اعتصام ضد القمع في بيروت
اعتصام ضد القمع في بيروت

د. نجاة السعيد/

من المسلم به عالميا أن الحق في حرية التعبير هو حق إنساني أساسي له أكبر قدر من الأهمية. حرية التعبير هي مفتاح الإنسان لحقوقه الأساسية وكرامته. وفي الوقت نفسه، من المتعارف عليه عالميا أن هذا الحق ليس حقا مطلقا وأن كل ديمقراطية أسست قيودا على حرية التعبير خاصة عندما يتعلق ذلك بأمنها القومي.

إن أكثر ما يميز العالم الغربي عن العربي هو سن القوانين التي تحمي الدولة والفرد، وبالتالي لا الدولة تستغل غياب القوانين بقمع حرية التعبير ولا الأفراد يستغلون غياب القانون لخدمة أغراضهم الشخصية باسم الحرية.

تاريخيا، كثيرا ما استخدمت الحكومات الأمن القومي للحد من حرية التعبير وقد لعب القضاء دورا رئيسيا في معالجة هذا التوتر وحله من خلال ممارسة التوازن بين الأمن القومي وحماية حقوق الإنسان، بما في ذلك حرية التعبير وفق شروط ومعطيات معينة.

لقد سمح العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية ببعض القيود على الحقوق والحريات الأساسية، بما في ذلك حرية التعبير، شريطة أن يحدد القانون هذه القيود لخدمة هدف مشروع معين كحماية الأمن القومي. فالمادة 19 لا تضع قيودا على حرية التعبير إنما تحدد الشروط التي بموجبها تقيد حرية التعبير بشكل مشروع، وقد نصت الفقرة الثالثة من هذه المادة على: "إن الشروط التي يمكن بموجبها تقييد حرية التعبير بشكل مشروع وقانوني: 1) احترام حقوق الآخرين وسمعتهم؛ 2) لحماية الأمن القومي". 

ينبغي نص قوانين واضحة ودقيقة في الاتفاقات الدولية فيما يتعلق بحرية التعبير والصحافة في حالة اصطدامها بالأمن القومي

​​الأمن القومي هو أحد أهم الأسباب للحد من الحق في حرية التعبير. تعرف أبحاث درست العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية مصالح الأمن القومي الشرعية على أنها تهدف إلى "حماية وجود الأمة أو سلامتها الإقليمية أو استقلالها السياسي ضد أي قوة مهددة".

فهناك ثلاثة أنواع من الخطابات التي قد تؤثر على الأمن القومي بموجب القوانين الدولية لحقوق الإنسان: خطاب التحريض وخطاب الكراهية والكلام المسيء. لتقييم وتحديد ما إذا كان التحريض قد حدث، اقترحت المادة 19 أن تقوم المحاكم والجهات الفاعلة بمراجعة العناصر التالية: السياق: هل هناك تاريخ من العنف والتمييز والرقابة يستهدف بشكل خاص مجموعات محددة؟ المتحدث: هل لديه تأثير؟ هل شغل منصبا في السلطة؟ هل يمكنه التأثير على الجمهور؟ الخطاب: هل هناك دعوة مباشرة لتحفيز الجمهور للتصرف بطريقة معينة؟ هل الخطاب استفزازي أو تحريضي؟ الوسيط المستخدم: هل هو عام؟ متكرر؟ يصل إلى جماهير عريضة؟ الجمهور: ما حجمه؟ كيف يستجيب للمتحدث؟ هل بإمكانه تطبيق الخطاب؟

فبموجب القوانين الدولية حرية التعبير قد تعد تحريضا في حال كان المتحدث شخصا قد شغل منصبا رسميا في السلطة؛ وهنا نتساءل هل الذي قام به جمال خاشقجي بمهاجمة الدولة السعودية على صحيفة أجنبية قانونيا؟ لا أحد ينكر أن الذي حدث لخاشقجي داخل القنصلية السعودية في تركيا جريمة بشعة وسيعاقب من ارتكبها بأشد العقوبات، لكن ماذا عن المخالفات القانونية التي مورست أثناء عمله في جريدة واشنطن بوست، هل هذا يعد عمل صحافي وحرية تعبير؟

فجمال خاشقجي لم يكن مجرد صحافي سابق في بلده أو رئيس تحرير سابق، بل عمل منذ العام 2004 مستشارا إعلاميا للأمير تركي الفيصل (السفير السعودي في لندن ومن ثم في واشنطن ومن قبل كان مدير الاستخبارات السعودية). كما أن تغطيته للحرب في أفغانستان لم تكن مجرد تغطية صحافية بقدر ما كانت استخباراتية. أي أن هناك أسرار دولة في جعبته، ثم اتضح أنه متعاطف ومؤيد للحركات الإسلامية مثل جماعة الإخوان المسلمين، كما ذكر بيتر بيرغن، الخبير في شؤون تنظيم القاعدة في مركز أبحاث أميركي في مقابلة معه. 

