شيشانيون يرقصون رقصا تقليديا
شيشانيون يرقصون رقصا تقليديا

مالك العثامنة/

كلما كنت في سهرة أو لقاء أيا كان مستواه مع أعزاء سوريين، والحديث عن الحرب وتفاصيلها يتم طرح "الشيشان" كرديف للإرهاب الوهابي البشع، ويكون الشيشاني فورا أحد نماذج العنف الدموي المتطرف والقاسي بلا تردد.

حينها، أبذل جهدا إضافيا وكبيرا لرد التهمة عن هذا الشعب النبيل، والذي تعرض ولا يزال يتعرض لإبادة لا تشمل عرقه البشري فقط، بل وثقافته وتاريخه الإنساني، وتشويهه ومسخه إلى حد أن يكون مضغة على لسان كل من يتحدث عن الإرهاب.

منهجية ربط الشيشان بالإرهاب هي آخر نسخ التشويه الممنهج الذي تقوده روسيا منذ القدم

​​رد "الشبهات" عن الشيشان لا يكفيها مقال، هي بحاجة إلى بحث وعمل وجهد إعلامي مستفيض وكاف لنفض كل هذا الركام الذي يغطي الحقائق، وهي حقائق بسيطة عن شعب قوقازي رفيع المقام في ثقافته وتاريخه، ومن المعيب أن ينتهي به الأمر على صورة قاتل دموي متطرف ومرتزق.

♦♦♦

منهجية ربط الشيشان بالإرهاب المتطرف الإسلاموي هي آخر نسخ التشويه الممنهج الذي تقوده روسيا منذ القدم، منذ عهود القياصرة ومحاولات احتلالهم لمنطقة القوقاز برمتها، وحملات الإبادة التي أغمض التاريخ أعينه عنها مثل كثير من الإبادات التي كانت طي النسيان كمحصلة لتسويات قوى عظمى ومنتصرة.

كانت النسخ الأولى لعمليات تنميط الشيشان ومسخهم بما ليس فيهم قد بدأت منذ عهد القياصرة، وقد وصفوهم بأدبياتهم ووثائقهم بالبرابرة (مع الأخذ بعين الاعتبار أن لفظ بربري نفسه تنميط تشويهي لشعب محترم في شمال أفريقيا)، وكان هناك تواطؤ استشراقي من الغرب بترسيخ تلك الصورة عبر تأكيد وصف الشيشان بالبرابرة على أن يكون الروس أنفسهم "شبه برابرة" حسب الكتالوج الغربي لمسخ الشعوب.

كانت وحشية الجنرال الروسي القيصري يرمولوف، الذي تفوق على أكبر مجرمي الحروب في التاريخ الحديث، تبيد قرى بأكملها بينما وثائق الروس تصف هذا الشعب المباد بالبربرية!

يكفي أن نعلم، وهذا موثق في التاريخ "المجهول" للحرب القوقازية الأولى، أن الروس وفي محاولة منهم لطمس تاريخ الشيشان قاموا بإلقاء كل المخطوطات المتعلقة بثقافة هذا الشعب وكل ما وجدوه في طريق استباحتهم من تلك المخطوطات في بحيرة "كازان ـ آم".

بقي الشيشان، وضمن منطق ما يكتبه "المنتصرون" برابرة متوحشون، حتى جاءت الشيوعية التي عصفت بكل ما سبق وأبقت على ذات منهجية التنميط الماسخ للشعوب، فوصفت الشيشان ورسخت لدى الجميع بأنهم شعوب "إقطاعية" من ملاكين ومزارعين أغنياء ذوي قبضة ضيقة وبخلاء (كولاك). هذا التنميط و"التمسيخ" ساهم فيما بعد لقبول الإدانة الستالينية لشعب كامل والحكم عليه بواحدة من أكبر عمليات النفي الجماعي لسيبيرياـ

لكن الدارس الحقيقي للمجتمع الشيشاني وتركيبه البسيط والقديم والمتواتر يمكن له أن يكتشف بسهولة أن هذا المجتمع لا يمكن تصنيفه بأي حال كمجتمع إقطاعي، فالتركيب الاجتماعي الشيشاني كان ومنذ القدم ضد الإقطاع نفسه.

مع بداية سقوط دولة الاتحاد السوفييتي، وبروز البيروسترويكا التي كشفت هشاشة العملاق "الحديدي"، كانت عملية التنميط قد أخذت بعدا جديدا وشكلا يتماشى مع مفهوم اللصوصية الحديثة المتمثلة بمافيات الاستفادة من الوضع القائم، فتم تنميط الشعب الشيشاني كمجموعات مافيا قاسية ودموية تتحكم بموسكو نفسها، مع أن وجود مجموعات إجرامية من هويات شعوب أخرى مثل الكازاخية والتترية والأوكرانية كان واضحا، بل إن نفوذ هذه المجموعات كان أكبر في عاصمة تتهاوى سقوطا مدويا على نفسها، إلا أن التنميط الممنهج عمل على تصوير الشيشان على شكل مافيات دموية مفرطة القسوة.

