تعتبر الكتلتان أن محمد بديع الموجود حاليا في السجن هو المرشد العام للجماعة
تعتبر الكتلتان أن محمد بديع الموجود حاليا في السجن هو المرشد العام للجماعة

أنيت رانكو ومحمد ياغي/

في 20 شباط/فبراير، نفّذت مصر حكم الإعدام بحق تسعة من أفراد "الإخوان المسلمين" بعد إدانتهم بالتورط في اغتيال النائب العام المصري هشام بركات. ومع أن قيادات "الإخوان المسلمين" المعروفة نفت ضلوعها في الجريمة، إلا أنها لم تعد تسيطر على أعضاء الجماعة بالصرامة المعهودة.

ذلك أن الجماعة انقسمت إلى تكتّلين في خضم القمع المتواصل الذي تتعرض له منذ الإطاحة بحكومة الرئيس محمد مرسي التابعة لها عام 2013، ولكل تكتل هيكليته التنظيمية المستقلة وآراؤه المختلفة حول كيفية التعامل مع الأوضاع الراهنة. إذ يعتقد أحدهما بضرورة أن تجابه الجماعة حكومة عبد الفتاح السيسي بالطرق السلمية، بينما يطالب الآخر بمسار ثوري يشرّع العنف إنما بأسلوب مغاير عن أسلوب سفك الدماء الجهادي الذي اجتاح مصر في السنوات الأخيرة ـ مع العلم أن هذا المسار قد يلقى تجاوبا أكبر من المواطنين الإسلاميين في البلاد.

أزمة هوية وانقسام هيكلي

بعد الإطاحة بمرسي وسط الاحتجاجات الشعبية والتدخلات العسكرية، شهدت جماعة "الإخوان المسلمين" إحدى أصعب حملات الاضطهاد منذ تأسيسها عام 1928، وكان الهدف من هذه الحملة تفكيك نظامها البيروقراطي وقاعدة شعبيتها الاجتماعية.

فخلال عمليات التفريق القسري لمخيّمَي المتظاهرين في ميدانَي "رابعة" و"النهضة"، لقي 800 عضو من "الإخوان المسلمين" مصرعهم وزج مذّاك نحو 40 ألف عضو ومناصر في السجن فيما المحاكمات الجماعية جارية والمحاكم تُصدر أحكاما بالإعدام أو السجن المؤبد على أعداد كبيرة من أفراد الجماعة، هذا وقد فرّ كثيرون غيرهم من البلاد.

منذ حصول الانقسام وكل كتلة تندد مرارا بالكتلة الأخرى باعتبارها غير شرعية

​​وفي هذه الأثناء، أعلنت الدولة "جماعة الإخوان المسلمين" تنظيما إرهابيا وصادرت أصولها وممتلكاتها، بما في ذلك 1225 جمعية خيرية و105 مدارس و83 شركة و43 مستشفى ومركزَين طبيين كبيرين.

وكان لهذه الاعتقالات وقع وخيم على الهيكلية التنظيمية للجماعة. إذ لم يَسْلَم من السجن بعد حملة القمع الجماعية إلا ستة من أعضاء مكتب الإرشاد البالغ عددهم واحد وعشرون عضوا، وثلاثة منهم أصبحوا خارج البلاد. وكذلك لم يبقَ حرا طليقا حيا يرزق إلا 14 من أصل 121 عضوا من مجلس شورى الجماعة. وإذا بهذا الاستنزاف الذي طال مؤسسات الجماعة المركزية يُحدث انقسامات حادة داخلها ـ وهذه مشكلة غير مألوفة في منظمة اعتادت استنباط معظم قوتها من وحدتها وهيكليتها المتماسكة وولائها الداخلي.

ومع تعطّل مؤسسات "الإخوان المسلمين"، أصبحت التساؤلات عن الشخص الذي ستُسند إليه قيادة الجماعة محط جدال رئيسي أدّى إلى انبثاق كتلتين متخاصمتين تتنافسان على الأتباع وعلى الحق في استخدام اسم المنظمة.

