اضطر هارت إلى الاعتذار صراحة بعد أن أدرك أنه لم يعتذر في الماضي
اضطر هارت إلى الاعتذار صراحة بعد أن أدرك أنه لم يعتذر في الماضي

منصور الحاج/

في الرابع من شهر ديسمبر/كانون الأول الماضي، أعلن الفنان الكوميدي الأميركي كيفن هارت أن أكاديمية الأوسكار اختارته لتقديم حفل توزيع جوائز الأوسكار لعام 2019 وأعرب عن سعادته وامتنانه لهذا الاختيار الذي اعتبره هدفا طالما حلم بتحقيقه.

وفور إعلان هارت الخبر ضجت وسائل التواصل الاجتماعي وتداول المغردون تصريحات وتغريدات قديمة للفنان أعرب فيها عن خشيته من أن يصبح ابنه مثلي الجنس وذكر بأنه لن يتوانى في عمل أي شيء للحيلولة دون ذلك.

بعد يومين من ذلك الإعلان والضجة التي تلته، نشر هارت تسجيلا على موقعه في انستغرام قال فيه إن أكاديمية الأوسكار خيرته بين الاعتذار لمجتمع المثليين على تلك التصريحات التي يعود تاريخها إلى عامي 2009 و2010 أو التنازل عن تقديم حفل الأوسكار. وذكر هارت في التسجيل أنه اختار التنازل وأنه قرر عدم الاعتذار وأعرب عن امتعاضه من الظهور المفاجئ لتلك التصريحات القديمة فور إعلانه خبر اختياره وأشار إلى أنه قد تناول ما جاء في تلك المواقف والنكات مرات عديدة وأنه قد تغير كثيرا ولم يعد نفس الشخص الذي كان في السابق.

ساهم مجتمع المثليين في حرمان الكوميدي كيفن هارت من نيل شرف تقديم حفل الأوسكار

​​في السابع من ديسمبر/كانون الأول نشرت هارت تغريدات اعتذر فيها لمجتمع المثليين على كلماته المسيئة لهم وقال إنه لم يراع فيها مشاعرهم كما جدد تنازله عن استضافة الحدث قائلا بأنه "لا يود أن يكون مصدر جدل في ليلة يحتفل فيها العديد من الفنانين الموهوبين والرائعين".

وفي الوقت الذي ظن فيه كثيرون انتهاء القضية والجدل الذي أثارته، ظهر كيفن هارت في برنامج "ألين" الذي تقدمه الكوميدية الشهيرة ألين ديجينريس التي قدمت حفل الأوسكار في عامي 2007 و2014. دافعت ألين وهي من أبرز المشاهير مثليي الجنس في أميركا عن هارت وأعربت عن تأييدها له ورغبتها في أن يقدم حفل الأوسكار وأشارت بأنها قد هاتفت الأكاديمية للاستفسار عن إمكانية أن يقدم هارت حفل الأوسكار لهذا العام.

أعاد اللقاء الجدل إلى الواجهة من جديد وتعرضت ألين لانتقادات حادة بسبب تأييدها لهارت وانتقادها معارضي تقديمه حفل الأوسكار بسبب مواقفه وتصريحاته السابقة التي ترسخ ظاهرة الخوف من المثلية الجنسية وتبرر التمييز والعنف ضده المثليين خاصة في مجتمعات الأميركيين من أصول أفريقية الذين ينتمي إليها هارت.

وفي إحدى التغريدات تساءل أحدهم عن أسباب عدم استضافة ألين للمثليين السود الذين أساء إليهم كيفن عبر تصريحاته لشرح مدى الضرر الذي يترتب على مثل تلك التصريحات غير المسؤولة.

انتقد الكاتب كريس ريهل هارت في مقال نشره على موقع هوليوود ريبورتر شرح فيه اعتراضه على محاولة هارت لعب دور الضحية خلال لقائه مع ألين حيث وصف الهجوم عليه بـ"الخبيث" وأن الهدف منه كان "إنهاء مسيرته الفنية". وأورد الكاتب قصة تعرضه لاعتداء لفظي وبدني بسبب كونه مثلي الجنس حين كان طالبا في السنة الأولى بجامعة نيويورك على يد شاب كان يشاركه السكن قائلا: "لقد كان ذلك اعتداء خبيثا فقد كنت وحيدا وفي الثامنة عشرة من عمري وقد فاقم ذلك حالة الاكتئاب عندي".

