سوداني يمتطي جملا بالقرب من أهرامات بنيت في عهد مملكة "كوش" في صحراء مروي في السودان
سوداني يمتطي جملا بالقرب من أهرامات بنيت في عهد مملكة "كوش" في صحراء مروي في السودان

بابكر فيصل/

نبيل فياض كاتب سوري متخصص في تاريخ الأديان، نشرت له العديد من الأبحاث والكتب المتعلقة بالديانتين الإسلامية واليهودية، وهو أيضا أحد المؤسسين لحركة عدل (علمانيون ديمقراطيون ليبراليون).

في مقدمة كتابه "يوم انحدر الجمل من السقيفة" والتي جاءت تحت عنوان "صحوة أم صحوة "موت"!؟" تحدث فياض عن مستقبل ما أسماه "الإسلام السني ـ الأشعري" في القرن الحادي والعشرين وفي ظل سيادة العولمة، متوقعا أن تلك النسخة من الإسلام لن تدوم وستنتهي مع انتهاء النفط وسيطرة البدو على العقل في المنطقة.

عندما نضع نبيل فياض في مكانة واحدة مع الفاشيين والنازيين فإننا لا نتجنى عليه

​​قال فياض: "ولا نشك للحظة أن عموم السنة الأشعريين سينتهون إما إلى مذهب إسلامي آخر أو كعلمانيين أو إلحاديين. قد تظل هنالك جزر سنية أشعرية معزولة في هذا المكان أو ذاك، لكن تلك المناطق ستكون محددة بالشعوب المعاقة فيزيولوجيا عن صيرورة التفكير، وهكذا تتحد الإعاقة الفيزيولوجية بالإعاقة الدوغمائية ليتولد بالتالي أصلب العقائد سكونية فكريا وأعصاها على الصيرورة حركيا، وخير أنموذج على ذلك إسلام السودان الحالي. بكلمة واحدة: سيصبح الإسلام في القرن القادم، على الأرجح، دين الزنوج القومي!".

يبدو جليا من الاقتباس أعلاه من المقدمة التي خطها يراع فياض أنه يعتبر أن السودانيين أو الأفارقة على وجه العموم (الزنوج) يندرجون تحت مظلة الشعوب "المعاقة فيزيولوجيا"، بمعنى أنها تفتقد بالطبيعة الخَلقية للقدرات العقلية التي تمكنها من التفكير المنطقي السليم، وبالتالي فهي ستكون الملاذ الوحيد للإسلام السني ـ الأشعري الذي وفقا لما يُستنتج من كلامه لا يتناسب إلا مع طبيعة الشعوب المتخلفة عقليا والجامدة فكريا.

السلوك العنصري ينطوي على اعتقاد مستبطن أو مكشوف بأن هناك صفات وعناصر عضوية موروثة بطبائع الناس وقدراتهم بسبب انتمائهم لجماعة أو شعب أو عرق ما، ويأتي في مقدمة تلك الصفات الطبيعية ـ بحسب رأي العنصريين ـ محدودية القدرات العقلية والذهنية وما يرتبط بها من سمات سلوكية سالبة، وهو الأمر الذي تترتب عليه العديد من النتائج التي تبرر التمييز ضد تلك الجماعات والشعوب والأعراق.

مما يستغرب له أن كاتبا يحمل صفات (علماني ديمقراطي ليبرالي) يكتب بهذه اللغة العنصرية الفظة في إطار نقده لأفكار دينية يرى أنها لم تولد سوى الإقصاء والانغلاق والجمود، وهذه مفارقة تستعصي على الفهم والإدراك، ذلك لأن نظرته العنصرية الاستعلائية تجاه "الزنوج" لا تتماشى مع ثالوث الصفات التي يدعي أنها تنطبق عليه، فالشخص العلماني الديمقراطي الليبرالي هو بالضرورة ليس متزمتا أو إقصائيا أو عنصريا.

النظرة العنصرية تجاه الأفارقة والسود ليست جديدة، فقد ظلت موجودة طوال التاريخ وما زالت آثارها باقية حتى اليوم، وقد عبَّر عنها ابن خلدون في "المقدمة" بالقول: "قد رأينا من خلق السودان على العموم الخفة والطيش وكثرة الطرب فتجدهم مولعين بالرقص على كل توقيع موصوفين بالحمق في كل قطر" وعزا سبب ذلك السلوك "لانتشار الروح الحيواني وتفشيه".