تشمل الكتلة الأولى ما تبقّى من قيادات الجماعة التي كانت موجودة قبل عام 2013 ويرأسها ثلاثة رجال هم المرشد العام بالتكليف محمود عزت ـ وهو مجهول المكان ـ والأمين العام محمود حسين المقيم في تركيا والأمين العام للتنظيم الدولي ابراهيم منير المقيم في لندن. ولا يزال أعضاء هذه الكتلة يعتبرون مكتب الإرشاد ومجلس الشورى الهيئتين الشرعيتين لجماعة الإخوان المسلمين، ويعتقدون أنه من المستحيل إجراء انتخابات داخلية جديدة في ظل البيئة الأمنية الراهنة في مصر. وربما أهم ما في هذه الكتلة هو أنها تسيطر على الأصول الخارجية للمنظمة.

أما الكتلة الثانية فأنشأت هيكلية تنظيمية جديدة في عام 2014 ورسّختها في عام 2016. وانشقت هذه الكتلة في البداية تحت إمرة محمد كمال (الذي قُتل لاحقا في عام 2016) ومحمد طه وهدان (الذي سُجن لاحقا عام 2015) وعلي بطيخ (المقيم في تركيا منذ عام 2015). ويستند أعضاء هذه الكتلة إلى نظام الجماعة الداخلي ليجادلوا بأنه لا يحق لمكتب الإرشاد ومجلس الشورى الانعقاد والعمل إلا بحضور نصف مسؤوليهم على الأقل. وبما أن هذا الأمر بات مستحيلا بعد حملة القمع الجماعية ضد "الإخوان"، أعلنت هذه الكتلة عن انحلال الهيئتين القديمتين وأجرت داخل مصر انتخابات بدأت من المستويات الدنيا صعودا من أجل انتخاب هيئتين جديدتين عام 2016. كما أقامت مكتبا لها في تركيا لتسيير شؤون الجماعة خارج مصر، ويرأس المكتب المدعو أحمد عبد الرحمن.

​​ومنذ حصول هذا الانقسام وكل كتلة تندد مرارا بالكتلة الأخرى باعتبارها غير شرعية وتصرّح أن كبار مسؤوليها لم يعودوا من "الإخوان"، حتى أنه بات لكل كتلة ناطق رسمي خاص وموقع إلكتروني خاص يدّعي أنه الممثل الرسمي للجماعة ("ikhwanonline.com" و"ikhwanonline.info"). مع ذلك، تعتبر كلتاهما أن مرسي هو الرئيس الشرعي لمصر وأن محمد بديع الموجود حاليا في السجن هو المرشد العام للجماعة.

ميول التطرف

يتمحور الانقسام الأيديولوجي داخل جماعة "الإخوان المسلمين" حول مسألة استخدام العنف ضد حكومة السيسي. فالكتلة التي يرأسها عزّت دعت أعضاءها إلى السلمية مشددة على أن الجماعة تغلبت على حملات قمع عديدة على مر تاريخها الطويل عبر الالتزام باستراتيجيتها المعروفة، وهي اتباع نهج ثوري لاعنفي لإحداث تغيير تدريجي من الأسفل عبر إصلاح الأفراد أولا ومن ثم المجتمع، وصولا إلى الهدف النهائي المتمثل بتغيير النظام السياسي. وعلى حد قول محمود حسين، "يجب أن يكون الصراع ضد الطغيان متأصلا في السلمية المطلقة" حتى وإن تسبب ذلك "بالانتهاكات والاعتقالات والقتل والتعذيب والاضطهاد".

فضلا عن ذلك، تسعى هذه الكتلة إلى إعادة تكوين ثقافة "المحنة" الفرعية أو الشعور الجماعي بالاستضعاف، وهو ما ساعد "الإخوان المسلمين" في السيطرة على أعضائهم وتهميش المنشقين العنيفين في الماضي (خلال حملة القمع التي قامت بها مثلا حكومة عبد الناصر في خمسينيات وستينيات القرن العشرين).

بيد أن الكتلة الثانية ابتعدت عن هذا التقليد وسعت إلى إظهار "الإخوان المسلمين" في حلة جديدة كحركة ثورية ـ حركة مخوّلة لاستخدام التكتيكات العنيفة ضد حكومة السيسي إذا لزم الأمر. ولم تستند في تشريع العنف على مفهوم "التكفير" الجهادي الذي يصنّف المسلمين الآخرين بالكفار، إنما استخدمت مفهوم "القصاص" المذكور في الشريعة الإسلامية انطلاقا من فتوى صدرت عام 2015 وأجازت استخدام العنف في حالات القمع الشديد التي يشهدها السياق المصري الاستثنائي.

