تظاهرة 14 آذار/مارس 2005 في بيروت
تظاهرة 14 آذار/مارس 2005 في بيروت

فارس خشّان/

عبثت الإدارة الأميركية في القاموس اللبناني. سفيرتها في بيروت إليزابيث ريتشارد بداية، ومبعوثها إليه ديفيد ساترفيلد بعدها، ووزير خارجيتها مايك بومبيو في المستقبل القريب جدا، ينبشون كلمة "الاستقرار" ويعيدون تعريفها.

بالنسبة للإدارة الأميركية لا يعيش لبنان استقرارا حقيقيا، بل استسلاما.

الاستقرار، بالقاموس الأميركي، هو سلام داخلي مبني على مفاهيم وتوازنات واضحة، فيما الاستسلام، وإن كان يوفر الهدوء، إلا أنه مبني على انكسار طرف أمام طرف آخر، وتخلي طرف عن القواعد السليمة ليتجنب ضرر الطرف الأقوى.

ووفق القاموس الأميركي نفسه، فإن لبنان كان هادئا في زمن الاحتلال السوري، ولكن هذا الهدوء لم يكن استقرارا، بدليل أن اللبنانيين، في لحظة الحقيقة، انتفضوا ودفعوا الثمن. وكذلك الحال بالنسبة لسوريا، إذ أنها بقيت هادئة إلى ذاك اليوم الذي قرر فيه قسم كبير من السوريين أن ينتفضوا ضد نظام بشار الأسد.

في لبنان كما سوريا فإن هوية المنتصر جاذبة للكوارث

​​وبهذا المعنى، فإن الاستقرار الذي يدوم ويمكن بناء مستقبل على أساسه، هو غير هذا الذي يشهده لبنان حاليا، حيث غلبة "حزب الله"؛ وهو غير ما كانت تشهده سوريا قبل ثورة 15 اذار/ مارس 2011، حيث كان نظام الأسد يفرض على السوريين "استقرار القبور".

وإذا كان من المسلّم به أن الإدارة الأميركية غير مهووسة بالقواميس وبتدقيق العبارات، فإن السؤال الذي يفرض نفسه يصبح الآتي: لماذا تهتم واشنطن بمصطلح "الاستقرار"، وهي تخاطب اللبنانيين من خلال مسؤوليهم؟

ثمة من يشير إلى أن المسؤولين اللبنانيين دأبوا، وكلما أبدى مسؤول أميركي امتعاضه من القبول بما يفرضه "حزب الله"، على الحديث عن حاجة لبنان إلى الاستقرار، وأن مواجهة إرادة الحزب من شأنها أن تتسبب بزعزعة الأوضاع، الأمر الذي لا يمكن للبنان أن يتحمله.

وتضع واشنطن، في سياق المواجهة التي أعلنتها على إيران وأدواتها في المنطقة، خططا تشمل لبنان وسوريا.

وإذا كانت سوريا، بفعل وضعية نظامها الحالي، أعجز من أن تجد من يترافع عنها في واشنطن وأمام المسؤولين الأميركيين مما يترك الشعب السوري تحت رحمة الجوع والفقر والحرمان والموت، فإن للبنان أصواتا كثيرة تترافع ضد الخطط الأميركية التي تستهدف "حزب الله"، والعمود الفقري في هذه المرافعات هو الاستقرار لا غير، على اعتبار أن المسؤولين اللبنانيين على اختلافهم غير قادرين على التفاعل الإيجابي مع المطالب الأميركية.

واهتمام المسؤولين الأميركيين بتحديد مفهوم الاستقرار في لبنان، يعني أن المرافعات اللبنانية قاربت الفشل، وباتت بيروت أمام استحقاق عقابي داهم من بوابة ما يتم تحضيره لـ"حزب الله" الذي تكبر دائرة الدول التي تعتبره كيانا إرهابيا.

