كشميري ينظر إلى آثار الدمار الذي طال قريته بعد المعارك بين القوات الهندية وميليشيات
كشميري ينظر إلى آثار الدمار الذي طال قريته بعد المعارك بين القوات الهندية وميليشيات

حسن منيمنة/

تجنبت كل من الهند وباكستان الانزلاق إلى حرب شاملة، وتمكنت كل منهما من حفظ ماء الوجه، وفق مقاييسها، بعد أن كادت الحوادث المتتالية، بدءا بالتفجير الانتحاري الذي أودى بقافلة المجندين في كشمير، أن تفجّر حربا جديدة بين الجارتين النوويتين، ولا سيما أن الاعتداء قد وقع فيما الهند تستعد لانتخابات عامة جديدة، وسيلة التعبئة الأولى فيها بالنسبة للحزب الحاكم هي النزعة الهوياتية التي تضع باكستان لا في موقع الخصم وحسب، بل في مقام النقيض الوجودي.

هي "الهندوتڤا"، أي الانتماء إلى الهوية الهندية الجوهرية والغالبة لأي اعتبار آخر. ليست هي دعوة وطنية أو قراءة قومية، بل هي تتجاوز هذه وتلك للإصرار على أحادية سبل الولاء للهند الواحدة، وعلى نبذ كل ما يتعدّى هذا الولاء. والهند هنا ليست وطنا وشعبا وحضارة كسائر الأوطان والشعوب والحضارات، بل هي أم الحضارات ومهد الإنسانية وغايتها، المعتدى عليها في تاريخها الطويل والغالبة في نهاية المطاف لا محالة، بالإرادة الإلهية وبالهمّة البشرية.

"الهندوتڤا"، إذن، شبيهة إلى حدّ التماثل بالتوجهات القطعية الإسلامية، فهذه وتلك تعتمد الاختزال والتسطيح في القراءات وتصل إلى الإكراه والعنف في التطبيقات، وترى نفسها دون غيرها صاحبة الحق المطلق.

لا تراكم حضاري من وجهة نظر "الهندوتڤا" بل اعتداء على الهند، بل اغتصاب لها، في المرحلة الإسلامية

​​يمكن تبسيط السجل الطويل للهند التاريخية، والتي تضمّ جوارها المباشر ولا سيما كل من باكستان وبنغلادش، على أنه تراكم لأربع مراحل حضارية رئيسية. أولى هذه المراحل ضاربة في غياهب التاريخ، شهدت العمران المتقدم على ضفاف الأنهر الرئيسية، وكانت على الراجح على قدر من التواصل مع مواقع التمدن الأولى في الخليج وصولا إلى بلاد الرافدين. وفي حين أن نقوش هذه المرحلة ونصوصها لا تزال عصية عن التفسير، فإنه إليها تعود أصول الرياضة الروحية (اليوغا) والتي لا تزال حاضرة في الهند ومنها إلى اليوم.

أما المرحلة الثانية، فهي قدوم الغزاة الرحّل، "الآريين"، من الشمال، وانتشارهم في بعض البلاد وفتوحاتهم لها، وإقامتهم لمنظومة اجتماعية دينية هرمية، قائمة على أعلوية طبقة الكهنة ("البراهمة")، وتراتبية الطبقات الأخرى وتبعيتها، من المحاربين وصولا إلى المنبوذين. ورغم نجاح بعض نخب المرحلة السابقة بالارتقاء إلى مقام الكهنة، فإنه كان لهذه التراتبية بعدا عرقيا يمكن تبين أصدائه إلى اليوم.