ويشار إلى أن هذه الفتوى موقعة من قبل 150 علامة إسلامي، ومن بينهم شخصيات إقليمية بارزة تنتمي إلى "الإخوان المسلمين" (مثل أحمد الريسوني، وهو المؤسس الشريك لـ"حزب العدالة والتنمية" في المغرب، وعبد المجيد الزنداني، وهو مؤسس حزب "التجمع اليمني للإصلاح")، وبعضهم الآخر دعاة وأساتذة جامعيون (أمثال حمدي أرسلان في تركيا وصلاح القادري في ماليزيا) أو ممثلون عن منظمات إسلامية موالية لجماعة "الإخوان المسلمين" (على غرار حسين حلاوة أمين عام "المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث").

ويمكن القول على وجه الخصوص إن مفهوم "القصاص" الذي تتبناه الكتلة المنشقة يجيز قتل عناصر الأمن التابعين للدولة والقضاة وحتى الصحافيين الذين يشاركون في التحريض ضد الجماعة. فأعضاء تلك الكتلة يعتبرون أنه يجب تطبيق القصاص على الفور وبأيديهم عوضا عن اللجوء إلى القضاء.

وباستناد هذه الكتلة الثورية إلى مفهومَي القصاص والدفاع عن النفس اللذين ينسجمان أكثر مع عامة المسلمين، فإنها فتحت المجال أمام التعاون مع تنظيمات أخرى من أجل الوقوف بوجه الحكومة.

يتمحور الانقسام الأيديولوجي داخل جماعة "الإخوان المسلمين" حول مسألة استخدام العنف ضد حكومة السيسي

​​وبالفعل، انبثقت عدة تنظيمات معارضة مسلحة عن الاندماج بين أعضاء من "الإخوان المسلمين" وشخصيات أخرى، ومنها "لجان المقاومة الشعبية" وحركة "العقاب الثوري" ـ وقد استهدفت هذه التنظيمات الجهاز الأمني والبنية التحتية المحلية (كشبكات الكهرباء). هذا وتوفّرت أدلة على عمليات مشتركة بين أعضاء الكتلة الثورية وتنظيمَي "حسم" و"لواء الثورة" المصّنفين على لائحة الإرهاب الأميركية.

وعلاوة على الدور الذي تؤديه أيديولوجيا الكتلة الثورية، تسهم لامركزية هيكليتها القيادية في تسهيل إقامة هذه الروابط، إذ لم يعد الأعضاء بحاجة إلى الحصول على إذن مسبق من القيادة للتحرك على الأرض طالما أن أعمالهم تتماشى مع الرؤية العامة للكتلة.

الخلاصة

من المستبعد أن يصل الصراع بين كتلتَي "الإخوان المسلمين" السلمية والثورية إلى حل قريبا. فالأولى تجادل أن الكتلة الثانية تنحرف عن تقاليد الجماعة السلمية وحريٌ بها تشكيل منظمة جديدة خاصة بها، بينما تنهمك الكتلة الثورية في وضع نسخة جديدة عن إرث مؤسس "الإخوان المسلمين" حسن البنا، مسلّطة الضوء على الفترات المسلحة في تاريخه وتاريخ الجماعة.

والواقع أن هذه النظرة تؤثر على الكثير من "الإخوان" في ظل القمع الراهن الذي حرمهم من فرص عديدة في مجال العمل الاجتماعي والمعترك السياسي. ومن الممكن لهذا التأثير أن يطال مع الوقت تنظيمات أخرى وأفرادا آخرين بما أن مسؤولي الجماعة يحرصون على تفادي المفاهيم الجهادية والتماس القبول الأيديولوجي من مصادر عامة أخرى. ولذلك يجدر بصانعي السياسات الدوليين أن يتنبهوا جيدا إلى كيفية تبلور هذا الانقسام وإلى الطرف الذي يتعاطف معه الرأي العام المصري.

أنيت رانكو هي الممثلة المقيمة عن "مؤسسة كونراد أديناور" في الأردن وزميلة باحثة سابقة في "المعهد الألماني للدراسات الدولية والمناطقية". محمد ياغي زميل باحث ومدير مشروع في مؤسسة "كونراد أديناور".

