نساء في البرازيل يتظاهرن بمناسبة يوم المرأة العالمي
نساء في البرازيل يتظاهرن بمناسبة يوم المرأة العالمي

نضال منصور/

نور عز الدين إعلامية أردنية صدمتني وأيقظتني في تعليق لها على فيسبوك صبيحة الثامن من آذار/مارس ذكرى اليوم العالمي للمرأة بقولها "من طلب الاحتفال بي؟ أنا لم أطلب من أحد الاحتفال بي، ولا أنتظر من أحد أن يحتفل بي، تحتفلون بي من أجل ماذا؟".

تواصل عز الدين، وهي تقيم في إسطنبول، استنكارها لاحتفالات العالم العربي بيوم المرأة العالمي قائلة "من أجل حروب لا زلت أخوضها يوميا في الشارع العام وأنا أضع سماعات الأذن كي لا أسمع نداءات التحرش الجميلة، وأنا أركب سيارتي وأخشى أن أرفع صوت الموسيقى ريثما أقف عند الإشارة الضوئية كي لا يرمقني رجل قدير تملؤه الأخلاق بنظرة مزرية".

وتكمل "وأنا استيقظ في صباحات دموية شهرية، تشل قدرتي على الذهاب للعمل، وأخشى أن يعلم زملائي بها، وطاقتي تصل حد الصفر لأن المؤسسات العمالية لم تصل لمرحلة التقدم بعد لتحرير إجازة شهرية للمرأة، وأنا أرى صغيرات في عائلتي يتزوجن في عمر الطفولة، ولا أستطيع تغيير الأمر لجهل أهلها وجهلها هي أيضا، وأنا أرى صديقتي التي تحملت مرارة الأمومة والحمل وكافة هذه الهرمونات الصاعدة والهابطة ليأتي زوجها المغوار ويأخذ أطفالها منها، عن أي عيد أتحدث وإن تعب ابني في الأردن وأريد عمل عملية جراحية له في مستشفى لن أتمكن دون موافقة أبيه".

المنتدى الاقتصادي العالمي يشير الى أن النساء يحتجن لقرون لتحقيق التكافؤ مع الرجال

​​وتختتم القول "لطفا لا أحد يحتفل بي، فعندما نتمكن من أخذ حقوقنا البسيطة البديهية قبل الكبيرة وتنتهي أبسط المشكلات التي نتعرض لها بشكل يومي تحتفلون بنا".

فعلا لماذا يحتفل العالم العربي باليوم العالمي للمرأة، هل هي طقوس ليداري خيبة مريرة، أم تنميط جديد لصورة المرأة لا تتعدي يوم واحد في العام؟

منذ سنوات تسعى مؤسسات الأمم المتحدة للتذكير أن العالم لن يشهد نهضة دون أن تأخذ المرأة مكانتها، وتستعيد حقوقها التي سلبتها سلطة الذكور، وكرستها سلطة سياسية مستبدة، مهما كان اتجاهها وأيدولوجيتها.

"اليونسكو" مثلا أطلقت مبادرة رمزية في وسائل الإعلام تتلخص بأن تُسنَد رئاسة التحرير أو الإدارة لامرأة ليوم واحد، واستخدمت مؤسسات الإعلام العربي هذا التقليد والطقس، وبات مضحكا وسمجا لا يُغير في الواقع، ويكرس حقيقة أن المرأة في الإعلام ليست أكثر من زينة و"فترينة" تستخدم لتجميل الصورة، وواقع الأمر أن هناك إعلاميات عربيات كن وما زلن يقدمن نموذجا رياديا في الدفاع عن الحقيقة مهما كلف الثمن، والذاكرة تزخر بإعلاميات سقطن شهيدات للمهنة، وأخريات عشن لأعوام خلف القضبان لأنهن تجرأن على اقتحام المسكوت عنه، والاقتراب من "التابوهات"، وبعضهن تعرضن للتهديد فتركن أوطانهن وعشن في المنافي.

بالتأكيد معاناة النساء ممتدة على خارطة العالم، وأكثر التقارير مؤلمة، ما يؤكده المنتدى الاقتصادي العالمي حين يُشير بوضوح أن النساء يحتجن لقرون لتحقيق التكافؤ في جميع أنحاء العالم.

