ينظف غرفة في مستشفى في بلدة سراقب في إدلب، بعد تعرضها لغاراة من طائرات النظام السوري
ينظف غرفة في مستشفى في بلدة سراقب في إدلب، بعد تعرضها لغاراة من طائرات النظام السوري

رستم محمود/

ثمة نوع من التفاؤل يسيطر على ثلاث طبقات من المشتغلين في وعلى المسألة السورية، يذهب للاعتقاد بأن نهاية بؤر الصراع المسلح في مختلف مناطق سوريا، سيفتح المجال واسعا لأن تبزغ ملامح السلام الاجتماعي والسياسي السوري، لأن جميع طبقات ومكونات الشعب السوري قد استنزفت طاقتها أثناء هذه الحرب الأهلية الطويلة، وأن هذه الحرب أثبتت بأن أي طرف سوري لا يستطيع أن يمحق ويلغي الطرف الآخر؛ حتى لو أنتصر عليه عسكريا.

يضم طيف المتفائلين هؤلاء القوى الدولية المنخرطة في المسألة السورية، التي تعتقد بأن أي اتفاق بين النظام السوري وطرف معارض ما، سيحدث تأثيرا جوهريا على الأحوال السورية، وسيُنهي الحرب والاستبداد، وتتحول سوريا معه إلى كيان ديمقراطي. يمتد ذلك ليطال كثير من الدول العربية التي كانت تُناهض النِظام السوري، إذ صارت تتلهف للتواصل وإعادة الوشائج مع السُلطة السورية، معقدة بأن ذلك سيؤمن للنظام المظلة التي يستطيع عبرها أن يتخلى عن الهيمنة الإيرانية.

في سوريا اليوم قيح يتجاوز آمال وخِطابات المُتفائلين

​​بنفس المستوى، فإن عددا من تيارات ونخب المعارضة السورية تشعر بأن هذه العملية السياسية ستأتي بما لم يتمكنوا من نيله عبر المُعارضة المُطلقة للنِظام السوري. ومثلهم تعتقد وتستشعر النخب الثقافية السورية الموالية للنظام السوري، التي تعتقد/تتوهم بأن سبب التعقيد السياسي والحرب الأهلية إنما هو رفض العملية السياسية مع النِظام السوري.

إن كل تلك الرؤى تعبر عن ميول إراداوية للجهات التي تتبناها، أكثر مما تشكل قراءة لطبيعة العلاقات والأحوال والخصائص التي صار بها المجتمع السوري، بعد سنوات وكنتيجة للحرب الطويلة. إذ أن الأحوال السورية صارت أشبه ما تكون بقيحٍ ملتهب. فالواقع السوري يكاد أن يكون مشهدا لجمع مسببات استعصاء السلام الاجتماعي والسياسي في مختلف دول المنطقة، مصر لبنان والعراق، والكثير من الدول الأخرى.

♦♦♦

ففي سوريا الراهنة انتصرت طبقة الـ5 في المئة على باقي السوريين. فئة الأقوياء هذه، المؤلفة من قادة الجيش والأجهزة الأمنية وكبار التجار والصناعيين، والمتحالفة مع الأقوياء الرمزيين، من فنانين ومثقفين موالين ورجال دين وأبناء العائلات المدينية، التي كانت مُسيطرة على الحياة العامة السورية على الدوام. لكنها في سنوات الحرب أثبتت جبروتها العسكري العنيف، ومتانة وشائجها مع القوى الإقليمية والدولية، وبدا استحالة تغيرها أو مشاركتها غنيمتها المُستحوذة، ملكية الدولة.

هذا التموضع المصري في الواقع السوري الراهن، إنما سيبقى أغلب الظن ويحيى لأجيال كثيرة. فالمنتمون إلى الطبقة الذهبية السورية اقتنعوا بأنهم محكمون بمصير مُشترك، بالرغم من اخلاف مواقعهم وانتماءاتهم وأيديولوجياتهم، لكنهم جميعا مصنفون في خانة الأقوياء، حيث يساهم كل واحد منهم في مساندة وتأمين استقرار موقع الآخر ومكانته الاستثنائية في السلم الاجتماعي الاقتصادي الرمزي السوري، الذي فيما لو تصدع فإن كل هؤلاء سيفقدون ويتساقطون من مواقعهم.