لم يتوقف النقد الموجه إلى كل من ألين وهارت عند ذلك الحد، فقد تناول الموضوع الإعلامي في قناة "سي إن إن" دان ليمن الذي رأى أن كونه أسودا ومثلي الجنس يحتم عليه التطرق إلى القضية فأورد مواقف هارت المسيئة للمثليين وادعائه بأنه تناول الموضوع في مناسبات عدة. كما عرض ليمن تحقيقا نشره موقع "فالتر" التابع لمجلة "نيويورك ماغازين" خلص إلى أن هارت لم يقدم أبدا اعتذارا صريحا لمجتمع المثليين على دعاباته وتغريداته المسيئة لهم وقدم الدعوة لهارت للظهور في برنامجه لعرض أي اعتذار سابق قدمه على مواقفه القديمة.

وذكر ليمن بأنه "لا يرى أي محاولة صادقة من جانب كيفن للتقرب من مجتمع المثليين". وقال "إن التحالف مع المثليين ومتحولي الجنس وليس مجرد الاعتذار هو ما سيجعل العالم مكانا أفضل بالنسبة لهم". كما عرض ليمن تغريدة قديمة لهارت يقول فيها بأنه لو رأى ابنه يحاول اللعب بألعاب شقيقته فإنه سيكسر اللعبة فوق رأسه. "بالنسبة لكيفن" يقول ليمن، "فإن الأمر لا يعدو كونه دعابة لكن في الحقيقة فإن هذا هو واقع الكثير من الأطفال في الولايات المتحدة. في مكان ما يضرب أب أسود أبنه الأسود." ثم أورد ليمن قصة صديقه المخرج لي دانيلز الذي رماه والده داخل حاوية القمامة بسبب ارتدائه حذاء نسائيا.

وعرض ليمن تقريرا أجراه مركز "التقدم" الأميركي خلص إلى 44 في المئة من المشردين الشباب المثليي الجنس هم من ذوي البشرة السوداء. أما فيما يتعلق بالمشردين من متحولي الجنس فإن 62 في المئة منهم أيضا من السود. "في الغالب" قال ليمن "فإن هؤلاء الأطفال إما أنهم طردوا من منازلهم أو اضطروا للهروب بسبب ميولهم الجنسية وبسبب الطريقة التي يعاملون بها من قبل مجتمعنا".

يدرك هارت الآن أن رفض من عارضوا تقديمه للأوسكار كان مبررا

​​وهكذا ساهم مجتمع المثليين عبر مواقع التواصل الاجتماعي في حرمان الكوميدي كيفن هارت صاحب الشهرة الواسعة من نيل شرف تقديم حفل الأوسكار بسبب نكات قالها منذ عدة أعوام لكنه تهرب من تقديم اعتذار صريح عليها ورفضه التكفير عن ذنبه وعن الدور الذي لعبه في ترسيخ ثقافة ترفض الاعتراف بحق الأفراد في التعبير عن ميولهم الجنسية بل وتبرر أقصاءهم وتعنيفهم والسخرية منهم.

اضطر هارت إلى الاعتذار صراحة بعد أن أدرك أنه لم يعتذر في الماضي وبعد أن أضاع فرصة العرض الذي قدمته له أكاديمية الأوسكار وحاول تقديم نفسه كضحية هجوم "خبيث" لكن من المؤكد أنه يدرك الآن أن رفض من عارضوا تقديمه للأوسكار كان مبررا وأن القصد منه هو أن يعتذر أولا وأن يعمل على استغلال شعبيته في تغيير واقع المثليين في مجتمعات السود.

اقرأ للكاتب أيضا: قراءة في الجدل بشأن زوجات مقاتلي تنظيم 'داعش'

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

A man walks past a mural as the spread of coronavirus disease (COVID-19) continues, in the Fremont Street section of historic…

هناك شبه إجماع أن العالم بعد جائحة كوفيد-19 لن يكون كما كان عليه قبلها.

كثر يخشون "التغيير المرتقب"، لأنّ مقدماته التي بدأت تتكوّن غير مشجّعة على الإطلاق، بل... مرعبة.

الخائفون من التغيير يشعرون بعجزهم عن تصحيح المسار والتحكم بمجرى الأمور، فيلجؤون إلى استنباط أي فكرة حتى يخففوا عن أنفسهم عناء التوجس من الآتي.

يدفع هؤلاء الخائفون إلى المقدمة مفهوم "النسيان" لدى الإنسان. في اعتقادهم أن هذه "النعمة" قد تعيد العالم، رويدا رويدا، إلى ما كان عليه قبل انتشار فيروس كورونا المستجد. حجة هذا البعض على ذلك أنّ التأملات الفردية، في أثناء مراسم دفن قريب أو نسيب أو صديق، عن سخافة الطموح وعبثية الصراع، سرعان ما تتلاشى مع عودة المرء إلى يومياته.

