب به حتى في السعي إلى الإصلاح، صادقا أو زاعما

لم يفعلوا، لأنه كان ثمة لحظة تأسيسية مختلفة للبنان، مرتبكة دون شك، وبدوافع بعضها ناضج وبعضها ساذج. غير أن بطريرك لبنان الكبير الأول، مار إلياس بطرس الحويك، رضي بمقولة أن يكون لبنان وطنا لمواطنيه، ليس ترفعا عن مصلحة رعيته، بل في استشفاف محمود لحقيقة هذه المصلحة. لبنان المسيحي محتوم بأن يكون بصراع مزمن مع جواره، وإلى زوال. لبنان، حيث للمسيحيين حضور بارز، مؤهل بأن يكون منارة لجواره، وإلى بقاء.

المقاربة ليست سرا ولا هي لخدمة "المشروع الاستعماري"، بل هي قراءة موضوعية قائمة على منطق أنه من الممكن أي يكون الجميع كاسبا.

ثم أن هذا الحل في إيجاد الموقع الوسط، وهذا الموقف الذي أرسى لبنان على شفير، ليس جديدا على تاريخه. الكلام هنا ليس عن لبنان من الناقورة إلى النهر الكبير، بل عن حقيقة أن هذا الساحل عند الشاطئ الشرقي للبحر الأبيض المتوسط، ومعه الجبل ومن ثم السهل الذي يليه، كان على مدار الزمن، منذ ألفيات ضاربة في عمق التواريخ، مشطوبة من ذاكرة أهله وجديرة بأن يعاد اعتبارها، حلقة وصل بين عالمي البحر والبر، منفتح شرقا وبرا على البادية إلى أقاصي جزيرة العرب، ومنفتح غربا وبحرا على مصر واليونان والروم والفرنج والطليان والأمم التي تعاقبت تجارة وسلطانا.

أهل هذا الشريط، بأمسهم كما في حاضرهم، يشبهون هؤلاء وأولئك، وتزيد من أوجه الشبه مقومات الدين واللغة والوعي. ولكن هذه متعددة ومتداخلة، يستحيل اختزالها أو إلزامها بما ليست عليه من التجانس. لبنان "ذو وجه عربي" وفق المقولة التي ارتضاها بشارة الخوري ورياض الصلح، والتي يطعن بها سماحة المفتي. كم هي صادقة هذه المقولة، وكم هو معتل زعم الطائف بأن لبنان "عربي الهوية والانتماء".

العلة في هذا الزعم أنه استدراكي استلحاقي خارج عن زمنه. فمع التبدل بمفهوم الهوية العربية في الثمانينيات والتسعينيات، أمسى يفترض بلبنان أن يشهر أخوته لـ "جزر القمر"، والتي لا يعلم معظم اللبنانيين أين تقع ومن يسكنها، إذ هو وهي من "الأشقاء العرب"، فيما عليه أن يتظاهر وكأنه لا وجود للقواسم العديدة المشتركة مع قبرص ومالطا، مثلا لا حصرا إذ هي جزر أخرى إنما يعرفها ويرتادها ويتماهى معها اللبنانيون بمعاشها وحتى بلغاتها.

ليس في هذا الطرح تبرؤ من "العروبة" أو تخلٍ عنها. فلو أن العروبة قابلة للكمية، فإن "كمّ" العروبة هنا في لبنان، على صغر مساحته وقلة عدد سكانه، يضاهي ما في الدول العربية الكبيرة، ويشهد على ذلك دور اللبنانيين، بهذه الصفة أو قبلها، في توضيح اللغة العربية المعاصرة وجمعها وتعميمها، ثم في إثراء المكتبة العربية بالشعر والنثر، وصولا إلى النتاج الفني الحالي.

للبنان أن يراجع ما حقّقه وما عجز عن تحقيقه خلال القرن الماضي، استعدادا لمئوية أخرى تهددها، عن قصد أو غير قصد، القراءة المسقطة للخير الكثير في تاريخ هذا الوطن الصغير

على أن هذا الشريط عند شرقي المتوسط، ولبنان وريثه المتوحد أو يكاد أن يكون، بعد أن أزال الاحتلال دور فلسطين، واعترضت العقائديات ترقي إسرائيل إلى هذا المقام، وبعد أن حدّ الطغيان من دور سوريا، لا يبتدئ تاريخه مع الفتح العربي ولا يتوقف عنده.

أي أنه للبنان من "العروبة" ما لغيره، ثم أن له، بالإضافة إليها، الكثير غيرها. لبنان ذو وجه عربي، وهو غالبا وجهه الأول يوم يكون طوعيا وإراديا وتعدديا غير نافٍ للثروة الحضارية الكامنة بالتجربة اللبنانية، فيما هو وجه مرفوض حين يسعى البعض إلى زعم حصريته، وإلى اختصاره بأشكال معيارية تعسفية.

صيغة الطائف لم تأتِ لتثبت عروبة لبنان، بل جاءت لتزيد من التكاذب بشأنها، ولتهدد الوجه العربي للبنان بأن تجعله منفّرا، وصولا إلى أسف في بعض الأوساط إلى أن لبنان لم ينشأ كما يتخيله المفتي قبلان، وطنا مسيحيا تابعا للغرب.

المسألة هنا هي التوصل إلى صيغة مستدامة للعيش المطمئن وليست صراعا حضاريا متوهما بين الإسلام والمسيحية. وخطوط التماس تقطع كل منهما وإن على تفاوت. والقضية لم تكن يوما "شرق وغرب، رجولة وأنوثة"، ولا لقاءا تاريخيا مبدلا للاعتبارات، لا مع نابليون والجبرتي، ولا مع اللنبي وصلاح الدين وغورو، ولا صراع حضارات. بل هي حالة تداخل وتفاعل، سلسة يوما، متوعرة أياما. أما الصدام في الرؤى والقلق في التصور فيبدو بالدرجة الأولى من اختصاص أهل البر من الجانبين. دمشق وبغداد، لا بيروت، القاهرة لا الإسكندرية، هنا، وباريس ولندن، لا البندقية وجنوى وغيرهما من المدن الإيطالية هنالك.

كل هذه القراءات قابلة للنقاش. على أنه لم يعد جائزا إخلاء الساحة للطرح الطاعن بنشأة لبنان، على مسافة أشهر قليلة من مئوية إعلان قيامه. للبنان أن يراجع ما حقّقه وما عجز عن تحقيقه خلال القرن الماضي، استعدادا لمئوية أخرى تهددها، عن قصد أو غير قصد، القراءة المسقطة للخير الكثير في تاريخ هذا الوطن الصغير.