وبإعادة المسؤولين الأميركيين تعريف الاستقرار، فإن المسؤولين اللبنانيين وصلوا إلى حافة الاختيار الصعب، فإما أن يسعوا إلى الانطلاق في ترسيخ المفاهيم السليمة لانطلاق الدولة وإما، في حال أعلنوا عجزهم عن ذلك، أن يتحضروا لموجة غير مسبوقة من العقوبات على "حزب الله"، وهي عقوبات لا بد من أن تهز الأوضاع اللبنانية الراهنة وأن تؤثر سلبا على خطط الحكومة اللبنانية الرامية إلى الاستفادة من الخطط التنموية التي وعدها بها مؤتمر "سيدر" الذي كان قد انعقد في باريس.

وليس هناك من فهم الرسالة الأميركية الصارمة مثل "حزب الله"، فأمينه العام حسن نصرالله، في إطلالاته الاخيرة، لا يبرر لناسه الصعوبات المالية التي يمر بها حاليا فحسب بل يهيئهم أيضا للأقسى المقبل عليه، من بوابة الإصرار الأميركي غير المسبوق على تجفيف موارده المالية، بعدما اتضح أن واشنطن باتت تعرف كل مصادره وموارده، في لبنان والخارج.

ويعتقد "حزب الله" بأن فتح ملف الفساد يساعده في "كربجة" القوى السياسية اللبنانية ويحول دون أن تفكر في أي خطوة من شأنها أن تفصل بين الدولة اللبنانية وبينه، ولذلك، فهو يصر على استهداف الرئيس فؤاد السنيورة.

والسنيورة هو رمز أكثر منه شخص، إذ إنه يرمز إلى مقاومة محاولات سابقة للدمج بين الحزب والدولة، وقد قاوم بلا تردد هذا الاتجاه في ما مضى.

واستهداف السنيورة بملف الفساد، يريده "حزب الله" درسا لكل من يحذو حذو السنيورة الذي كان رئيس الحكومة اللبنانية في مرحلة حرب تموز /يوليو 2006، وفي مرحلة إنشاء المحكمة الدولية، وفي مرحلة غزوة السابع من أيار/مايو 2008.

فترة صعبة تنتظر لبنان، فلا الإدارة الأميركية ستتراجع بداعي الاستقرار، ولا "حزب الله" سيتراخى، بداعي المصلحة الوطنية

​​ولهذا، فإن "حزب الله" اختصر افتتاحه لملف الفساد باستهداف السنيورة من دون أن يشير، ولو تلميحا، إلى أي شخصية حليفة له أو سبق لها وقدمت خدمات سياسية له.

تأسيسا على كل ذلك، فإن فترة صعبة للغاية تنتظر لبنان، فلا الإدارة الأميركية ستتراجع عما تخطط له بداعي الاستقرار، ولا "حزب الله" سيتراخى، بداعي المصلحة الوطنية.

قبل 14 سنة، في 14 اذار/مارس شارك اللبنانيون بنزولهم بمئات الآلاف إلى ساحة الشهداء في بيروت برسم مستقبلهم، معلنين رفضهم لهدوء مفروض عليهم بقوة الاحتلال. هذه المرة، يبقون في منازلهم حيث يتآكلهم قلق غير مسبوق على مستقبلهم.

وفي سوريا، حيث تحل الذكرى السنوية لثورة 15 آذار/ مارس 2011، يئن الشعب السوري من نتاج تحقيق نظامه، بفضل التدخل العسكري الخارجي، من الانتصارات في المعارك، فيجدد، حيث يمكنه ذلك، ثورته.

وفي لبنان كما سوريا فإن هوية المنتصر جاذبة للكوارث، لأنها تضع الشعبين خارج المنظومة الدولية، وتتنقل بهم، بلا هوادة، من مواجهة إلى أخرى، ومن حرب إلى حرب.

اقرأ للكاتب أيضا: ماذا يحول دون التقدّم المرجو للمرأة في العالم العربي؟

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.