نفس التقرير يطالعنا بأرقام تخلق غصة، فالعالم يحتاج 108 سنوات لردم الفجوة بين الجنسين، وإلى 202 سنة لإزالة جميع الفوارق.

تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي الذي يغطي 149 دولة ويركز على التعليم، الصحة، الفرص الاقتصادية والتمثيل السياسي، يدق جرس الخطر لتعرض حقوق المرأة لانتكاسات في هذه المجالات بدل التقدم وتحقيق تحسن مضطرد.

إذا كان واقع المرأة في العالم يواجه تحديات ومصاعب، فإن الصورة الأكثر تخلفا وبؤسا ستكون حتما في الشرق الأوسط وخاصة العالم العربي.

المشكلة من يستطيع أن يجاهر أن توظيف الدين بالحياة يسجن المرأة ويبقيها تحت سلطة الرجل

​​في بلادنا تقع النساء تحت ضغوط و"تابوهات مقدسة" تحاول الخلاص منها، فتجد نفسها أكثر تكبيلا.

المشكلة الأكثر تعقيدا؛ من يستطع أن يرفع الصوت ليجاهر أن توظيف الدين في الحياة يحاصر ويسجن المرأة، ويبقيها تحت سلطة الرجل؟ وإن وجدت اجتهادات تنويرية فإن بعض "أصحاب العمائم" يكفرون بفتاويهم من يحاولون الخروج على سلطتهم.

توظيف الدين لإبقاء النساء سجينات عباءات سوداء، لا يقل كبحا منه موروث اجتماعي ـ عادات وتقاليد ـ أصبحت شبكة عنكبوتية من الصعب التحرر من خيوطها، وصارت عبئا وأكثر طغيانا من سلطة الدين والقانون.

صندوق النقد العربي يبشر وسط هذه الحالة المتشائمة والسوداوية بأن التمكين الاقتصادي للمرأة يحقق أهداف التنمية المستدامة، وأن المساواة بين الرجال والنساء يساعد على زيادة الناتج المحلي في العالم العربي من 12 إلى 28 ترليون دولار بحدود عام 2025.

وينبه الصندوق إلى أن خفض نسب الفقر مرتبط بشكل أساسي في إدماج وتمكين المرأة في سوق العمل، مشيرا إلى أن ارتفاع معدل الخصوبة وزيادة الإنجاب يؤثر بشكل عكسي على مشاركة المرأة بسوق العمل، في حين يؤثر الالتحاق بالتعليم الجامعي في زيادة فرصها للانخراط بسوق العمل وتوفر فرص أفضل لها.

سيدة ترفع لافتة تقول "لا تقل لي ماذا ألبس، قل لهم ألا يغتصبوا"

​​ومثلما تتذيل الدول العربية مؤشرات الحريات، فإن منظمة العمل الدولية تكشف عن انخفاض نسبة مشاركة المرأة العربية في سوق العمل مقارنة بالمتوسط العالمي، حيث تبلغ 18.9% نسبة مشاركة النساء من إجمالي الإناث في سن العمل وفق إحصائيات لعام 2017، في حين تبلغ النسبة 48.7% للنساء في العالم، وتتماثل النتائج لمعدلات البطالة لتبلغ بين النساء العربيات 16.7% وفي العالم 6% فقط.

دراسة البنك الدولي تقول إن أدنى مرتبة بمؤشر المساواة بين الجنسين كانت من نصيب الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وبلغت 47.37%، وتخلص الدراسة للقول "لو يُتاح للنساء فرص متساوية لأصبح العلام أكثر عدلا وازدهارا".

الفجوة الجندرية والتمييز ضد النساء مرعب، فالأرقام تشي أن 2.7 مليار امرأة ممنوعة قانونا من الحصول على فرص العمل التي يحق للرجال الحصول عليها.

وكالعادة فإن النساء في الشرق الأوسط أكثر حرمانا من حقوق قانونية متساوية، وتتقدم المؤشر بالمساواة القانونية دول مثل بلجيكا، وفرنسا، والسويد، ولاتفيا وتحصل على العلامة الكاملة.