في سوريا عنف لا يمكن تصريفه وتجاوزه وغفرانه بأي توافق سياسي

​​لا يُعقل بأي منطق أن تتخلى هذه الطبقة عن روابطها ومكانتها عبر أي توافق أو عقد سياسي بينها والطبقة التي هُزمت في الحرب أمامهم. وغالبا فإنها ستزيد من نفوذها وفارق القوة الذي يفصلها عن المهزومين، لأن هؤلاء الأخيرين قد صاروا فوق هزيمتهم فاقدين لأي أمل بأن يُحدثوا توازنا ما في سلم القوة السوري.

كذلك ثمة في سوريا اليوم فيض من قادة المليشيات والفصائل والعصابات التي ساهمت في تأسيس هذا النظام السياسي الجديد، وتلك المساهمة يجب أن توفر لهم (قادة الميليشيات) شبكة من الحقوق والمواقع والقطاعات الاحتكارية، وأن يكون لهم الكثير من الحقوق في تحويل رأسمالهم العصاباتي الحربي إلى رساميل مالية وسياسية واجتماعية، وأن يكون النظام العام الجديد متكفلا بسلاسة ذلك التحول، وإلا فأنهم سينتفضون عليه ويحطمونه.

شيء شبيه لما جرى لبنانيا عقب نهاية الحرب الأهلية الطويلة، حينما أعاد قادة الميليشيات والمحاور ترتيب مواقعهم، وتقاسموا سياسيا واقتصاديا وقطاعيا ما كانوا يتصارعون عليه عسكريا، بحيث صار العقد الاجتماعي/السياسي اللبناني قائما ومُصانا حسب روابط التكافل الداخلي المتين بين أبناء هذه الطبقة.

القضية الأكثر إشكالية سوريا في هذا السياق، هي أن قادة الميليشيات السورية هؤلاء يجمعون جملة من الخصائص الاجتماعية والنفسية والطبقية والتعليمية، متدهورة بما لا يُقارن بما كانت عليه "نخب" قادة المليشيات اللبنانية. إذ لا يمكن في هذا السياق مقارنة أبو محمد الجولاني بنبيه بري مثلا، ولا "أبو علي سجو" بوليد جنبلاط، وطبعا ليس من العدل مساواة سهيل الحسن ببشير الجميّل...إلخ.

بهذا المعنى، فإن الأحوال السورية، فيما لو انقلبت في لحظة ما، وتحولت مما هي عليه من حرب، لتكون صراعا باردا بين هذه الأطراف، وحسب تلك الشروط والخصائص والسياقات الموضوعية، فإنها لن تكون أقل فظاعة وإطاحة بحقوق ومكانة ودور السواد الأعظم من السوريين. شيء أكثر تدهورا مما هي عليه الحياة العامة اللبنانية راهنا، حيث الدولة هي صيغة ومنصة لتقاسم مغانم وقوة الدولة بين قادة الطوائف، الذين كانوا حتى يوم قريب قادة محاور.

في سوريا الراهنة انتصرت طبقة الـ5 في المئة على باقي السوريين

​​في سوريا اليوم أيضا عنف لا يمكن تصريفه وتجاوزه وغفرانه بأي توافق سياسي، هذا فيما لو حدث هذا الأخير أصلا. العنف السوري الذي يتوزع كنظيره العراقي على عدة مستويات: عنف في الذاكرة، حاضر ومرير، يعتصر خلجات الملايين من ذوي مئات الآلاف من الضحايا، الذين سقطوا دون أن يكون لهم ذنب سوى أنهم ينتمون لتلك الطائفة أو القومية أو الجماعة. ذوو الضحايا الذين يرتبون وعيهم عادة بنمط من التضاد مع جماعة وطائفة التي يعتقدون بأنها أطاحت بذويهم، واعتبارهم العدو المطلق والدائم.

كذلك في سوريا اليوم العنف الحاضر، مئات الآلاف من الجرحى والمعوقين والذين دُمرت بيتهم وحيواتهم البسيطة ومصادر رزقهم، هؤلاء أيضا لن يقل انفعالهم المضاد للجماعة والطائفة والقومية التي يعتبرون أبناءها سببا في مأساتهم اليومية.

في سوريا اليوم قيح يتجاوز آمال وخِطابات المُتفائلين، ويتجاوز التفكير الساذج بإمكانية عودة سوريا كدولة مركزية موحدة يحكمها شخص أو حزب ما عبر انتخابات ودستور عام، هذا الشيء الذي كان شبه مُستحيل في ذروة أيام سلمية الثورة السورية، فكيف به بعد كُل هذه الجبال من الآلام وهذه البحور من الدماء!

اقرأ للكاتب أيضا: 'عصابة سوسورلوك' التي ستحكم سوريا

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