لكنّ أصحاب "النبوءة التغييرية"، ومن بينهم مخضرمون ومجرّبون وخبراء وعلماء ومؤرخون، لا يقيمون وزنا للتجارب الفردية في استنباط ما سيكون عليه المستقبل، لأن الفرد، مهما كانت فرادته، فمنطقه ووجدانياته وتفاعلاته مع الحوادث، تختلف كليا عن آليات صناعة القرار في الدول، وهي التي تفرض نفسها وإيقاعها على الأفراد والجماعات والشعوب.

إذا تُركت الدول لمنحاها الحالي، فإن شعوبا كثيرة تضطر حاليا أن تعيش في "الحَجر"، ستجد نفسها، غدا بين خيارين: العبودية أو الموت

إذن، فالتغيير، في عرف هؤلاء، ليس خيارا، بل قدرا. العوامل المتحكمة به كثيرة وقوية وضاغطة، من بينها: التدهور الاقتصادي، الأزمة المالية، ارتفاع المديونية، نمو البطالة، انخفاض الاستهلاك، الاستياء من "العولمة"، سيئات الـ"نيوليبرالية"، وعدم فاعلية التجمعات الإقليمية.

بناء عليه، أي مستقبل ينتظرنا؟

المشهد "أبوكاليبسي": سيقضي فيروس كورونا على ما تبقى من عقبات أمام ازدهار "الشعبوية" التي بيّنت تجارب التاريخ أنها "رحم الحروب"، وسيُنقذ أعتى الديكتاتوريات، في ظل تعويم النظريات المعادية لكل أشكال الديمقراطية.

في واقع الأمر، إن عوارض "وباءي" الشعبوية والديكتاتورية سبقت ظهور "كورونا فيروس"، لكنّ الديمقراطية كانت تملك ما يكفي من مناعة للصمود، وليس للتصدّي.

و"الشعبوية" كانت قد دخلت، على سبيل المثال، إلى "الاتحاد الأوروبي" من بوابة رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، كما على البرازيل من بوابة رئيسها جايير بولسونارو. وتعزّزت النظم القمعية مع الصمت الكوني على إعلان الرئيس الصيني نفسه "رئيسا مدى الحياة"، فيما كاد يسلّم الجميع ببقاء النظام السوري، على الرغم من الأدلة الوافرة على حجم الجرائم التي ارتكبها بحق شعبه.

ومع انتشار جائحة "كوفيد-19"، تعزّزت الشعبوية والديكتاتورية، فبات، مثلا، مقبولا هذا التزوير وتداعياته الخطرة مستقبلا، في بعض الدول والأنظمة، بخصوص مدى التفشي الفعلي لفيروس كورونا بين السكان، في إطار ادّعاء الشعبويين بطولات وهمية وقدرات خارقة، يدعمها إعلام "ممسوك" وجماهير مرعوبة تلهث وراء "حبل النجاة"، حتى لو كان خادعا وكاذبا، كما بات متاحا، وعلى سبيل المثال أيضا وأيضا، حتى في الأنظمة التي ترفع لواء الديمقراطية، وبحجة الخوف على حياة المواطنين، أن يتم رصد حركة جميع الناس، من خلال التحكم بداتا الاتصالات، في مشهد كوني أعاد إلى الأذهان، وبقوة، نهج "الأخ الأكبر" في رواية جورج أورويل "1984".

أمام "الفقر" هنا و"الانعزال" هناك، سوف تنتعش الديكتاتورية من جديد، ويعود زمن الصمت على سحق الشعوب

والأدهى أن هذه الاتجاهات يكثر مؤيدوها والمدافعون عنها والمروّجون لها. وهذا بديهي، لأنه من النتائج المباشرة، للتعامل مع جائحة "كوفيد-19" على أساس أنها عدو وليست مرضا، وأن مواجهتها هي حرب وليست مكافحة.

وإعلان الحرب على العدو، يحتاج إلى عقيدة، إلى بروباغندا، والأهم إلى... جنرالات. ومن يظهر أنه الأقوى والأفعل يفرض وجهة نظره على الآخرين.