تناضل النساء في العالم العربي من أجل حقوقهن دون طائل، وإذا ما استثنينا تونس التي حققت الريادية في تمكين النساء، وآخر المواقف والقضايا التي أثارت "زوبعة" عربية مساواة النساء بالرجال بالإرث، وسبقها منع تعدد الزوجات منذ عهد الرئيس التونسي الأسبق الحبيب بورقيبة، إذا ما استثنينا هذه الحالة المشرقة فإن السائد عربيا أن لا تملك النساء الحق بمنح أولادهن وأزواجهن جنسيتها، وبعض الدول لا تعطيهم الحق بالإقامة الدائمة، في حين يُعطي الدستور والقانون الرجال العرب الحق بمنح الجنسية لزوجته حتى وإن تزوج أربع نساء، ولكل أولاده مهما بلغ عددهم، ومهما كانت جنسية الأم.

التمييز ضد النساء مرعب و2.7 مليار امرأة ممنوعة قانونا من الحصول على فرص العمل التي يحق للرجال الحصول عليها

​​يتباهى كثير من الرجال العرب بأنه حصل على الجنسية الأميركية أو الأوروبية لأنه تزوج من مواطنة تتبع هذه البلدان، ويفخر أن أولاده حازوا على جنسية أمهم فورا، بل أن بعضهم يذهب خفية وزوجته حامل لينجب في بلاد الغرب ليحصل ابنه المولود هناك على الجنسية فورا، بعض هؤلاء "الذكور" لو سألتهم رغم ما أخذوه من حقوق ومكتسبات في بلاد الغرب فإنهم ينكرونها على النساء في أوطانهم دون أن يشعروا حتى بتأنيب الضمير.

تمردت النساء في العالم على حكم الرجال والسلطة المستبدة التي أنتجوها، واستطاعت أن تكسر الأغلال التي قيدتها، إلا في العالم العربي فما تزال تُذبح النساء تحت ستار وكذبة الشرف، ويتواطأ المجتمع ليقدم الحماية للقاتل باعتباره "حمى شرف القبيلة".

عالم كهذا لا تملك المرأة فيه حريتها سيظل الجميع فيه عبيدا مهما تفاخروا بحرية هم لا يملكونها أصلا.

اقرأ للكاتب أيضا: الأردن .. 'القصر' عنوان الاحتجاجات

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

FILE PHOTO: Military vehicles of the Libyan internationally recognised government forces head out to the front line from…

في بيان قوي وغير اعتيادي، اتّهمت وزارة الدفاع الأميركية موسكو يوم الثلاثاء بإرسال مقاتلات إلى ليبيا لتعزيز المرتزقة المرتبطين بالكرملين بهدف دعم قائد "الجيش الوطني الليبي" خليفة حفتر في شرق البلاد. وتمثّل هذه الخطوة تصعيدا كبيرا في دور روسيا في الصراع الليبي، وتثير تساؤلات عمّا تأمل روسيا تحقيقه من خلال نشاطها المتزايد في ليبيا.

في الأشهر السابقة، أدى تدخل تركيا في ليبيا إلى تحويل مسار الحرب لصالح "حكومة الوفاق الوطني" في طرابلس والمعترف بها من قبل الأمم المتحدة. ومن الجدير بالذكر أن التدخل التركي المباشر لصالح حكومة الوفاق يترتب عليه تغيير في الدور الذي تلعبه القوى الداعمة للطرف الآخر في هذا البلد الذي مزّقته الحرب. 

وبسبب الانتكاسات العسكرية التي عانى منها حليف الإمارات خليفة حفتر في الفترة الماضية، تستعد روسيا لاغتنام الفرصة ولعب دور أكبر في شرق ليبيا. وقد تمثّلت الاستراتيجية الدبلوماسية لموسكو في ليبيا على مدى السنوات القليلة الماضية بالانخراط مع جميع أطراف الصراع الليبي، لكن مع المحافظة على الانخراط العسكري فقط إلى جانب حفتر كقائد لـ "الجيش الوطني الليبي".

ومع ذلك، فقد أصدر حفتر نفسه سلسلة من التصريحات الجريئة ردا على الضغوط التركية، التي ربما تجعل موسكو تعيد حساباتها، منها إعلانه بتاريخ 27 أبريل، أن الاتفاق السياسي الليبي الذي توسطت فيه الأمم المتحدة ـ والموقَّع في ديسمبر 2015 ـ أصبح لاغيا. كما أعلن عن نيته السيطرة على الحكم من خلال التفويض الشعبي. وقد تم تفسير ذلك على أنه محاولة انقلاب ضد حلفائه في شرق ليبيا الذين دعموه منذ إطلاق عمليته العسكرية، التي سُمِّيت "عملية الكرامة"، في مايو 2014.

