باكستانيات ضحايا هجمات بالأسيد يحتفلن بيوم المرأة العالمي
باكستانيات ضحايا هجمات بالأسيد يحتفلن بيوم المرأة العالمي

حسين عبدالحسين/

في التقرير الصادر عن "البنك الدولي" حول المساواة بين الرجل والمرأة، في عالم الأعمال والحقوق القانونية، احتلت المراتب العشرين الأخيرة 17 دولة إسلامية، منها 12 عربية.

ويذهب نفر من الخبراء الغربيين في تفسيرهم بعض ظواهر العنف عامة، واضطهاد المرأة خاصة في الدول العربية والإسلامية، إلى اعتبار أن المشكلة هي في النصوص الإسلامية، بما فيها آيات كتاب المسلمين نفسه، وأن أي إصلاح أو تطوير عربي أو إسلامي، يتطلب إلغاء عدد كبير من هذه النصوص، بما في ذلك اعتبار بعض الآيات منسوخة لأنها تنتمي إلى زمن غابر عاش فيه مجتمع مغاير.

لكن إلقاء الملامة على النصوص الإسلامية، بما في ذلك القرآن، فرضية فيها ثغرات، إذ لو كانت هذه النصوص هي سبب المشكلة، فكيف نفسر حلول دول مثل ألبانيا، ذات الغالبية المسلمة، في المرتبة 34 في العالم؟ وكيف نفسر حلول تركيا في المركز 89، والمغرب في المرتبة 123، بعيدا عن القعر الذي تحتله الدول الإسلامية والعربية؟ وللمقارنة، حلت فرنسا أولى، والولايات المتحدة ثالثة وستين.

ليس تأخر المسلمات والعربيات قدرا

​​ومن المفارقات التي تنسف الفرضيات المتداولة حول أسباب التأخر الإسلامي والعربي، حلول لبنان، البلد الذي ينظر إلى نفسه وينظر إليه غالبية العرب على أنه معقل التحرر للنساء، في المرتبة 151.

ليس تأخر المرأة عن الرجل، والظلم في مساواتها به، من صنع النصوص الدينية الإسلامية، ولا المسيحية أو اليهودية، ولا هو من الموروثات الثقافية العربية، بل هو صنيعة الحكومات والقوانين، وإلى حد ما، المجتمعات.

لبنان، مثلا، كسائر نظرائه العرب، يمنح المواطنة لأولاد اللبناني، ويحجبها عن أولاد اللبنانية. وفي لبنان أيضا، يمنح اللبناني زوجته الأجنبية جواز سفره اللبناني، ولا تمنح اللبنانية زوجها الأجنبي جواز سفرها اللبناني.

هكذا، لا يهم التحرر المجتمعي النسبي الذي يعيش فيه اللبنانيون، مقارنة بباقي العرب، إذ أن التأخر المفروض على اللبنانية باق بقوة القوانين وسيطرة الذكور على هذه القوانين، وتمسكهم باعتقاد أنهم أوصياء على الوطن وعلى إناثه. ومن يعرفون النشيد الوطني اللبناني، قد لا تفوتهم الذكورية الفاقعة التي تسوده، مثل في عبارات "سهلنا والجبل منبت للرجال" و"شيخنا والفتى عند صوت الوطن".

ومثل لبنان، يقود ذكور العراق دولتهم نحو المزيد من تأخر المرأة، ويسيرون على خطى "الجمهورية الإسلامية في إيران"، إذ منذ أهدت الولايات المتحدة العراقيين حريتهم من حاكمهم صدام حسين، يسعى بعضهم لإقرار قوانين جديدة للأحوال الشخصية: قانون يلغي الزواج المدني ويسمح بتعدد الزوجات بلا موافقة الزوجة الأولى، وآخر لتخفيض سن الزواج من 18 إلى 9 سنوات، فيسمح للقاصرات بالزواج، ويدفعهم للانخراط بسرعة في المجتمع الحربي العنيف الذي أنتجته إيران في العقود الأخيرة، وحولت فيه النساء إلى "زينبيات"، يقتصر دورهن على إنجاب مقاومين، وإطعامهن، وإدارة شؤون البيت في غيابهم.

حتى يصل الحكماء والإصلاحيون إلى مراكز القرار، ستبقى دول العرب والمسلمين في قعر التصنيفات العالمية

​​و"الجمهورية الإسلامية في إيران" هي من أكثر دول العالم تبجحا بأنها تنصف النساء، وتمنحهن حقوقهن. ويشير أنصار النظام الإيراني، من الإيرانيين والعرب، إلى أن إيران تتفوق على ما يسمونها "المملكة القروسطوية"، أي السعودية، في حقوق النساء، لكن واقع الحال يبدو سباقا نحو الهاوية بين إيران، التي حققت ـ حسب البنك الدولي ـ 31 درجة فقط في التقرير، مقابل 26 درجة للسعودية، وهو فارق ضئيل دفع بالدولتين إلى قعر الترتيب العالمي.

ليس تأخر المسلمات والعربيات قدرا، ولا هو بسبب الدين، ولا المجتمع، بل سببه مزيج من كل المذكور أعلاه، يعززه غياب القيادة السياسية الحكيمة والنزيهة، إذ أن بعض قادة الدول الإسلامية والعربية يلحقون بأهواء المتطرفين لتفادي التكلفة السياسية المطلوبة لمواجهتهم، وخوض معارك لتحرير المرأة من قبضتهم.

وحتى يصل الحكماء والإصلاحيون إلى مراكز القرار، ستبقى دول العرب والمسلمين في قعر التصنيفات العالمية، لا في حقوق النساء فحسب، بل في سائر أصناف حقوق الإنسان والحريات، وسيبقى عدد كبير من النسوة رهينات الظلم الذكوري، يعيشنه مرغمات، ويقدمن أنفسهن وكأنهن سعيدات في ظلّه، فيما الحقيقة هي أن لا صوت لهن إلا بتأييده وتعزيزه.

اقرأ للكاتب أيضا: الأسد رئيس بلا بلد

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