المصدر: منتدى فكرة

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

المفتي الجعفري الممتاز، الشيخ أحمد قبلان
المفتي الجعفري الممتاز الشيخ أحمد قبلان (المصدر: صفحته على موقع فيسبوك) | Source: Facebook

الزمن اللبناني اليوم هو زمن سعي لتأمين لقمة العيش، ولضمان أن الدخل، المتضائل مع انهيار العملة وتفشي البطالة، سوف يبقى كافيا لسد الحاجات. بل هو زمن الوقاية من وباء لا يبدو أنه قال كلمته الأخيرة، وزمن العودة إلى لحظة ثورة طالبت بمحاسبة طبقة حاكمة أوغلت بالنهب إلى حد الفجور. قد لا يبدو أن ثمة مكان وسط هذه الانشغالات لأن يستدعى الاختلاف العقائدي ولكي يبرز القلق حول الهوية. بل قد يصدق من يرتاب بأن هذا الاستدعاء هو وسيلة لحرف الموضوع والعودة إلى مواجهات قائمة على الاصطفاف العمودي، الطائفي، على حساب التواصلات الأفقية المصلحية التي أثبتت الثورة أهميتها.

غير أن جراح لبنان التي لم تندمل عديدة، ومن شأن هذه الاستدعاءات نكؤها. ولا يجوز بالتالي إهمالها، سواء كانت متعمدة أو جاءت عن غير قصد.

"ونؤكد أن أصل نشأة لبنان تم على أساس طائفي واستبدادي، بوظيفة خدمة المشروع الاستعماري والاحتكاري، وهذه الصيغة قد انتهت، وما قام به بشارة الخوري ورياض الصلح لم يعد يصلح لدولة إنسان ومواطن، بل أيضا مرحلة وانتهت. وعليه، نصر وبكل صرخة مدوية، أننا ولحماية البلد وكسر الوثنية السياسية، ولإنقاذ لبنان، وتأكيد العيش المشترك، والسلم الأهلي فيه، مطالبون بإسقاط الصيغة الطائفية لصالح دولة مواطن، دولة لا طائفية، دولة إنسان، دولة بقانون يلحظ المواطن بما هو مواطن، إلا ما خص شؤونه الشخصية، فكفانا ترقيعا بهذا البلد، لأن البلد سقط، سقط لأن دستوره فاسد، وآلية الحكم فيه فاسدة، وطائفيته فاسدة، ومشروعه السياسي فاسد، وتسوياته المختلفة فاسدة".

كلام صادر عن المفتي الجعفري الممتاز، الشيخ أحمد قبلان، صبيحة عيد الفطر.

تفاوتت التعليقات. البعض وصف الكلام بالجريء والضروري، ورأى فيه تعبيرا عن دعوة صريحة إلى قيام دولة المواطنة. البعض الآخر سعى إلى استبيان ما يبطنه الخطاب من رسائل يبعث بها "حزب الله" عبر المفتي إلى جهات سياسية فاعلة، منها الخصم ومنها الحليف.

لم يعد جائزا إخلاء الساحة للطرح الطاعن بنشأة لبنان، على مسافة أشهر قليلة من مئوية إعلان قيامه

بل كلمة المفتي، إذا أخذت على ظاهرها، يمكن أن يُستشفّ فيها دعوة إلى كسر القيد المفروض على اللبنانيين كافة، الشيعة كما غيرهم، والذي يحصر تمثيلهم بطبقة سياسية متماهية مع مصالح نخبة اقتصادية، في خضمّ الأزمات الكوارثية التي تعصف بلبنان، نقدية مالية اقتصادية، وصحية، وسياسية.

مهما كان الدافع، من شأن موقف المفتي قبلان أن يدرج في إطار التجاذب الحاصل نتيجة لعمق الورطة التي يعيشها لبنان، وانزلاقه دون ضوابط نحو الهاوية. ربما انضوى كلام المفتي على بعض الإنفعال، ولكنه لا يبلغ قدر الألم. وفيه دعوة لمراجعات، يريدها المفتي في العمق، ويؤيده فيها جمهور واسع، كما يتبين من وفرة التعليقات على مواقع التواصل.