ووفقا لكتاب بيتر بيرغن، "أسامة بن لادن الذي أعرفه"، كان خاشقجي موجودا مع المتعاونين مع بن لادن، وقد سافر على نطاق واسع مع زعيم القاعدة في أفغانستان، وكتب الملامح الأولى له لمجلة سعودية عام 1988.

إذا حسب القوانين الدولية المنصوص عليها، لدى جمال خاشقجي جمهورا عريضا يؤثر عليه من خلال مناصبه السابقة والفرص والعلاقات التي أتيحت له من خلال عمله مع الحكومة السعودية وهذا التأثير أصبح فعالا أكثر من خلال المنصة الإعلامية العالمية التي كان يكتب بها وقد استغلتها واشنطن بوست لزيادة عدد قرائها.

إضافة إلى ذلك، اتضح أن من يكتب مقالات خاشقجي في واشنطن بوست ويراجعها ماغي ميتشل سالم، المديرة التنفيذية لمؤسسة "قطر الدولية"، وقد حاولت ماغي تبرير ذلك بأن خاشقجي كان صديقا لها ولم يكن متمكنا من الإنكليزية بما يكفي. فهذه مخالفة قانونية أخرى وهي تجنيد دولة معادية لموظف دولة سابق لتبني مواقفها وأجندتها السياسية.

لقد ذكر جيم هانسون، رئيس مجموعة الدراسات الأمنية، في منتدى الشرق الأوسط: "جمال خاشقجي ليس صحفيا ولم يكن صحفيا، فقد كان موظفا في السعودية. فالمسؤولين في صحيفة واشنطن بوست إما لم يقوموا بأداء واجبهم بالتحري عنه أو أنهم لم يهتموا بأن خاشقجي كان تحت تأثير قطر بشكل مباشر. فقد كان عليهم إبلاغه بذلك مسبقا وعدم السماح له بفعل ذلك. فعندما تمت الإغارة على شقة خاشقجي في تركيا بعد مقتله وجدوا تحويلات بنكية من قطر وهذا الخبر كان في وسائل الإعلام التركية. وبعد ذلك تمكنت وسائل الإعلام التركية وبمساعدة من قطر من خلق تلك الهجمة الإعلامية التي استمرت لأشهر ضد السعودية".

كثيرا ما استخدمت الحكومات الأمن القومي للحد من حرية التعبير

​​هناك مواد عديدة في القوانين الأوروبية والأميركية توضح أن حرية التعبير لها قيود وليست مطلقة. فالمادة 10 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان تحمي أنواع التعبير المختلفة، لكن هناك حالات يمكن فيها للدولة أن تفرض شروطا وقيودا معينة على ممارسة هذا الحق. فبناء على هذه المادة هذه الحريات تتضمن واجبات ومسؤوليات. لذا يجوز إخضاعها لشكليات إجرائية، وشروط، وقيود، وعقوبات محددة في القانون حسبما تقتضيه الضرورة في مجتمع ديمقراطي، لصالح الأمن القومي، وسلامة الأراضي، وأمن الجماهير وحفظ النظام ومنع الجريمة، واحترام حقوق الآخرين، ومنع إفشاء الأسرار.

أيضا نجد قانون فارا الأميركي يتطلب الإفصاح من الأشخاص الذين يعملون مع جهات أجنبية سياسية أو شبه سياسية وإعطاء تقرير دوري بالنشاطات التي يقومون بها مع تلك الجهة الأجنبية، بالإضافة إلى الأنشطة والإيصالات والمدفوعات لدعم تلك الأنشطة، وفي حالة مخالفة القانون هناك غرامة مالية تصل إلى 4.6 مليون دولار.

ففي حالة قضية خاشقجي نجدها تتضمن إفشاء الأسرار وكذلك لم يفصح للجهات السعودية التي عمل بها سابقا عن نشاطاته مع الجهات الأجنبية والأنشطة والمدفوعات التي كانت تصله منهم.

