حادث القطار في محطة رمسيس بالقاهرة مأساوي، وأسبابه المعلنة نوع من الفانتازيا التي تعكس الحالة الفانتازية التي تعيشها مصر حاليا
حادث القطار في محطة رمسيس بالقاهرة مأساوي، وأسبابه المعلنة نوع من الفانتازيا التي تعكس الحالة الفانتازية التي تعيشها مصر حاليا

مالك العثامنة/

طبعا كان حادث القطار في محطة رمسيس بالقاهرة مأساويا، وأسبابه المعلنة نوع من الفانتازيا التي تعكس الحالة الفانتازية التي تعيشها مصر حاليا.

قمة الفانتازيا والملهاة السوداء كانت في المقابلة التي أجراها بالغ التأنق في الإعلام المصري وائل الأبراشي مع سائق الجرار ـ القطار الذي تسبب بالحادث، والذي كان حضوره بعفويته المفرطة تعكس حجم البؤس الكامن خلف حياة المصريين في قاع المجتمع.

السائق، واسمه علاء، كان بكامل بؤسه وغيابه عن الواقع أمام كامل عدة التشريح الممنهج لوائل الأبراشي، وقد بدأ الأبراشي مقدمته بديباجة التقطها كثير من الإعلام المصري الموجه تتعلق بإسقاطات غير منطقية ولا معقولة تربط حادثة القطار المصري بأحداث أيلول/سبتمبر الدامية في نيويورك عام 2001.

هناك جهل، لكنه يبدأ من رأس الهرم حتى قاعه، جهل بالواقع حد إنكاره

​​محاولة بائسة جدا في تحويل "سكة" القضية نحو تفسيرات اتهامية تحاول تعليق تراكمات الخيبة المصرية على مدار عقود طويلة نحو تيار الإخوان المسلمين، وهو التيار الذي لا أخفي خصومتي أنا شخصيا له، مثله مثل أي تيار ديني متطرف، ولا أشك للحظة أن هذا التيار حركة تخريبية لأي توجه ديمقراطي في العالم العربي، لكن لا يمكن أن أشك لحظة في أنه قد يصل إلى تخريب "عتلة" جرار قطار في محطة قديمة ليصنع حادثا مأساويا كحادث محطة رمسيس.

غياب دولة المؤسسات والقانون، وضع سائقا بائسا في قفص الاتهام وحده، لكن الأبراشي ظل يؤكد على توجيهات الرئيس عبدالفتاح السيسي بالمحاسبة! وهو السيسي ذاته الذي ظهر في فيديو سابق له في حوار مع وزير النقل المستقيل أخيرا، يعنفه على هدر الأموال العامة في صيانة السكك والقطارات، بينما الأجدى ـ حسب السيسي والفيديو ـ أن يتم "استثمارها" في البنوك؛ والاستثمار هنا حسب وصفه يكون بوضعها ودائع مربوطة بفوائد، والفيديو رغم تشكيك الإعلام المصري فيه وأنه تدليس وتضليل "إخواني" إلا أنه قريب من منطق قيادة وإدارة عبدالفتاح السيسي لمصر، مما يجعله قابلا للتصديق.

السائق البائس وبمخارج حروف غير مفهومة ومحاولات عبثية منه لمجاراة الأبراشي بالتحدث بكلمات "فصيحة" حاول أن يلخص واقع المشكلة كلها في مصر، ورغم مقاطعات الأبراشي الناعمة، إلا أن "علاء" استطاع تمرير لب المشكلة في مصر، وفيما قاله إنه إذا تقدم أحدهم من قاع الهرم بشكوى حول صيانة المركبات المتهالكة، فلا أحد بكل درجات الهرم وبالتراتب سيستمع للشكوى.

تلك قصة لا علاقة لتيار الإخوان فيها، وهذا تخريب عام في بنية الدولة المصرية الجميع متواطئ فيه، لا تيارات ولا أحزاب ولا توجهات ولا أجندات، هي حالة فساد بنيوي تتكرر في كل مرافق مصر "المحروسة" بلا استثناء، وحادث محطة رمسيس كان تجليا لها لا يمكن بأي حال إخفاؤه وتغطيته.

♦♦♦

مقابل منزلي في مدينتي البلجيكية، سكة حديد؛ ومرتين أسبوعيا وفي كل فصول السنة تمزق عتمة الليل أضواء فرق الصيانة الكاشفة لتضيء السكك الحديدية للعمال الذي يعملون حتى وقت متأخر، في صيانة ولحام الطريق الحديدي.

هؤلاء العمال يحصلون على أعلى الرواتب، وهم على تأهيل معرفي وعلمي رفيع في مجال تخصصهم، ولهم نقابات غير معنية بغير خدمة منتسبيها ومصالحهم.

ولو حصل حادث ـ وقد حصل قبل عامين تقريبا ـ فإن الضرر يكون بحده الأدنى لأن المختصين يحسبون حساب كل الاحتمالات بما فيها الأسوأ منها، والوزير أو المسؤول السياسي غير مطلوب منه الاستقالة في حال وجود تبرير منطقي في تدرج هرم المسؤولية، والأهم دوما هو سلامة البشر.

ففي دولة المؤسسات والقانون، المسؤولية في التقصير تتعلق بتلك المؤسسات حسب اختصاصها، والتراتبية الهرمية في مواقع المسؤولية أساسا لا تقبل المحسوبية ولا الواسطة، بل الكفاءة والخبرة فقط.

♦♦♦

الإعلام المصري الرسمي والموجه وجدها فرصة لتعليق الحدث على تصفيات سياسية مع التيار الإخواني، وفي حالة سائق من الشعب، خارج من واقع بؤس هذا الشعب الطيب والصابر، كان هناك شماعة جديدة عكست التمايز الطبقي الفادح في المجتمع المصري المعاصر، فتم اتهام الوعي الشعبي بالجهل، وربما يكون هذا صحيحا، لكن من أوصل الناس إلى هذه المراحل من الجهل والقهر ومراتب البؤس واللامبالاة؟

في المقابل...

كان الإعلام المضاد، الإخواني وفروعه الإقليمية، يصطاد في عكورة مياه المأساة، فالتقط الفرصة لتقريع النظام، وهو ذاته النظام الذي يحلم بالوصول إليه كسلطة استبدادية إقصائية ليس لديها برنامج حقيقي لإدارة الدولة ومرافقها.

هي حالة فساد بنيوي تتكرر في كل مرافق مصر "المحروسة" بلا استثناء

​​نعم، هناك جهل، لكنه يبدأ من رأس الهرم حتى قاعه، جهل بالواقع حد إنكاره، والتمادي في السلطة حد إنكار قيمة الحياة للبشر.

تلك مشكلة عربية عموما، لكنها وجدت في حادث مصر المأساوي الأخير انكشافا غير مسبوق، مما يستدعي ضرورة الثورة في الوعي، وهي ثورة عميقة وبطيئة لكنها مهمة للوصول إلى دولة مؤسسات.

وقتذاك، يتضح الفرق الشاسع بين التابعية لنظام، والمواطنة في دولة.

وحينها، لن تكون هناك "عتلة" قطار متهالك، ولا قطار متهالك أساسا، و"السكة" مفتوحة على المستقبل.

اقرأ للكاتب أيضا: شعب الوايناخ: بذور تحت كل شمس

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.