سيّان. ثمة جانبان يستحقان التوقف عندهما.

الأول هو أنه حتى إذا جرى تجاوز الشكل هنا، في أن يكون صاحب هذه الدعوة إلى إسقاط الطائفية رجل دين لا يرى حرجا بأن طائفته قد أمسك زمامها بنيان طائفي مسلح خاضع لقرار خارجي، فإن الاستثناء الذي يدخله المفتي في صلب دعوته إلى دولة المواطن ـ في قوله "إلا ما خصّ شؤونه الشخصية" ـ من شأنه أن يمسي مسمار جحا الذي قد يفسد الدعوة، بل قد يبطلها.

(يروى أن جحا باع منزله بسعر بخيس، مشترطا على المشتري أنه يحتفظ بملكية مسمار في أحد جدرانه. رضي الرجل، ليفاجأ في الأيام التالية بأن جحا يواظب القدوم إلى المنزل ليتفقد المسمار وليمضي ساعات الليل الطويلة بجواره).

ليس من التجاوز أن يُفهم أن المقصود بـ "الشؤون الشخصية" هو أن المفتي، ومعه جميع المرجعيات الدينية في لبنان، يرفض التنازل عن حصرية الإمساك بشؤون الزواج والطلاق والوصاية والإرث والأوقاف وغيرها لمن يجري تصنيفه ضمن طائفته من المواطنين. "دولة مواطن وإنسان"، كي تكون فاعلة وصادقة، تقتضي لكافة المواطنين، رجالا نساءً، وبغضّ النظر عن أديانهم وقناعاتهم وأصولهم الطائفية، المساواة في إمكانية الاستعانة بالمرجعيات الدينية لأحوالهم الشخصية، إذا شاؤوا ذلك، أو في الركون إلى إطار تشريعي وطني جامع. ما لا يستقيم هو الاعتراض على "فدرالية الطوائف" مع الاصرار على فرض نظم قسرية مختلفة على أصناف المواطنين على أساس طائفي.

في زمن غابر، سبعينيات الحرب الأهلية، كانت دعوة "الحركة الوطنية"، رغم غلبة التوجهات اليسارية والتقدمية عليها، تنصّ على "إلغاء الطائفية السياسية". لمَ لم يكن المطلب إلغاء الطائفية إطلاقا أو الدعوة الصريحة إلى العلمانية، لا سيما وأن الحوار الفكري في لبنان منذ الخمسينيات كان ناشطا لإنشاء "طائفة حق عام" إضافية جامعة، لا تمنع استمرار تولي الهيئات الطائفية للأحوال الشخصية ولكنها تقدّم للمواطن خيارا غير طائفي؟ الجواب، دون تحفظ هو مراعاة لحساسية المؤسسات الدينية الإسلامية، وهي القادرة على تعبئة جمهورها واستنزاف تأييده للحركة الوطنية.

لجيل ثورة 17 تشرين، وبالتأكيد لما سوف يليه من أجيال، أن يضع الأسس الصادقة لدولة المواطنة

أي أن المطلوب، في ذاك الزمن، كما هو اليوم، هو إزالة ما لا يناسب هذه المؤسسات، أو من يدعمها، من قيود طائفية، وتحديدا المناصفة التي تخصّص المسيحيين بمواقع تنفيذية رئيسية، مع الاحتفاظ بغيرها من القيود، الأحوال الشخصية على وجه الخصوص، والتي تضمن سلامة المواقع الطائفية الإسلامية.

"الحركة الوطنية"، بشيوعييها واشتراكييها وقومييها، أوهمت نفسها في زمنها بأن مطلبها منطقي وتقدمي، فيما نتيجته التلقائية كانت لتكون الإخلال بتوازن طائفي لصالح طرف وعلى حساب طرف. ومثلها اليوم ربما المفتي قبلان وغيره من الداعين صراحة إلى الانتهاء من المناصفة، لصالح مثالثة أو غيرها، أو إلى الإطاحة بالطائفية مع بعض الاستثناء.