يشعر حفتر بالقلق من إمكانية دخول حلفائه الشرقيين في مفاوضات سياسية وحوار مع طرابلس تحت رعاية الأمم المتحدة بدون موافقته

من أجل فهم إعلان حفتر الأخير، من المفيد فهم الدوافع التي تحرّكه. فمن المرجّح أن حفتر يتصرف الآن بدافع الضعف والخوف، إذ أدى تدخل تركيا المباشر هذا العام ضد قواته وخطوط الإمداد في غرب ليبيا إلى إضعاف التفوق العسكري المطلَق الذي كان يتمتع به. وبالتالي، يواجه حفتر تداعيات هزيمة عسكرية محتملة في طرابلس، بما في ذلك التأثير الذي يمكن أن تخلّفه تلك الهزيمة على قاعدته الشعبية في شرق ليبيا.

هذا ويشعر حفتر بالقلق من إمكانية دخول حلفائه الشرقيين ـ أي مجلس النواب المعترف به دوليا في شرق ليبيا ورئيسه عقيلة صالح ـ في مفاوضات سياسية وحوار مع طرابلس تحت رعاية الأمم المتحدة بدون موافقته، من أجل إبرام اتفاق سياسي جديد. يمكن لمثل هذه الخطوة أن تهمّش حفتر وتضع حدا لخططه للسيطرة على طرابلس عسكريا.

في الواقع، جاء إعلان حفتر بعد أيام قليلة من تقديم صالح مبادرة سياسية تهدف إلى التوصل إلى اتفاق سياسي يدعو لإنهاء القتال في طرابلس. غير أن هذا الإعلان لم يرضِ حفتر، ودفعه إلى اتخاذ خطوته الأخيرة محاولا إنقاذ مشروعه الطموح لحكم ليبيا من الانهيار.

الآن، يواجه حفتر تحدي تأرجح الموقف الدولي من الحرب في طرابلس. لقد شن حفتر هجومه على طرابلس ـ والذي كان من المفترض أن يستمر لبضعة أسابيع فقط ـ قبل أكثر من عام. إلا أن التدخل التركي المباشر مؤخرا لمؤازرة "حكومة الوفاق الوطني" المدعومة من الأمم المتحدة قد قلب ميزان القوى في طرابلس ضد حفتر، ما جعل الاستيلاء على طرابلس أكثر فأكثر أمرا عديم الجدوى في نظر أغلب مؤيدي حفتر الخارجيين. وقد برزت دولة الإمارات العربية المتحدة كاستثناء على ذلك، وهي الآن منخرطة في حرب مفتوحة ضد تركيا وحلفائها الإسلاميين في المنطقة والذين يتمتعون بنفوذ مهم داخل حكومة طرابلس.

على الرغم من أن أبوظبي لن تتراجع على الأرجح، ليس واضحا ما إذا كانت قادرة أن تستمر في هذا المسار من دون الحصول على دعم قوة عسكرية متطورة يمكن أن تضاهي قوة تركيا أو تفوقها من الناحية العسكرية. وإذا لم تتمكن أبوظبي من تقديم الدعم الكافي لإعادة ميزان القوى لصالح حفتر، فمن المحتمل أن يحاول حفتر البحث عن الدعم في مكان آخر.

ولهذا يأتي تدخل روسيا المتزايد في ليبيا في وقت مفصلي في الصراع. قد تكون روسيا مرشّحة للعب دور أكثر نشاطا في الملف الليبي باعتبار أن العلاقة بين حفتر وموسكو قائمة أصلا. 

من ناحية أخرى، قد ترى موسكو أنه من مصلحتها الاستفادة من حالة الضعف والتراجع لدى حفتر بسبب التدخل التركي حتى تتمكن من إملاء بعض من شروطها عليه. 