فقد كان مستشارا لسفير ومدير استخبارات سابق في السعودية ومن ثم أصبح، ليس فقط وكيلا لجهة أجنبية، بل مجندا من قبل دولة معادية للسعودية. إضافة إلى ذلك، فبحسب مصادر أميركية كان خاشقجي يعتزم تأسيس منظمة "الديمقراطية من أجل العالم العربي الآن" وكان الهدف منها جمع المنفيين العرب بعد الربيع العربي والمعارضين السعوديين المنتشرين في العواصم والمدن العالمية المختلفة والاستفادة منهم من خلال تجنيدهم بجيوش إلكترونية لتكون تحديدا ضد السعودية.

هناك مواد عديدة في القوانين الأوروبية والأميركية توضح أن حرية التعبير لها قيود وليست مطلقة

​​فلو نظرنا إلى ما تم فعله، فهذا يدخل في عدة خروقات قانونية أهمها: قضايا تسريب معلومات، خيانة الأمانة الوظيفية، التآمر على نظام الحكم، التجسس لصالح أطراف معادية (تركيا وقطر)، إثارة الفتنة وتفتيت المجتمع، تهديد السلم الاجتماعي.

نجد أن كثير من الدول الغربية سنت قوانين تنظم حرية التعبير لخدمة الأمن القومي وهذه القوانين يركز عليها في حالات الاضطرابات والصراعات والحروب. فمثلا في الولايات المتحدة الأميركية، أثبتت المحكمة العليا عدم فعاليتها إلى حد كبير في مكافحة الخوف بعد أعقاب هجمات 11 أيلول/سبتمبر الإرهابية والحرب اللاحقة على الإرهاب. ونتيجة لذلك، كانت حماية التعديل الأول في الدستور الأميركي الذي يتضمن حرية التعبير ضعيفة بشكل ملحوظ في أعقاب التشريع لتنفيذ الضغوط المرتبطة بمحاولة منع أي هجوم مستقبلي. 

فقد مارست حكومة الولايات المتحدة انتهاكا للحريات الأساسية بهدف توفير الأمن القومي من خلال الإجراءات التنفيذية المباشرة والتشريعات التي سنها الكونغرس بعد هجمات 11 أيلول/سبتمبر الإرهابية، و"الحرب على الإرهاب" ومن ثم الحملات اللاحقة بعد الحرب في أفغانستان والعراق. 

كذلك كانت أعمال الجيش خلال "الحرب على الإرهاب" بمثابة إلغاء للتعديل الأول في الدستور وخاصة فيما يتعلق بحرية الصحافة. جرت هذه الممارسات بموجب قانون باتريوت الأميركي لعام 2001 وقانون تمديد باتريوت صنسيت (PATRIOT ACT SUNSETS) لعام 2011. وقد تم سن قانون باتريوت الأميركي من أجل منح صلاحيات موسعة لوكالات الاستخبارات والتي تتعارض مع حرية التعبير المنصوصة في الدستور. وهذا جعل لدى الجيش الأميركي استراتيجية إعلامية شاملة أثناء غزو العراق في عام 2003. كان الوصول إلى الصحافة محدودا، وتم فرض منطقة استبعاد يبلغ طولها 75 ميلا، وتم دمج التقارير مع وحدات الجيش.

إننا لا نجد مثل هذه الاستراتيجيات الإعلامية في الدول العربية مع أنها مرت باضطرابات كثيرة واختراقات أمنية كبيرة خاصة بعد الربيع العربي وأزمة قطر. إن تجريم حرية التعبير في مثل هذه الظروف تعد مشكلة من وجهة نظر القانون الدولي إن لم تكن منصوصة بشكل قانوني واضح لأنها قد ينظر إليها أنها قيد لحرية التعبير.

لذلك ينبغي نص قوانين واضحة ودقيقة في الاتفاقات الدولية فيما يتعلق بحرية التعبير والصحافة في حالة اصطدامها بالأمن القومي وهذا ما ينقص كثير من الدول العربية. فالقيام بذلك ليس فقط لحماية الدولة بل لحماية الأفراد خاصة الصحافيين المعنيين حقا بمصالح بلادهم.

سن هذه القوانين سيميز بين الصحافيين الراغبين في ممارسة دور الرقيب لخدمة الوطن والمواطنين والآخرين المسيئين لاستخدام حرية التعبير من أجل مصالح شخصية وأجندات دول أخرى مستفيدة.

اقرأ للكاتبة أيضا: لمن حرية التعبير في أميركا؟

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.