الحقيقة الجلية هي أن مطلب "إلغاء الطائفية السياسية"، أو أي مطلب إلغاء منقوص للطائفية، هو مطلب طائفي محض، وإن كان الداعي إليه غافلا عن طائفيته. فإما أن يكون تفكيك البنية الطائفية بالكامل، بالتوافق الوطني وبشكل تدرجي لتحقيق ما أصر عليه الراحل الكبير، بطريرك لبنان أجمع، مار نصر الله بطرس صفير، من "إزالة الطائفية من النفوس قبل إزالتها من النصوص"، أو أن تبقى الضمانات الطائفية على حالها صونا للسلم الأهلي.

لجيل ثورة 17 تشرين، وبالتأكيد لما سوف يليه من أجيال، أن يضع الأسس الصادقة لدولة المواطنة. ليت جيل "إلغاء الطائفية السياسية" يعمد وحسب إلى مراجعة ذاتية لإدراك مقدار الأذى الذي تسبب به حتى في السعي إلى الإصلاح، صادقا أو زاعما.

على أنه في كلام المفتي قبلان صدى آخر من أصداء زمن "الحركة الوطنية" أكثر إضرارا بلبنان كمجتمع متكامل، كهوية ممكنة، وكوطن ثابت.

هو هذا الهباء المتواتر حول نشأة لبنان "على أساس طائفي واستبدادي، بوظيفة خدمة المشروع الاستعماري والاحتكاري".

هل كان من الصعب على الحلفاء المنتصرين على الدولة العثمانية، وتحديدا فرنسا التي أظهرت بطشها قليلا في الشام وكثيرا في الجزائر، ترحيل المسلمين من جوار جبل لبنان واستبدالهم بتوطين المنهكين المشردين من المسيحيين الناجين من المقاتل والمجازر، لا سيما وأن بعض قادة هذه الدول دخلوا المشرق يستذكرون حروب أجدادهم الصليبية؟

ليت جيل "إلغاء الطائفية السياسية" يعمد وحسب إلى مراجعة ذاتية لإدراك مقدار الأذى الذي تسبب به حتى في السعي إلى الإصلاح، صادقا أو زاعما

لم يفعلوا، لأنه كان ثمة لحظة تأسيسية مختلفة للبنان، مرتبكة دون شك، وبدوافع بعضها ناضج وبعضها ساذج. غير أن بطريرك لبنان الكبير الأول، مار إلياس بطرس الحويك، رضي بمقولة أن يكون لبنان وطنا لمواطنيه، ليس ترفعا عن مصلحة رعيته، بل في استشفاف محمود لحقيقة هذه المصلحة. لبنان المسيحي محتوم بأن يكون بصراع مزمن مع جواره، وإلى زوال. لبنان، حيث للمسيحيين حضور بارز، مؤهل بأن يكون منارة لجواره، وإلى بقاء.

المقاربة ليست سرا ولا هي لخدمة "المشروع الاستعماري"، بل هي قراءة موضوعية قائمة على منطق أنه من الممكن أي يكون الجميع كاسبا.

ثم أن هذا الحل في إيجاد الموقع الوسط، وهذا الموقف الذي أرسى لبنان على شفير، ليس جديدا على تاريخه. الكلام هنا ليس عن لبنان من الناقورة إلى النهر الكبير، بل عن حقيقة أن هذا الساحل عند الشاطئ الشرقي للبحر الأبيض المتوسط، ومعه الجبل ومن ثم السهل الذي يليه، كان على مدار الزمن، منذ ألفيات ضاربة في عمق التواريخ، مشطوبة من ذاكرة أهله وجديرة بأن يعاد اعتبارها، حلقة وصل بين عالمي البحر والبر، منفتح شرقا وبرا على البادية إلى أقاصي جزيرة العرب، ومنفتح غربا وبحرا على مصر واليونان والروم والفرنج والطليان والأمم التي تعاقبت تجارة وسلطانا.

أهل هذا الشريط، بأمسهم كما في حاضرهم، يشبهون هؤلاء وأولئك، وتزيد من أوجه الشبه مقومات الدين واللغة والوعي. ولكن هذه متعددة ومتداخلة، يستحيل اختزالها أو إلزامها بما ليست عليه من التجانس. لبنان "ذو وجه عربي" وفق المقولة التي ارتضاها بشارة الخوري ورياض الصلح، والتي يطعن بها سماحة المفتي. كم هي صادقة هذه المقولة، وكم هو معتل زعم الطائف بأن لبنان "عربي الهوية والانتماء".