أما نبيل فياض فقد حذا حذو جالينوس ويعقوب بن إسحاق الكندي اللذان أرجعا صفات "الخفة والطيش" لضعف أدمغة الأفارقة وما نشأ عنه من ضعف عقولهم، وهذا هو نفس المبرر الذي وقف وراء حملات الاستعمار الأوروبي لإفريقيا في القرن التاسع عشر والتي حملت شعارا براقا زائفا هو "عبء الرجل الأبيض"، وهو الشعار الذي أخفى أطماع البيض في نهب ثروات القارة السوداء تحت حجة المسؤولية الأخلاقية للأوربيين في إخراج الأفارقة البدائيين من ظلام الكهوف والتخلف إلى أنوار الحضارة والعمران.

قد قامت براهين علمية كافية على أن الفوارق النوعية بين الشعوب في الفاعلية أو طرائق التفكير أو أساليب التعامل أو مهارات الحياة لا تعود إلى اختلاف بيولوجي جيني "عرقي" وإنما تُعزى للعديد من التمايزات في البنى الاجتماعية والبيئات الثقافية والأنظمة السياسية التي تسببت فيها عوامل تاريخية وجغرافية ودينية ليس من بينها اختلاف الأعراق.

إن اعتقاد فياض بوجود شعوب "معاقة فيزيولوجيا" عن صيرورة التفكير بطبيعتها (الشعوب الأفريقية في هذه الحالة) مما يجعلها غير مؤهلة لإعمال عقولها من أجل الارتقاء في سلم الحضارة، يضعه في صف واحد مع أصحاب نظرية "النقاء العرقي" من النازيين والفاشيين الذين يدَّعون أن العرقين الجرماني والروماني يتمتعان باصطفائية طبيعية خاصة ومتميزة عن جميع الشعوب (بما فيها الشعب السوري) التي تقع في منزلة أدنى منهما.

ونحن عندما نضع نبيل فياض في مكانة واحدة مع الفاشيين والنازيين فإننا لا نتجنى عليه، فهو إذ يؤمن أن البشر غير متساوين بالطبيعة إنما يتشارك مع أولئك في نفس الرؤية للحياة، فها هو الفوهرر أدولف هتلر يؤكد أن "قاعدة وجهة النظر الوطنية ـ الاشتراكية حول الحياة هي رؤية انعدام الشبه بين البشر!".

ومن ناحية أخرى، فإن نظرة فياض للسودانيين والأفارقة تنم عن جهل عميق ليس فقط بحقائق العلم التي تنفي تفاوت البشر في القدرات العقلية بطبيعتهم، بل بوقائع التاريخ التي تؤكد أن تلك الشعوب المتهمة بالقصور العقلي والضمور الفكري قد شيدت حضارات عظيمة سادت لفترات تاريخية طويلة سبقت العديد من الشعوب الأخرى.

أهرامات في صحراء مروي، شمالي الخرطوم، بنيت في عهد مملكة "كوش" قبل حوالي 4000 عام

​​إذ شيّد السودانيون حضارة "كوش"، وهي كلمة إغريقية تعني بلاد ذوي الوجوه السوداء أو المحروقة بالشمس، بممالكها الثلاث (كرمة ونبتة ومروي) قبل حوالي 4000 عام، وهي الحضارة التي وصلت أوج هيمنتها بين القرنين الثامن والرابع قبل الميلاد، لتصبح إمبراطورية شاسعة يصل نفوذها إلى سواحل البحر الأبيض المتوسط شمالا، وأعماق إفريقيا جنوبا، وهو ما أتاح لها مساحة هائلة، ساهمت في تبادل المعارف من فنون وهندسة ولغات وأديان. وما تزال آثار تلك الحضارة المتمثلة في المباني والأهرامات والمعابد قائمة حتى اليوم.

وتسجل التوراة بعض الأحداث التي تمجد تاريخ ملوك كوش الذين حكموا مصر وحاربوا الآشوريين في مصر وفلسطين. ومنهم ترهاقا العظيم الذي وردت الإشارة إليه بالاسم مرتين في التوراة. مرة في سفر الملوك الثاني ومرة بسفر أشيعاء.

نظرة فياض للسودانيين والأفارقة تنم عن جهل عميق ليس فقط بحقائق العلم

​​وقد اشتهرت مملكة مروي بالاستثمار في صناعة الحديد والمشاركة الفعالة في التجارة العالمية مع الهند والصين، وهو ما جعلها تستقطب عمال التعدين من كل أنحاء العالم، ولهذا السبب أطلق عليها المؤرخون اسم بيرمنغهام إفريقيا بسبب إنتاجها الهائل للحديد وتصديره خاما ومصنعا.

ومثلما كانت "زنوبيا" السورية "حاكمة وطنية ـ حضارية أشادت عاصمة أسطورية عجزت عن إزالتها كل عوامل البغي والتصحر، وكونت جيشا كاد أن يسحق روما بعظمتها وسطوتها"، فإن ملكات سودانيات عظيمات اعتلين عرش الدولة المروية واستطعن أن يحكمن لفترات طويلة، وعلى رأسهن الملكة "أماني ريناس" التي حكمت مروي لخمسة وعشرين وعاما حققت خلالها انتصارات عديدة على الرومان.