في الواقع، قد تفرض روسيا صالح كشريك سياسي لموسكو في المرحلة القادمة من انخراطها في شرق ليبيا. لن تكون هذه المرة الأولى التي تحقق فيها روسيا تدخلا ناجحا، إذ ساعد انخراطها في سوريا في إنقاذ نظام الأسد من الانهيار الكامل عام 2015، ما يشير إلى أن تدخلا مستقبليا قد يكون بنفس الفعالية.

قد يحاول كل من إردوغان وبوتين الاستيلاء من جديد على الدبلوماسية الدولية المعنيّة بليبيا من خلال عملية شبيهة بعملية أستانا، وتطغى بذلك المصالح التركية والروسية على المصالح الليبية

لا تزال موسكو تنظر إلى حفتر و"الجيش الوطني الليبي" باعتبارهما الشريك العسكري الوحيد في ليبيا اليوم، ولن يكون أمامها تقريبا أي مجال سوى الاستمرار في تزويد "الجيش الوطني الليبي" بالدعم العسكري الكافي من خلال المرتزقة المرتبطين بالكرملين، ومن خلال تعزيز العلاقة بين دمشق وبنغازي. من شأن هذا الدعم أن يضمن عدم تحقيق تركيا و"حكومة الوفاق الوطني" انتصارا حاسما ضد "الجيش الوطني الليبي" في غرب ليبيا وجنوبها، والذي بدوره قد يضع نهاية لطموحات روسيا في ليبيا.

ومع ذلك، يبدو أن الروس يفهمون قيمة الاعتراف الدولي الذي يتمتع به صالح كرئيس لمجلس النواب في الشرق. تجدر الإشارة إلى أنّ مجلس النواب منتخب ديمقراطيا وهو أيضا أحد الأجسام المنبثقة عن "الاتفاق السياسي الليبي"، وهو السلطة التشريعية وفقا لذلك الاتفاق. 

وعلى هذا النحو، فإن موسكو قد بدأت بشكل متزايد في التأكيد على أهمية الدور الذي يلعبه صالح، وذلك على الرغم من إعلان حفتر الأخير السيطرة على الحكم من خلال التفويض الشعبي.

حتى الآن، اتخذت روسيا خطوات جادة في هذا الاتجاه. وتساعد موسكو في تنسيق عودة الشخصيات الرئيسية في نظام القذافي إلى شرق ليبيا. حيث انضم العديد من أنصار النظام السابق لصفوف "الجيش الوطني الليبي" وهم بمثابة حلقة وصل مهمة بالنسبة لروسيا، إذ لطالما شكّكت موسكو في ماضي حفتر وعلاقاته بـ "وكالة الاستخبارات المركزية".

وزعم صالح أيضا في 29 أبريل أن روسيا شجّعت قراره بالسعي إلى التفاوض مع طرابلس والخروج بمبادرته السياسية. وخلال تجمّع قبلي في مسقط رأسه في القبة، شرق ليبيا، قرأ صالح مقتطفات من رسائل ادعى أنه تلقاها من مسؤولين روس يحثّونه وينصحونه بالإعلان عن مبادرة سياسية جديدة من شأنها أن تساعد في إنهاء "حكومة الوفاق الوطني" المتمركزة في طرابلس. 

وفي المقابل، لعبت أبوظبي دورا مباشرا في دعم إعلان حفتر بإلغاء "الاتفاق السياسي الليبي"، وإعلان سيطرته على الحكم في شرق ليبيا.

في 19 مايو، شدّد المندوب الدائم لروسيا لدى الأمم المتحدة على أهمية مبادرة صالح لوقف إطلاق النار، حيث اقترحت المبادرة إنشاء مجلس رئاسي جديد يتألف من ثلاثة أعضاء ليحل محل المجلس الحالي في طرابلس، وتشكيل حكومة وفاق جديدة، حيث يمثّل المجلس الجديد المناطق التاريخية الثلاث في ليبيا، ويشرف على صياغة دستور جديد وانتخابات جديدة. وفي 26 مايو، تحدث وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، مطولا مع صالح لتبادل وجهات النظر حول التطورات العسكرية والسياسية في ليبيا، حيث أعرب الأول عن دعمه لمبادرة صالح السياسية.

وفي هذا السياق، يبدو أن موسكو تحاول الاستفادة من الاعتراف الدولي الذي يحظى به صالح واستخدامه كمبرر لانخراطها السياسي والعسكري المتزايدة في شرق ليبيا. وهذه هي المقاربة ذاتها التي تتبعها أنقرة مع "حكومة الوفاق الوطني" المعترف بها دوليا والمتمركزة في طرابلس. 