العلة في هذا الزعم أنه استدراكي استلحاقي خارج عن زمنه. فمع التبدل بمفهوم الهوية العربية في الثمانينيات والتسعينيات، أمسى يفترض بلبنان أن يشهر أخوته لـ "جزر القمر"، والتي لا يعلم معظم اللبنانيين أين تقع ومن يسكنها، إذ هو وهي من "الأشقاء العرب"، فيما عليه أن يتظاهر وكأنه لا وجود للقواسم العديدة المشتركة مع قبرص ومالطا، مثلا لا حصرا إذ هي جزر أخرى إنما يعرفها ويرتادها ويتماهى معها اللبنانيون بمعاشها وحتى بلغاتها.

ليس في هذا الطرح تبرؤ من "العروبة" أو تخلٍ عنها. فلو أن العروبة قابلة للكمية، فإن "كمّ" العروبة هنا في لبنان، على صغر مساحته وقلة عدد سكانه، يضاهي ما في الدول العربية الكبيرة، ويشهد على ذلك دور اللبنانيين، بهذه الصفة أو قبلها، في توضيح اللغة العربية المعاصرة وجمعها وتعميمها، ثم في إثراء المكتبة العربية بالشعر والنثر، وصولا إلى النتاج الفني الحالي.

للبنان أن يراجع ما حقّقه وما عجز عن تحقيقه خلال القرن الماضي، استعدادا لمئوية أخرى تهددها، عن قصد أو غير قصد، القراءة المسقطة للخير الكثير في تاريخ هذا الوطن الصغير

على أن هذا الشريط عند شرقي المتوسط، ولبنان وريثه المتوحد أو يكاد أن يكون، بعد أن أزال الاحتلال دور فلسطين، واعترضت العقائديات ترقي إسرائيل إلى هذا المقام، وبعد أن حدّ الطغيان من دور سوريا، لا يبتدئ تاريخه مع الفتح العربي ولا يتوقف عنده.

أي أنه للبنان من "العروبة" ما لغيره، ثم أن له، بالإضافة إليها، الكثير غيرها. لبنان ذو وجه عربي، وهو غالبا وجهه الأول يوم يكون طوعيا وإراديا وتعدديا غير نافٍ للثروة الحضارية الكامنة بالتجربة اللبنانية، فيما هو وجه مرفوض حين يسعى البعض إلى زعم حصريته، وإلى اختصاره بأشكال معيارية تعسفية.

صيغة الطائف لم تأتِ لتثبت عروبة لبنان، بل جاءت لتزيد من التكاذب بشأنها، ولتهدد الوجه العربي للبنان بأن تجعله منفّرا، وصولا إلى أسف في بعض الأوساط إلى أن لبنان لم ينشأ كما يتخيله المفتي قبلان، وطنا مسيحيا تابعا للغرب.

المسألة هنا هي التوصل إلى صيغة مستدامة للعيش المطمئن وليست صراعا حضاريا متوهما بين الإسلام والمسيحية. وخطوط التماس تقطع كل منهما وإن على تفاوت. والقضية لم تكن يوما "شرق وغرب، رجولة وأنوثة"، ولا لقاءا تاريخيا مبدلا للاعتبارات، لا مع نابليون والجبرتي، ولا مع اللنبي وصلاح الدين وغورو، ولا صراع حضارات. بل هي حالة تداخل وتفاعل، سلسة يوما، متوعرة أياما. أما الصدام في الرؤى والقلق في التصور فيبدو بالدرجة الأولى من اختصاص أهل البر من الجانبين. دمشق وبغداد، لا بيروت، القاهرة لا الإسكندرية، هنا، وباريس ولندن، لا البندقية وجنوى وغيرهما من المدن الإيطالية هنالك.

كل هذه القراءات قابلة للنقاش. على أنه لم يعد جائزا إخلاء الساحة للطرح الطاعن بنشأة لبنان، على مسافة أشهر قليلة من مئوية إعلان قيامه. للبنان أن يراجع ما حقّقه وما عجز عن تحقيقه خلال القرن الماضي، استعدادا لمئوية أخرى تهددها، عن قصد أو غير قصد، القراءة المسقطة للخير الكثير في تاريخ هذا الوطن الصغير.