يضع الورود تكريما لمحمد علي كلاي
يضع الورود تكريما لمحمد علي كلاي

رياض عصمت/

يصادف شهر فبراير/شباط من كل عام مناسبة للاحتفال بتاريخ كفاح الأفرو ـ أميركيين في الولايات المتحدة لنيل حقوقهم المشروعة، والتذكير بإنجازاتهم في فعاليات وأنشطة المجتمعات التي يعيشون فيها أسوة بالبيض، سواء في مجال الرياضة أم العلوم أم الثقافة والفنون.

من منا لا يذكر الملاكم الأشهر في التاريخ، محمد علي، الذي أصبح شخصية أسطورية؟ من منا ينسى ريادة ويلت تشمبرلين في كرة السلة والأرقام القياسية التي سجلها؟ من منا لا يذكر إنجازات اللاعبين الخالدين مايكل جوردان وكريم عبد الجبار في تاريخ كرة السلة؟

أما في ميدان السينما، فيذكر المشاهدون بلا شك إنجازات مخرجين سينمائيين لامعين منهم مثل سبايك لي (صاحب الحضور المتميز في حفل أوسكار 2019)، ستيف ماكوين وأنطوان فوكوا فضلا عن المخرج الصاعد جوردان بيل.

تاريخ الثقافة السوداء في الولايات المتحدة حقا تاريخ مشرف في مختلف المجالات

​​وهل ينسى أحد في مجال المسرح الغنائي "الميوزيكال" إنجازات المخرج هارولد برينس في إطلاق "إيفيتا" وسواها من روائع الميوزيكالز؟ في ميدان الرقص الحديث، لا ينسى الجمهور بالطبع الإبداع الرائد لمصمم الرقص الشهير ألفين إيلي وفرقته الرائعة.

في المسرح الدرامي، يذكر كثيرون بشكل خاص إنجازات لويد ريتشاردز، الذي ترأس لفترة طويلة قسم المسرح في جامعة "ييل" العريقة وأخرج لمسرح ييل الريبرتواري ولمسارح برودواي عددا من الروائع، إضافة لبعض الأفلام التلفزيونية.

بالطبع، ما زال في ذاكرة عشاق السينما نجوم من عدة أجيال حققوا شهرة مدوية. نذكر منهم سيدني بواتييه، دنزل واشنطن، ويل سميث، إيدي مورفي، سامي ديفيز، مورغان فريمان، صموئيل ل. جاكسون، داني كلوفر، جيمي فوكس، ريتشارد براير، جيم بروان، مارتن لورنس، فورست ويتيكر، كريس تاكر، ديفيد أويلوو، تشادويك بوسمان (بطل "النمر الأسود"، أول فيلم خيال علمي بطله أسود،) مايكل بي. جوردان (بطل "كريد"، الذي يتابع سلسلة "روكي" عن الملاكمة،) كارل ويثرز، ماهرشالا علي، دينيس هزبرت، جيفري رايت، مايكل إيللي، غيب ويلسون، ونضيف إليهم من بريطانيا تشيوتيل إيجيوفور، إدريس آلبا ودانيال كالويا، الذين ظهروا في أفلام أميركية.

أما أهم النجمات الأفرو ـ أميركيات اللامعات في سماء الفن السينمائي فنذكر منهن ووبي غولدبرغ، فيولا ديفيز، لوبيتا نيونغو، أوكتافيا سبنسر، نعومي هاريس والإعلامية ذائعة الصيت أوبرا وينفري.

عندما نصل إلى الغناء لا ينسى أحد إنجاز المغنيات الشهيرات ديانا روس، بيونسيه، ويتني هيوستن وتينا تورنر، وذلك على سبيل المثال لا الحصر.

في مجال الإبداع الأدبي، يدهش زوار "متحف الكتاب الأميركيين" في شيكاغو أمام العدد الكبير من الكتاب الأفرو ـ أميركيين الذين تركوا بصماتهم في سجل تاريخ الأدب عبر روائع أدبية خالدة. نذكر منهم: هاربر لي، جيمس بولدوين، أليكس هيلي، لورين هانزبري، توني موريسون، أليس وولكر، أوغست ويلسون وريتشارد رايت.