وقد تسعى روسيا حتى إلى توقيع اتفاق مع مجلس النواب المتمركز في الشرق مماثل لذلك الذي وقّعته تركيا مع "حكومة الوفاق الوطني" والذي قد تستخدمه روسيا كغطاء قانوني لتدخلها على الأرض في الفترة القادمة.

ولكن إذا اختارت موسكو أن تتبع هذا المسار، فسيتعين عليها أولا أن تضمن اعتماد كل من حفتر وصالح على دعمها العسكري والسياسي للصمود والبقاء في ظل التغول التركي، والتأكيد على أن الدور الروسي لا يمكن مطابقته من قبل أي من القوى الإقليمية الأخرى الداعمة للرجلين. 

على الرغم من أن أبوظبي لن تتراجع على الأرجح، ليس واضحا ما إذا كانت قادرة أن تستمر في هذا المسار من دون الحصول على دعم قوة عسكرية متطورة يمكن أن تضاهي قوة تركيا

ومن الجدير بالذكر هنا أن روسيا لا تحب المنافسة القوية خاصة إذا ما تعلق الأمر بنفوذها السياسي في مناطق سيطرتها. فحتى الآن، سمح الدعم الأجنبي المتنوع الذي يحظى به حفتر في تمكينه من التلاعب بمؤيديه الخارجيين بقدر كبير من الفعالية، حتى أنه أحرج الدبلوماسية الروسية والرئيس فلاديمير بوتين في وقت سابق من هذا العام عندما انسحب من دون التوقيع على اتفاق لوقف إطلاق النار تم التوصل إليه بوساطة كل من الرئيس بوتين وإردوغان. وقد اتُّهِمت الإمارات بعرقلة توقيع هذا الاتفاق.

بالإضافة للديناميكيات المعقّدة للصراع الليبي، هناك أيضا ديناميكية غريبة بين تركيا وروسيا والتي من المرجح أن تلعب دورا محوريا في علاقة الدولتين في ما يخص الملف الليبي. إذ أن روسيا وتركيا منخرطتان في تنافس وصراع إقليمي متعدد الأوجه والمستويات، ربما أبرزها في سوريا. ورغم ذلك، فقد أظهرت موسكو وأنقرة أيضا قدرة ومهارة عالية في إدارة خصومتهما الراهنة في ظل خلفية شراكتهما الاستراتيجية طويلة الأجل.

ومن شأن أي جهود جديدة لوقف إطلاق النار في ليبيا أن تقدم فرصة أخرى لإردوغان وبوتين للعمل معا وتعزيز شراكتهما الاستراتيجية في المنطقة. وفي الواقع، حاول الزعيمان الاستيلاء على الدبلوماسية الدولية المعنيّة بليبيا من خلال الإعلان عن مبادرة لوقف إطلاق النار أثناء مؤتمرهما الصحفي المشترك في اسطنبول في يناير 2020، بعد افتتاح خط أنابيب جديد لنقل الغاز إلى أوروبا.

وفيما تسعى موسكو إلى تعزيز علاقاتها مع الكتلة الشرقية في ليبيا، وتبني أنقرة وجودها العسكري ونفوذها في طرابلس، فقد يحاول كل من إردوغان وبوتين الاستيلاء من جديد على الدبلوماسية الدولية المعنيّة بليبيا من خلال عملية شبيهة بعملية أستانا، وتطغى بذلك المصالح التركية والروسية على المصالح الليبية. 

وإذا لم يحدث تحوّل كبير في واقع الصراع الليبي، فإن هذين البلدين سيحددان مستقبل ليبيا. حتى الآن، وبينما تستمر الولايات المتحدة في إظهار قلّة اهتمام أو انخراط جاد في الملف الليبي، وما زالت أوروبا منقسمة من دون سياسة مشتركة وواضحة بشأن ليبيا، فمن المرجح أن تستمر كل من تركيا وروسيا في الاضطلاع بدور محوري في الأزمة الليبية، لا سيّما إذا استمرت روسيا في زيادة نفوذها العسكري والسياسي بنفس الوتيرة القائمة الآن.

المصدر: منتدى فكرة