وفي هذا السياق "الحربي"، يتميّز الشعبويون لأنهم الأكثر حرفية في البروباغندا، ويتعاظم الديكتاتوريون لأنهم الأكثر أهلية لاستغلال شعار "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة"، فيما يُرهق الديمقراطيون الذين يخضعون لقواعد أنظمتهم حيث الشفافية، الانتقاد، التهجّم، تسخيف الإنجاز، تضخيم نقاط الضعف، المساءلة البرلمانية، انطباعات الرأي العام، الاستحقاقات الانتخابية، استطلاعات الرأي المستقلة، ومروحة واسعة من الحريات ومن بينها حرية الإعلام والتعبير.

هذا المسار المساند للديكتاتوريات، والذي بدأ يتبلور في حمأة أزمة كورونا، سوف يترسخ ويتطوّر في المستقبل، فالدول التي تدافع عن الديمقراطية ومبادئها، ستجد نفسها "منعزلة" عن مشاكل الكون، لتركّز اهتمامها ومواردها في محاولاتها تعويض ما لحق بها من خسائر فادحة، كما هي حال فرنسا التي تتحدّث عن إمكان وصولها إلى تلك الوضعية التي كانت عليها في العام 1945، أي بعد سنوات من الاحتلال النازي وبعيد تحريرها بأضخم العمليات العسكرية في التاريخ.

أما الدول الفقيرة والمأزومة، فسوف تشهد تفاقما في أزماتها المالية والاقتصادية والاجتماعية، مما يرفع نسبة الفقر إلى مستويات تاريخية، ويقدّم هموم الرغيف على مبادئ الحرية والأنظمة الناشئة عنها.

وأمام "الفقر" هنا و"الانعزال" هناك، سوف تنتعش الديكتاتورية من جديد، ويعود زمن الصمت على سحق الشعوب.

وآفة الصمت التي ستزدهر مجددا، سبق واختبرت شعوب كثيرة تأثيراتها القاتلة، ولعلّ سوريا، في ظل نظام آل الأسد، أكبر الشواهد عليها.

فمن يتصفّح "الشق السوري" من كتاب الرئيس الأسبق لجهاز المخابرات الخارجية الفرنسية السفير برنار باجوله "الشمس لا تشرق أبدا في الشرق" يصيبه الإحباط من الديمقراطية وحاملي ألويتها.

هذا الدبلوماسي ـ الأمني لم يكن هامشيا في مركز صناعة القرار في فرنسا، إذ كان مقربا من أربعة رؤساء فرنسيين تعاقبوا على قصر الإليزيه، وكان آخرهم فرانسوا هولاند.

ماذا تحتاج الأنظمة القمعية أكثر من هذه النتائج الباهرة، حتى تقع في عشق كورونا؟

في كتابه الصادر قبل سنة، يروي باجوله مستندا إلى ما عاشه كرقم 2 في السفارة الفرنسية في دمشق ومن ثم ما عرفه كرئيس لجهاز المخابرات الخارجي، (يروي) أمورا من المخجل أن تكون قد مرّت على فرنسا وحلفائها في "العالم الحر" مرور الكرام، كنوعية الاعتقالات والابتزاز والتشليح والاغتيالات والمجازر والطائفية والعائلية والسرقة والفساد و"العقد النفسية" و"الإتجار" بالعداء لإسرائيل والإرهاب.

هذه الوقائع المدوّنة في السجلات الرسمية، بالتفاصيل والأسماء والحقائق، مرّت كأنها أحداث رواية متخيّلة، عندما كانت الدول منشغلة بالتفتيش عن "عظمتها" وغارقة في "الواقعية السياسية" ولاهثة إلى تقاسم "الجبنة الاستثمارية"، فماذا تراه سوف يحصل، عندما "تعزل" الدول نفسها، بعد مرور عاصفة كورونا، من أجل لملمة خسائرها الفادحة؟

ليس من فراغ أو عن عبث، أنّ المخضرم هنري كيسنجر، ومن خلال مقاله الأخير (3 أبريل) في صحيفة "وول ستريت جورنال"، قد دعا "الديمقراطيات في العالم إلى الدفاع والمحافظة على القيم التي ورثتها من عصر الأنوار"، مشددا على "وجوب أنّ يعالج قادة العالم الأزمة الراهنة، فيما هم يبنون المستقبل".

إذا تُركت الدول لمنحاها الحالي، فإن شعوبا كثيرة تضطر حاليا أن تعيش في "الحَجر" حتى تحفظ حياتها، ستجد نفسها، غدا بين خيارين: العبودية أو الموت.

والحالة هذه، ماذا تحتاج الأنظمة القمعية أكثر من هذه النتائج الباهرة، حتى تقع في عشق كورونا؟