أما المرحلة الثالثة، فهي عصور الفتوحات الإسلامية وما تبعها من دول محلية وسلطانية، وصولا إلى دولة المُغل، والتي تشكّل خلالها مفهوم الهند كدولة جامعة. وقد وفّر الإسلام للعديد من الأوساط والشرائح والشعوب في الهند الوسيلة للخروج من التراتبية المحبِطة والمهينة. هذا كان حال شعب البنغال، والذي شكّل اعتناق الغالبية فيه للإسلام طوعا فعل تحدّ لتصنيفه المتدني وفق المنظومة الهرمية. غير أن الواقع الإسلامي مكّن كذلك بعض النخب من إعادة التموضع، من خلال الانتساب المبهم ابتداء والذي ازداد جلاء عبر القرون إلى الفئات الإسلامية المميزة، من الأشراف والفقهاء إلى سادة الطرق وأصحاب الكرامات. فبعد أن كان الحديث في الماضي عن هرمية راسخة مع الكهنة ثم المحاربين عند أعلاها وسائر أصناف الناس تحتهم، بقي مضمون التمييز في مواقع عدة مع انتقال الكلام إلى "أشراف" يعلون على "الأطراف" و"العلوج".

أما المرحلة الرابعة، فهي قدوم البريطانيين، واستعمارهم واستغلالهم للهند، ومزيجهم الملتبس فيها من الإصلاح والتنمية والتعليم، والتفرقة والطمس والتقسيم. وفي هذه المرحلة التي أدخلت مفاهيم الحداثة إلى عالم الهند، اتضحت الهويات.

يذكر هنا مثلا أن كلمة "هندو"، وهي استعمال مستحدث خلال الحقبة الإسلامية، لم تكن تشير إلى ديانة معيّنة، بل كانت تعني وحسب من هو خارج المعسكرات الحاكمة من أهل البلاد. أما من داخل هذه المعسكرات فيشار إليهم بـ "اُردو". وهذه الكلمة الأخيرة، وهي من أصل تركي يفيد الفصيل، لها شقيقة في العامية المشرقية "أُرطة" بمعنى العصابة أو الجماعة. فالإنسان الـ "هندو"، في العديد من الأحيان كان يتعبّد بعبادات تختلط فيها العبارات الإسلامية بغيرها ويتقرّب من المعابد والمقامات المحلية، حيث تمتزج الآلهة والأولياء، وإن حظي لفعله هذا بسخط كل من الفقهاء والبراهمة، إذ تبرّأ منه كلا الفريقين.

هذه الضوضاء الدينية لم ترُق للبريطانيين بإصرارهم الحداثي على التصنيف والوضوح، فكان سعيهم، بمحاكاة من النخب التي أدركت الجدوى، إلى فرز "الهندو" عن "المسلمين". فاتسع مفهوم دين البراهمة، النخبوي الأقلوي عن عمد، ليقبل بمن رذلهم بالأمس، واستقر مفهوم جديد للديانة "الهندوسية"، يشمل ما يقارب الثلثين من سكان البلاد.

يريد أصحاب "الهندوتڤا" لها أن يكون طرحهم التعبير عن أصالة الهند. من حيث المضمون الحضاري، تتجاهل "الهندوتڤا" المرحلة الأولى من تاريخ الهند، إذ تمزجها قسرا بالثانية، وتزعم أن هذه الثانية ليست وليدة غزو، بل الآريين هم نبات التراب الهندي، ومنه انتشروا في عموم القارات ليبلغوا إيرلندا في العصور الغابرة، والأرض كافة من بعدها.

لا تراكم حضاري من وجهة نظر "الهندوتڤا" بل اعتداء على الهند، بل اغتصاب لها، في المرحلة الإسلامية. الإسلام جاء فاتحا قاتلا مدمّرا فكان الطارئ على الأصالة الهندية، ملوّثا لها ومانعا إياها من تحقيق عظمتها.

ثم كان زمن البريطانيين وخبثهم في تمكين الإسلام لحكم الهند ثم تفتيت الهند باسمه. زمن "الهندوتڤا" الحالي، وفق قناعات أصحابه، هو زمن اجتثاث مخلفات الإسلام ومنع الآفات الغربية من الإضرار بالجسم الهندي.