الجدير بالذكر، اشتهر في تاريخ الموسيقى الأميركية السوداء راي تشارلز، بي. بي. كينغ، بيلي هوليداي، لويس دانيال آرمسترونغ، ديوك إيلنغتون، تشارلي باركر ومودي والترز. كل هذه الأسماء علامات تاريخية مضيئة للإبداع الموسيقي الأفرو ـ أميركي.

في شهر فبراير/شباط يجدر بذاكرتنا أن تستعيد بعض أهم الأفلام السينمائية التي تناولت مأساة السود وكفاحهم من أجل الحرية. من أشهرها الفيلم المقتبس عن رواية مارغريت ميتشل "ذهب مع الريح" (1939)، الذي نال ثمانية أوسكارات، وتقاسمت بطولته فيفيان لي مع كلارك غيبل، وأخرجه فكتور فلمنغ. كذلك، يعتبر "قتل عصفور ساخر" (1962) عن رواية هاربر لي ومن إخراج روبرت موليغان وبطولة غريغوري بك أحد أهم الأفلام الرائدة التي دخلت التاريخ، إذ حاز ثلاثة أوسكارات. أول مشاهير الممثلين السود الذين حققوا اختراقا هائلا، سيدني بواتييه، الذي لعب بطولة "المتحديان" (1958) مع توني كورتيس عن سجينين يهربان معا والقيد على معصميهما، فيضطران للتأقلم والتعاون رغم الفارق العرقي، وهو من إخراج ستانلي كرامر.

كذلك، يذكر الجمهور من أفلام بواتييه "زبيبة تحت الشمس" (1961) من إخراج دانيال بيتري، "زهور في الحقل" (1963) من إخراج رالف نيلسون (الذي نال عليه بواتييه أوسكار أفضل ممثل،) "إلى أستاذي مع المحبة" (1967) من إخراج جيمس كلافيل، "تحت حرارة الليل" (1967) من إخراج نورمان جويسون.

وضمن طراز الأفلام الكوميدية، اشتهر Sister Act بجزأيه، اللذين حققت فيهما النجمة غوبي وولدبرغ نجاحا لافتا في دور مغنية كباريه تضطر للتنكر بزي راهبة، وتدرب طلابا وطالبات يعيشون حياة بؤس وإحباط إلى أن توصلهم لتحقيق ذواتهم والفوز بالجائزة الأولى في مسابقة موسيقية على مستوى الولايات المتحدة.

أما أحد أروع الأفلام الخالدة التي تناولت حياة السود فهو فيلم "اللون البنفسجي" (1985) من إخراج ستيفن سبيلبرغ عن رواية أليس وولكر، وقد رشح لإحدى عشرة جائزة أوسكار، وهو شرف عظيم بحد ذاته حتى ولو لم ينل أيا منها.

اشتهر بين أفلام الوسترن فيلم "مجد" (1989) من إخراج إدوارد زويك وبطولة دنزل واشنطن.

واشتهر بين الأفلام الإنسانية فيلم "سائق الأنسة ديزي" (1989) من إخراج بروس بيرسفورد وبطولة مورغان فريمان وجيسيكا تاندي، وحاز أربع جوائز أوسكار. أذكر أيضا فيلما بعنوان "المدرب كارتر" (2005) من إخراج توماس كارتر وبطولة صموئيل ل. جاكسون، وهو فيلم تربوي، إنساني وأخلاقي، يتمحور حول بناء مدرب أسود لفريق مؤلف من مراهقين ضائعين ليحقق إنجازا في كرة السلة.

نذكر أيضا فيلم "12 سنة من العبودية" (2013) من إخراج ستيف ماكوين، الذي نال ثلاث جوائز أوسكار، ويتناول قصة موسيقي أسود شاب يتعرض للاختطاف ويساق عنوة للعمل في المزارع حتى يقيد له إثبات حريته والعودة إلى أسرته بعد 12 سنة من الكفاح المضي والمآسي المؤلمة.