صحيح أن تلك الحضارة السودانية قد اندثرت ولكن هذا الأمر ليس استثناء في تاريخ الشعوب، فالحضارات تمر بمراحل نمو وازدهار ثم تراجع وانهيار، وهو ما حدث بالنسبة للحضارة المصرية واليونانية والبابلية والعربية وغيرها، مما يعني أن التراجع الحضاري لا يدل على وجود إعاقة عقلية موروثة لدى الشعب المعين، ولكنها سنّة التاريخ الماضية في كل الأزمان.

اقرأ للكاتب أيضا: في تناقضات الخطاب الوهابي

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

(FILES) In this file photo taken on February 4, 2020, Iraqi students hold hands and chant as they march in an anti-government…
تظاهرة طلابية في العراق في فبراير الماضي

قد تُقدِّم الأزمة الاقتصادية التي تحيط بالعراق بسبب تراجع أسعار النفط، وبالتالي انكشاف هشاشة القطاعات الاقتصادية وتبلّد حلولها، لمحة عن المشكلة العراقية، لكنها ليست جوهر المشكلة على أية حال. فسعر النفط سوف يرتفع لا محالة، ويمكن حينها تعويض القطوعات في المرتبات، والمضي قدما نحو ضخ الآلاف من الشباب إلى مكاتب البطالة المقنعة بلا إنتاج، أو لتعظيم أعداد القوات الأمنية والعسكرية المليونية، أو حتى لاستئناف حفلات التقاسم الحزبي التقليدية لصفقات الوزارات وقوت الناس وإهدار المزيد من فرصهم.

الفشل الحكومي الممتد للسنوات السابقة كان قد أوفى نذوره بوضع الحكومة الحالية أمام امتحان سداد مرتبات الملايين من الموظفين والمتقاعدين الذين يعتمدون في حياتهم على رواتب الدولة، وذلك ليس خبرا مفزعا إذا ما كان بداية لولادة رؤية اقتصادية قائمة على تنويع مصادر الدخل، واستثمار طاقات الشباب في الإنتاج الزراعي والصناعي وسط رعاية حكومية. والحقيقة أن هذا التحدي ـ على فداحته ـ لم يكن السبب الذي دفع البيئة الحزبية العراقية إلى إنتاج حكومة من خارج سياقها وأمومتها الكاملة.

الصراع الأميركي ـ الإيراني، على ما اكتنف من خطورة، ليس بدوره أساس المشكلة العراقية، فقواعد الاشتباك تتغير إقليميا ودوليا باستمرار، ومن يتهم الحكومة الحالية اليوم بأنها أميركية، قد يتهمها غدا بأنها إيرانية، لأنه ينطلق، في نهاية المطاف، من رؤية كانت على الدوام تحلل الحدث العراقي بمعزل عن صيرورته الذاتية، متجنبة طرح المسائل الكبرى التي تدفع ببلد تاريخي مثل العراق إلى أن يكون مجرد قضية إقليمية ودولية.

لم يكن ثمة حكم طوال القرن العشرين إلا وكان نتاجا لعدم نجاح الدولة في كسب ثقة كلّ شعبِها بها أو في الأقل معظمهم

يمكن المجادلة طويلا مع "الخبراء" الذين جمعوا أذيال السياسة والإعلام والاقتصاد والاجتماع وعلم النفس في وسائل التواصل الاجتماعي، لتقديم الدروس والعبر والنصائح منذ اليوم الأول لتشكيل حكومة مصطفى الكاظمي، كما يمكن القبول باستشراء القفز الحر إلى الاستنتاجات استنادا إلى الأمنيات حينا وإلى التخندق أحيانا أخرى، لكن لا يمكن أبدا القبول بانطباع مُشوَّش يفترض أن مجرد تشكيل حكومة الكاظمي قد جعل الأزمة العراقية المركبة وراء ظهر العراقيين وليس أمامهم.

يمكن القول إن تظاهرات تشرين، قد أوضحت بدورها عن بعض مكامن اللحظة العراقية الحرجة التي يمكن اختصارها بعبارة: "انعدام الثقة بين المجتمع والدولة".

ليس الأمر وكأنه نحتٌ لعبارات مكررة، بل هو حفرٌ في حقيقة المسكوت عنه طوال عقود في العلاقة غير المكتملة بين الدولة العراقية وشعبها.

على الدوام كان انعدام الثقة دافعا لتكريس مواقف سياسية ومن ثم اجتماعية، عرقلت اكتمال مفهوم الدولة في العراق، ولم يكن ثمة حكم طوال القرن العشرين إلا وكان نتاجا لعدم نجاح الدولة في كسب ثقة كلّ شعبِها بها أو في الأقل معظمهم.