فإرغام البعض في حيدرآباد الدكن على التخلي عن أسمائهم العربية واستبدالها بأخرى سنسكريتية، أو تدمير المسجد البابري في تسعينيات القرن الماضي والاستمرار إلى اليوم بمنع إعادة تشييده، أو التخلي المزمع لمدينة الله آباد عن اسمها، أو إعادة صياغة المنهج التاريخي للانتهاء من الحديث عن دولة المُغل السلطانية والاستعاضة عنه بالكلام عن "زمن المحنة"، ليست هذه أفعال عدوان، بل، من وجهة نظر دعاة "الهندوتڤا" إعادة للأمور إلى حق نصابها.

يمكن اعتبار "الهندوتڤا"، كما الطروحات القطعية الإسلامية، متابعة وفق أسس حداثية، وإن أصرّت على إنكار حداثيتها، لمنافسات وسجالات داخل النخب، وبينها وبين العوام. ولكن "الهندوتڤا" كما شقيقاتها الإسلامية وغيرها، لا تقف عند حد الطرح الكفيل بأن يواجه في معترك الأفكار، فينتصر أو يهزم بناء على صحة مضمونه أو فساده، بل هي تعمد إلى القهر والإرغام.

"الهندوتڤا" شبيهة إلى حدّ التماثل بالتوجهات القطعية الإسلامية

​​الهند دولة واعدة، في نموها ورخائها المتحقق، وإن على تفاوت، كما في الإنجازات العلمية التي أثبت مجتمعها أنه قادر على اجتراحها. ولكن الهند، والتي هي على وشك أن تتبوأ المركز الأول عالميا من حيث عدد السكان، تعاني من مشاكل بنيوية صعبة، بعضها مادي يتطلب حسن الاستثمار والتوظيف ومكافحة الفساد، وبعضها معنوي أكثر صعوبة. أن يكون قدر واسع من أرياف البلاد في قبضة حركات ماوية خارجة عن سلطة الحكومة مسألة على قدر من الخطورة. أن يكون قسم كبير من السكان لا يزال يصنّف ويعامل على أنه من المنبوذين، رغم تكرر التشريعات المحظّرة لهذا التمييز، هو كذلك شأن مقلق. أما أن تكون الهند، أعظم الدول الديمقراطية في العالم على الإطلاق، لا تزال إلى اليوم متخلفة عن الاستيعاب الفعلي والصادق لمواطنيها من المسلمين، فأمر يقترب من الكارثة الموعودة. فالهند، والتي أراد لها مؤسسوها أن تحضن كامل موروثها الحضاري، فجعلوا من علمها شريطا زعفرانيا يرمز إلى الهندوسية وآخر أخضر يرمز إلى الإسلام يتوسطها بياض الصفاء الجامع بينهما، هي اليوم تجنح إلى هند "الهندوتڤا" والتي تعتبر أن الإسلام طارئ عليها ينبغي استئصاله، مع ما يستحضره الأمر من كوارث يمكن استشفافها وأخرى غير معتبرة.

كيف تحطّم الأوطان؟ هكذا تحطّم الأوطان: بأن يستعدي جلّها بعضها ويسعى إلى اقتطاعه، بأن ينكر التاريخ ليروق لأهوائه، بأن يطوّع العلم والمعرفة لينسجم مع مقولاته، بأن يدّعي العظمة ويرذل من غايره.

في الهند من العقلاء والسمحاء من يدرك خطر "الهندوتڤا"، ولا بد من التعويل عليهم لأن ترتقي الهند الجامعة، كل الهند بكل أهلها، بالفعل إلى المقام الحضاري الذي تستحقه، بيد ممدودة إلى الجميع. فالرجاء أن يتمكنوا من تنفيس الحقد الواهم وتجنيب بلادهم المتاهات الخطيرة.

والرجاء كذلك لمن يعاني من وطأة شقيقات "الهندوتڤا" من النزعات الهوياتية المتنافرة، الإسلامية منها في الشرق كما "البيضاء" في الغرب، وما بينهما وما في أوساطهما، أن يتمكن من الدعوة إلى الاستقامة في القراءة التاريخية، وإلى الاعتدال والعدالة في السلوك.

اقرأ للكاتب أيضا: المستقبل صيني: الوعد والواقع

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.