هذا التنميط كان بمثابة توطئة مناسبة وتمهيدية ملائمة جدا لما بعد ذلك، فكانت حرب الاستقلال الوطني الشيشاني بقيادة الزعيم الوطني جوهر دوداييف، بحاجة إلى ترسانة إعلامية تواجه نفوذه الشعبي المتصاعد لا عند شعوب الشيشان وحسب بل لدى شعوب القوقاز المجاورة، فتم مواجهة زعامة دوداييف بالوهابية التي تم محاولة زرعها في جغرافيا الشيشان من فلول الهاربين من بقايا حرب أفغانستان، وفي ظل دوداييف كانت هناك سيطرة على هؤلاء المتطرفين بلا وطن، وهم تشكيلة من جنسيات عربية أغلبها من السعودية، يقودها سعودي متطرف اسمه سامر بن سويلم من عرعر في السعودية.

بعد اغتيال جوهر دودايف خرج العفريت الوهابي من قمقمه لينقسم بعض الشيشان ويتحولوا إلى معسكر التطرف الإسلامي، وهذا مرده إلى الضغط الروسي الشديد والعنيف لإضعاف الأيدولوجية القومية، والتي كان آخر حراسها الوطنيين الرئيس الراحل أصلان مسخادوف، والذي حاول بلحظة يأس التوفيق بين المعسكرين، القومي والإسلامي لكنه انتهى ضحية عملية تصفية استخبارية روسية قضت على آخر قلاع القومية الشيشانية، مما جعل تنميط الشيشان بعدها كإرهابيين متطرفين إسلاميين يتبعون التيار الوهابي عملية سهلة في الإعلام الدولي.

اقرأ للكاتب أيضا: شعب الوايناخ: بذور تحت كل شمس

في الأزمة السورية مثلا، وفي حرب اختلطت فيها المصالح الدولية بكل تشعباتها، استطاع الروس وبالتواطؤ الاستخباري، من إيصال مقاتلين شيشان يائسين، متعلقين بفكرة الوهابية والخلافة على الأرض إلى الأرض السورية، لتنجح عملية تنميط شعب كامل على صورة متطرف دموي، لكن هذا التنميط لم يشمل مثلا مقاتلين شيشان تابعين للسلطة الروسية تم عسكرتهم في سوريا دفاعا عن نظام الأسد ضمن حزم مليشيات متنوعة ومختلفة هناك.

♦♦♦

في بلجيكا، قبل أربع اعوام، حضرت برفقة زوجتي "السورية الأصل" عرسا شيشانيا في قاعة أعراس، كانت زوجتي منذهلة من كل هذا الحب الكامن في الرقص بين الرجال والنساء معا، كان الرجل يرقص مثل فرس جامح والمرأة أمامه تحوم حوله مثل فراشة تتهادى، كنت أقول لها بعد أن تشجعت ورقصت هي نفسها بالعرس الشيشاني: هل يمكن للعالم أن يصدق أن هؤلاء النبلاء بعشقهم وتراثهم ليسوا متطرفين ولا قتلة؟

بعد اغتيال جوهر دودايف خرج العفريت الوهابي من قمقمه

​​كانوا يحتفون بزوجتي "وبي بنسبة أقل كوني محسوبا عليهم" كضيف مهم، وهو ما ذكرني بقول للراحل العظيم رسول حمزاتوف "الداغستاني من جبال القوقاز": "عندنا في الجبال ليس هناك ضيوف صغار وضيوف كبار. هامون وغير هامين. أصغر ضيف هام بالنسبة لنا لأنه ضيف وحسب. وأصغر ضيف يصبح أجلّ من أكبر ربّ بيت".

كان حمزاتوف مثل كل الجبليين، يتحدث عن الضيوف، لا عن الغزاة.

♦♦♦

ملاحظة على الهامش: أدين ككاتب لهذا المقال بكثير من الفضل بالمعرفة للزميل والصديق مراد بطل الشيشاني، الإعلامي البارز في محطة بي بي سي، والباحث المتخصص، والذي لا يزال يغطي بعمله المهني كل قضايا الباحثين عن الحرية من شعوب العالم على هذا الكوكب.
اقرأ للكاتب أيضا: مصر إذ تخرج عن السكة
ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.