ولهذا، كان بالإمكان دائما القول بأن الدولة العراقية لم تثق بكل شعبها في أيٍّ من مراحلها، ولهذا أيضا، كانت تلك الحماسة الطاغية لعقود حول عروض الدولة الوطنية لفئات ومكونات اجتماعية في مقابل معارضة طاغية ودامية لفئات أخرى. ولهذا، لم تنجح قوى الإسلام السياسي الشيعي باستيعاب سيطرتها الفعلية على الحكم في العراق بعد 2003 واستمرت تفترض أن وجود المنظمات المسلحة على هامش الدولة وليس ضمن مؤسساتها التقليدية هو ضامن للطائفة، كما أن القوى الكردية لم تصدّق يوما أن العراق هو دولة يمكن تبادل الثقة معها إلى درجة دمج القوى المسلحة الراعية للقومية في الجيش الوطني، ولهذا انقلبت القوى السنية من التبشير بنسختها الخاصة من مفهوم الوطنية العراقية المستند إلى إرث من محاولة إجبار الآخرين على قبولها بالقوة، إلى انتظار لحظة الانفكاك عن الوطن نفسه!

ليست لحظة العراق العصيبة خلف العراقيين، بل هي أمامهم. بإمكانهم اليوم مع تشكيل حكومة افترضت نفسها نتاج أزمة بنيوية اجتماعية واقتصادية وسياسية وثقافية، وليست صنيعة صيرورات ديمقراطية طبيعية، طرح الأسئلة بصوت مرتفع على الحكومة وعلى الأحزاب وعلى أنفسهم، حول ماهية الدولة، وكيف يمكنها أن تعيد ترميم الثقة المفقودة معهم، وصولا إلى تسليم السلطة إلى نتائج قوى منبثقة من انتخابات عادلة نزيهة.

ليست المرة الأولى التي تقف فيها دولة 2003 أمام امتحان الوجود، وليست المصيدة الأولى أمام الخريطة العراقية، فقد كان الفشل بإنتاج نظام عدالة انتقالية حقيقي كفيلا بتحويل القطيعة مع الماضي البعثي إلى نظام مصالح متجذر أكثر منه مشاعر حقيقية، وكان الفشل في تقويض التلاعب بالنزعات العاطفية المذهبية والقومية كفيلا في بناء منظومات سياسية ربطت مصيرها بهذا التلاعب، وتنازلت عن سلطة قرار العراق طوعا إلى الأجنبي، وكان الفشل في معالجة الاقتصاد الريعي، كفيلا ببناء منظومة فساد تسرطنت في الدولة حد المجازفة بقتلها.

أن تدرك حكومة الكاظمي أن المرحلة الأصعب ما زالت أمامها، يضعها مباشرة أمام مسؤولية التصدي لواجبها الأساسي بالعمل على إجراءات حقيقية تضمن استعادة ثقة الشعب بالدولة

العجز عن استعادة ثقة الشعب العراقي بالدولة، لم ينقذه حديث الفاعل الشيعي أمام جمهوره عن ضمان الحكم للشيعة، ولم يعالجه تبشير الفاعل الكردي أمام جمهوره بخريطة رسمت عام 2017 على ورقة استفتاء، ولم يغفر له تلويح الفاعل السني لجمهوره بإنشاء الإقليم.

الحقيقة أن إخفاق الدولة في اختبار الثقة لم يغفره العراقيون لكل ساستهم، وكانت انتفاضة تشرين لمحة فقط من ذلك الغضب الخطير الذي تكثف عبر السنوات وتحول إلى كَربٍ شعبي مزمن، يعبّر عن نفسه بلمحات مقلقة.

الوقت المستقطع الذي منح العراق فرصة تنفس مؤقتة، وضع ورقة اختبار النوايا لحكومة الكاظمي منذ يومها الأول على الطاولة، لكنه جاء في أسوأ ظروف ممكنة، بسبب أزمة كورونا، وما تبعها من انهيار اقتصادي عالمي. إنه وقت ثمين جدا، يجب دعمه بتنازلات حزبية جادة وحقيقية تصل إلى الاعتراف بطيّ صفحة بأكملها وفتح أخرى، في مقابل تفهم شعبي.

أن تدرك حكومة الكاظمي أن المرحلة الأصعب ما زالت أمامها، يضعها مباشرة أمام مسؤولية التصدي لواجبها الأساسي بالعمل على إجراءات حقيقية تضمن استعادة ثقة الشعب بالدولة، وذلك لن يكون من دون أن تبدأ الدولة أولا باستعادة الثقة بشعبها، كلِّ شعبها.