في القرن الحادي والعشرين، نذكر فيلم "الخادمة" (2011) من إخراج تيت تايلور، ونالت أوكتافيا سبنسر على دورها فيه جائزة أوسكار. هناك أيضا فيلم "سلما" (2014) من إخراج إيفا دوفيرني وبطولة ديفيد أويلوو عن كفاح مارتن لوثر كينغ، أحد أهم رموز الأفروـأميركيين في التاريخ، والذي كرس يوم عطلة رسمية للتذكير باستشهاده كضحية لاغتيال آثم.

يعتبر اختراق الأفرو ـ أميركيين في الآداب والفنون والعلوم والرياضة في حقبتي الخمسينيات والستينيات بوجه خاص إنجازا رائدا

​​لم ينس كوانتين تارانتينو مخرج فيلم "دجانغو طليقا" (2012) أن يضمن فيلمه مشهدا طويلا جدا في إحدى مزارع الرق، التي يواجه فيها بطل الفيلم الأسود جيمي فوكس وصديقه الأبيض كريستوف وولتز صاحب المزرعة الأبيض والعنصري لدرجة التوحش ليوناردو ديكابريو في مواجهة عنيفة لإنقاذ صبية سوداء من العبودية. ربما كان هذا أيضا الدافع لجلب المخرج فوكوا النجم الأسود دنزل واشنطن ليؤدي بطولة النسخة الجديدة من "العظماء السبعة" (2016)، وبطولة فيلمي The Equalizer (2014) و(2018) بدلا من الممثلين الأبيضين اللذين سبق أن لعبا الشخصيتين، بينما قام دنزل واشنطن نفسه بإخراج وبطولة فيلم "أسوار" (2016) عن مسرحية أوغست ويلسون، والذي فازت بطلته فيولا ديفيز بأوسكار تمثيل أفضل دور مساعد.

نذكر أيضا فيلم "ضوء القمر" (2016) من إخراج باري جنكنز وبطولة ماهرشالا علي ونعومي هاريس، وحاز ثلاث جوائز أوسكار.

أخيرا، نذكر فيلما جميلا ومؤثرا عن كفاح ثلاث نساء سوداوات بعنوان "شخصيات مخفية" (2016) يدور عن التفرقة العنصرية في وكالة الأبحاث الفضائية، وكيف حققت النساء ذواتهن وأثبتن جدارتهن، وهو من إخراج ثيودور ميلفي وبطولة تراجي بي. هنسون مع كيفن كوستنر، وهو الفيلم الذي ردَّ الاعتبار لدور الأفرو ـ أميركيات في تحقيق أحد أهم الإنجازات الأميركية المتقدمة قاطبة.

أحدث الأفلام التي تعبر عن كفاح السود هو فيلم "كتاب أخضر" (2018) من إخراج بيتر فاريللي وبطولة ماهرشالا علي وفيغو مورتينسن، ونال أوسكار أفضل فيلم في حفل 2019 عن جدارة، كما نال ممثله الأسود (للمرة الثانية) جائزة أفضل ممثل مساعد، والفيلم يتناول قصة العلاقة بين عازف بيانو أسود في الستينيات وحارسه الشخصي الأبيض وسط عنصرية بغيضة في ذلك الزمان القديم.

تاريخ الثقافة السوداء في الولايات المتحدة حقا تاريخ مشرف في مختلف المجالات، ويعتبر اختراق الأفرو ـ أميركيين في الآداب والفنون والعلوم والرياضة في حقبتي الخمسينيات والستينيات بوجه خاص إنجازا رائدا يلهم شعوب العالم النامي الصبر والإرادة لقهر الظروف التي تهيمن على بلدانهم، وتحفزهم للنضال من أجل إحياء الدساتير والقوانين بشكل عصري يحفظ حقوق المواطنين سواسية ويحقق العدل المنشود. هذا ما يمنح قيمة عالمية، وليس محلية فحسب، للاحتفال كل عام في شهر فبراير/شباط بتاريخ كفاح السود وانتصارهم.

اقرأ للكاتب أيضا: ستون عاما ونزداد شبابا

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